IMLebanon

رغبة في تجفيف مصادر تمويل “داعش”… ولكن كيف؟

ISIS-Oil
اندرياس بيكر/ حسن ع. حسين
وضعت قمة مجموعة العشرين التي انعقدت في انطاليا التركية تجفيف مصادر تمويل داعش في مقدمة أهدافها. نظريا يبدو ذلك أمرا سهلا، غير أن تحقيقة عمليا أمرا صعبا، خصوصا وأن القيام بعمليات إرهابية لايكلف الكثير.

من المعروف أن تنظيم داعش يملك موارد مالية كبيرة. الحكومة الألمانية تقدر القدرة المالية للتنظيم بحوالي 2 ميليار دولار أمريكي. كما أن الموارد الجارية للتنظيم الإرهابي تعتبر ضخمة وتنبع من مصادر مختلفة تشمل تهريب النفط والقطع الأثرية والأموال المنهوبة من المصارف ومصادرة أموال الناس إلى جانب المداخل الناتجة عن عمليات الابتزاز والفدية والأتاوات المفروضة على المواطنين، وتنتهي المصادر بجمع الضرائب في المناطق التي يحتلها التنظيم.
لكن التقديرات بهذا الشأن تفتقر إلى معلومات مؤكدة. في هذا السياق كان جواب الحكومة الألمانية على أسئلة البرلمانيين أنه ” لا تتوفر لدى الحكومة الألمانية معلومات حول ذلك”.

تبعية ضعيفة لتمويل الخارج

على عكس تنظيم القاعدة الذي كان يشكل شبكة من الجماعات المستقلة، يعمل تنظيم داعش “كدولة”. فهو يسيطر على مناطق شاسعة تحتوي على موارد طبيعية وعلى عدد لابأس به من السكان. ولهذا السبب تكون تبعيته للمساعدات المالية القادمة من الخارج ضعيفة، حسب تقدير الحكومة الألمانية.

ومن المعروف أن تنظيم “الدولة الإسلامية” يسيطر على مساحات شاسعة في بلدين توفر له رأس مال محلي وينتج له يوميا سيلا من الواردات المالية. وهو أمر لم يكن متوفرا لتنظيم القاعدة، حسب قول الخبير في الشؤون الإسلامية بجامعة بيرن السويسرية راينهارد شولتس في حديث مع القناة الألمانية الأولى. ويؤكد الخبير أن هذه الحقيقة تجعل المساعي الدولية لتجفيف مصادر تمويل داعش أمرا صعبا.
وعلى الأقل بدأت المصادر المالية النفطية تتراجع في مناطق ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” وذلك بسبب تراجع أسعار النفط عالميا، وأيضا بسبب تحسن آلية الرقابة على حركة ناقلات النفط في تركيا وفي العراق وفي المناطق الكردية في الآونة الأخيرة، حسب تقرير صادر عن مجموعة عمل دولية معنية بمراقبة عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب تابعة لمنظمة الأمن والتنمية الأوروبية. لكن التقرير يضيف أنه يجب عمل المزيد ، حيث ” نحن بحاجة إلى معلومات أكثر دقة بشأن مصادر تهريب النفط والوسطاء والمشترين للنفط والشركات الناقلة للنفط المهرب والتجار وطرق نقل النفط إلى الخارج.
كما ساهمت الضربات الجوية في تقليص الواردات المالية من النفط. فقد دمرت المقاتلات الحربية التابعة للتحالف الدولي يوم الاثنين الماضي(16 تشرين الثاني/نوفمبر) ناقلات نفط في محافظة دير الزور السورية وأشعلت النيران فيها، حسب ما ذكرت وزارة الدفاع الأمريكية.

واردات كبيرة وتكاليف أكبر

وتشكل الضرائب التي يدفعها سكان المناطق التي تحتلها داعش مصدرا مهما وأساسيا من مصادر التمويل. فحسب تقدير الحكومة الألمانية، يدفع المواطنون ضريبة الدخل بمقدار “5 إلى 15%”. يضاف إلى ذلك أموال الجزية المفروضة على غير المسلمين. كما يتم جباية تكاليف الكهرباء والماء وأجور العقارات العامة والاتصالات وضرائب استخدام الشوارع ونقل البضائع.
وكلما تعرض التنظيم إلى ضغط عسكري، ينعكس ذلك فورا على وارداته المالية. في هذا السياق يقول تقرير صادر عن مؤسسة “أي اج أس” الأمريكية الخاصة بالمعلومات اللوجيستية إن ما يسمى بـ”الدولة الإسلامية” خسر منذ تموز/ يوليو الماضي الكثير من المساحات والموارد التي كانت تسيطر عليها”. ويضيف التقرير الأمريكي ” أن ذلك يساهم في إضعاف قدرة داعش على تمويل مقاتليه”.
من جانب آخر تتضارب المعلومات حول القدرة العسكرية للتنظيم الإرهابي بشكل كبير. فالمخابرات الأمريكية ” سي أي ايه” قدرت قوة داعش القتالية نهاية عام 2014 بحوالي 30 ألف رجل، فيما يقدر الخبير الأمني الأمريكي بجامعة جورج تاون ديفيد غارتنشتاين قوة داعش بحوالي 100 ألف جهادي. كما إن تمويل هذه القوة أمر مكلف بشكل كبير. وحسب تقدير مصادر الحكومة الألمانية فإن المقاتل البسيط يتقاضى شهريا راتبا بحدود 400 إلى 500 دولار، فيما يحصل قادة الجماعات المقاتلة على راتب شهري بحدود 3000 دولار أمريكي. وبحسب أكثر التقديرات تحفظا، يصل مجموع رواتب مقاتلي داعش إلى حدود 15 مليون دولار أمريكي شهريا.
وتتوفر لدى الحكومة الألمانية معلومات تتحدث عن حصول التنظيم الإرهابي على تبرعات أهلية، أي بشكل غير رسمي من المجتمع في دول الخليج، حيث يتم جمع التبرعات تحت غطاء تبرعات لمنظمات الإغاثة. ويتم جمع التبرعات في دول الخليج في حالات أخرى بشكل مفتوح. لكن أهمية هذا المصدر المالي بالنسبة لداعش بدأت تتضاءل، حسب التقديرات الرسمية للخبراء.

محاسبة المتبرعين

على صعيد متصل، ذكر التقرير الدولي المقدم إلى قمة مجموعة العشرين في تركيا والخاص بتمويلات الإرهاب الدولي أن محاكم المملكة العربية السعودية نظرت منذ عام 2010 في حوالي 863 قضية تخص قضايا تمويل الإرهاب وأصدرت أحكاما فيها. وفي الولايات المتحدة تمت محاكمة متبرعين في 100 قضية تمويل الإرهاب وأصدرت أحكاما فيها. ولكن في العموم تشكل محاكمة المتبرعين لجماعات إرهابية أمرا نادرا في العالم. وحسب التقرير الدولي، فإن 33 دولة من مجموع 194 دولة شملها التقرير شهدت محاكمات لأشخاص تبرعوا من أجل تمويل الإرهاب وأصدرت أحكام بحقهم.
وأشار التقرير إلى أن 37 دولة قامت من منطلق خاص بفرض عقوبات على أشخاص ومنظمات سعت لجمع التبرعات لمنظمات إرهابية فجمدت أصولها المصرفية. في هذا السياق تحتل السعودية مجددا المركز الأول، حيث إن السلطات السعودية جمدت لغاية آب/أغسطس ما مجموعه 31 مليون يورو من أصول الأشخاص والجمعيات المتبرعة للإرهابيين. وفي المقابل بلغ مجموع الأموال المجمدة بهذا الشأن في الولايات المتحدة حوالي 20 يورو وفي إسرائيل 6 ملايين يورو.
وكحصيلة أولية للمشهد المالي الخاص بتمويل الإرهاب يمكن القول إنه رغم بعض التقدم الذي حصل في هذا المجال، إلا أن عملية تجفيف مصادر تمويل الإرهاب تجري بشكل بطيء للغاية. كما إن الكثير من الدول لا تنفذ قوانينها الخاصة بمنع تمويل الإرهاب.
وينبغي الإشارة إلى أن طرق تحويل الأموال من المتبرعين إلى الجماعات الإرهابية تتم خارج إطار النظام المصرفي العالمي، وهي بذلك خارج الرقابة الدولية لحركة الأموال، كما يقول الخبير بشؤون الأبحاث الإسلامية شولتس. فمعظم التبرعات تجري، وفق تقدير شولتس بنظام الحوالة المعروف في العالم العربي. نظام يعتمد على الثقة ولا يحتاج إلى الكثير من المعلومات. المتبرع يسلم شخصا يحظى بثقته مالا، ليسلمه لشخص لا يعرفه. فالمتبرع لا يعرف من يستلم المال, والمستلم لا يعرف من تبرع بالمال.

العمليات الإرهابية… تكاليف بخسة

وبغض النظر عن الوضع المالي لتنظيم داعش الإرهابي، تبقى قضية تمويل الاعتداءات الإرهابية، كما هو الحال في اعتداءات باريس، قائمة. وتكمن المشكلة في أن تلك الاعتداءات لا تكلف كثيرا، فهي بخسة التكلفة. وحسب دراسة أجرها معهد أبحاث الدفاع النرويجية التي درست 40 أعمال اعتداء دموي بين عام 1994 وعام 2013 في أوروبا، فأن ثلاثة اعتداءات من أربعة كلفت أقل من 10 آلاف دولار.
في هذا السياق يقول الخبير في شؤون غسيل الأموال لدى الحكومة الألمانية ” يمكن شراء رشاشات الكلاشينكوف ومتفجرات خاصة بأحزمة ناسفة بسعر بخس نسبيا في السوق السوداء”. لكن المشكلة الكبرى، حسب رأي الخبير الألماني تكمن في أن تمويلات الإرهاب تتم خارج نطاق رادار مراقبة حركة الأموال في السوق الاعتيادية، ولهذا يصعب على المصارف معرفة هوية تلك الأموال.
إذن لا يمكن القول بإن أموال الإرهابيين ستنضب قريبا أو أن تلك الاعتداءات الإرهابية ستنتهي. كما إن قدرة الإرهابيين على القيام باعتداءات إرهابية سوف لن تتقلص سريعا، رغم الخسائر التي تمنى بها تنظيم داعش في العراق وسوريا، حسب تقدير مؤسسة “أي أج أس” الأمريكية، التي تعتبر أنه من المرجح أن يوسع “داعش” إستراتيجيته بهذا الشأن، لأنه يأمل من خلال ذلك تجنيد المزيد من المقاتلين.