IMLebanon

دول الشرق الأوسط تتسلّح.. فهل هناك حرب؟

patriotmissiles-us-weapons
جاسم عجاقة

لا يُخفى على أحد أن الواقع الذي فرضه تنظيم داعش أنعش الصناعة العسكرية العالمية، وخصوصاً الأميركية التي باعت ما يزيد عن 46 مليار دولار أميركي في العام 2015. لكن السؤال المطروح هو عن السبب وراء شراء دول الشرق الأوسط لهذا الكم من الأسلحة والغاية منه.
تبلغ قيمة العقود التي وقعتها المملكة العربية السعودية لإستيراد الأسلحة في الفترة الممتدة ما بين العام 2007 والعام 2014، 87 مليار دولار أميركي. وبلغت قيمة العقد المنفذ 26.9 مليار دولار أميركي على الفترة نفسها، ما يجعل منها أهم مستورد للأسلحة في العالم تنافسها في المرتبة الأولى الهند التي أنفقت 26.3 مليار دولار أميركي على الفترة نفسها. وتأتي الباكستان في المرتبة الثالثة مع 12.9 مليار دولار، تليها فنزويلا 10.2، مصر 11، الجزائر 9.8، العراق 9.2، إسرائيل 9.1، والإمارات العربية المتحدة 8.8. وبحسب الـ Stockholm International Peace Research Institute ، فإنه من المُتوقع أن تُنفق المملكة العربية السعودية على شراء الأسلحة في العام 2015 المبلغ نفسه الذي أنفقته في العام 2014.

شراء الأسلحة في الشرق الأوسط: توازن قوى أو نذير شؤم؟

إن مراجعة البيانات التاريخية لبيع الأسلحة لمنطقة الشرق الأوسط، يظهر أن المنطقة تشهد موجة شراء أسلحة لا مثيل لها في تاريخ المنطقة. ويبقى السؤال عن الهدف وراء هذا الشراء الضخم للأسلحة الذي تقوم به دول منطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، العراق، الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل.
وبتحليل لوضع المنطقة ككل وخصوصاً الصراع العربي – الفارسي والصراع الفارسي – اليهودي، نرى أن الولايات المتحدة وعلى الرغم من الإتفاق على النووي الإيراني إلا أن الولايات المتحدة الأميركية لم تستطع حتى الساعة إحتواء “الخطر الإيراني” إتجاه دول الخليج أو إتجاه الدولة العبرية. وبما أن الولايات المتحدة قامت بتوقيع معاهدة مع إيران وهي تحترم مصداقيتها، فإنها ملزمة رفع العقوبات عن إيران خصوصاً أن هذه الأخيرة وبإستثناء عمليات التخصيب التي كانت تقوم بها، لم تكن قريبة من إمتلاك أسلحة نووية كما كان يتمّ التداول به. من هذا المنطلق، وتحسباً لأي عمل عسكري إيراني، عمدت الولايات المتحدة إلى خلق قوة عسكرية في وجه إيران، عبر تسليح ثلاث دول خليجية محاذية لإيران هي المملك العربية السعودية، العراق، والإمارات العربية المتحدة. من ناحية أخرى نرى إيران محاطة من قبل الباكستان (التي لها مشاكل حدودية مع الهند) وتركيا وهما دولتان حليفتان للولايات المتحدة، ما يعني أن هذه الأخيرة إستطاعت خلق حزام من الدول المسلحة حول إيران غير حليفة لها. هذا الأمر يُبرّر لوحده حجم التسلح الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط والذي يذكرنا بالأجواء القائمة في المنطقة إبّان الحرب الإيرانية-العراقية في ثمانينات القرن الماضي. وما يجدر ذكره هو الكمّ الهائل من الأسباب التي تدفع هذه الدول إلى إفتعال مشاكل مع إيران والعكس بالعكس.
بالطبع لا يكتمل التحليل إذا لم نذكر الخلاف التركي – العراقي الحالي على خلفية دخول تركيا الأراضي العراقية، والحرب التي تخوضها الحكومة العراقية ضد تنظيم داعش. كما أن التسلح السعودي يأتي أيضاً ضمن جهوزية المملكة ضد أي عمل عسكري قد تقوم به داعش في المملكة أو على الحدود مع العراق، ولا يُمكننا تناسي الحرب التي تقودها المملكة ضد الحوثيين والذين أظهروا مع الوقت قدرة مقاومة شرسة. بالطبع كل هذا يُبرر شراء أسلحة ولكن ليس بهذا الكمّ.
وعليه، نرى أن عملية التسليح في المنطقة هي قبل كل شيء سباق لفرض موازين قوى على الأرض تؤدي إلى تجميد الواقع الجغرافي بين الدول خصوصاً مع تكاثر الحديث عن سايكس-بيكو جديد. وإذا كانت إيران أصبحت غير نووية، إلا أن أسلحتها التقليدية ما زالت “مزعجة” بالنسبة للمحيط، وبالتالي يأتي التسلح في المنطقة كعمل إحترازي خصوصاً أنه ومع تصريح الرئيس الإيراني حسن روحاني الأخير حول أحقية إيران في التسلح، هناك مخاوف إقليمية ودولية من عمل عسكري إيراني في المنطقة.

الأسباب الاقتصادية لا تقل شأناً عن العوامل الجيوسياسية

مما لا شك فيه أنه ومع الركود الذي طغى على الاقتصاد العالمي منذ الأزمة المالية في العام 2007، لم ينجح الاقتصاد الأميركي خلال فترة طويلة وعلى الرغم من الإنفاق الهائل الذي قام به الإحتياطي الفديرالي الأميركي، من تخطي الأزمة التي تعصف به. لذا أتت المُشكلة في الشرق الأوسط لتخدم تحفيز النمو وذلك عبر شقيّن: الأول إنخفاض أسعار النفط العالمية ما يعني تخفيف الكلفة على الاقتصاد الأميركي والثاني تشغيل الماكينة الصناعية العسكرية. وفي الإثنين نجحت الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها.
وإذا ما سلطّنا الضوء على شق الصناعة العسكرية، نرى أن الولايات المتحدة إستطاعت بيع ما قيمته 75 مليار دولار أميركي من الأسلحة ذهبت بقسم كبير إلى دول منطقة الشرق الأوسط. وهذه الأموال أتاحت للماكينة الإنتاجية الأميركية العمل بشكل سمح بخلق نمو في هذا الاقتصاد وبالتالي دفع الولايات المتحدة إلى رفع فوائدها التي بدورها ستجلب الكثير من رؤوس الأموال إلى الاقتصاد الأميركي.
على ضوء ما تقدّم، أثبتت الولايات المتحدة أنها تمتلك عنصر تخطيط إستراتيجي يفوق بمراحل التخطيط الإستراتيجي للدول الكبرى الأخرى.