IMLebanon

صفقة مثيرة تكشف لعبة شد الحبل الأمريكية ــ الصينية

PostalSavingsBankofChina
شون دونان

عندما أعلن بنك الادّخار البريدي في الصين أنه جمع سبعة مليارات دولار من مجموعة من المستثمرين الدوليين، أصبح يمثل خطوة كبيرة نحو ما يُتوقع أن يكون واحدة من أكبر عمليات الاكتتاب العام الأولي الصينية في عام 2016.

إلى جانب شركة تشاينا لايف ومجموعات التمويل العالمية مثل يو بي إس وجيه بي مورجان، فإن المصرف جمع التمويل من فرع البنك الدولي لتمويل القطاع الخاص، أي مؤسسة التمويل الدولية، وهو ما يُمثّل انعطافا جذريا بالنسبة لبنك حكومي كان قبل ثلاثة أعوام فقط، قد شهد توجيه تهمة الفساد لرئيسه.

الصفقة أصبحت رمزاً للطرق التي غالباً ما تكون خفية، حيث بكين وواشنطن تقتتلان على النفوذ خلف الأبواب المغلقة في البنك الدولي. كما أنها تلقي بظلالها أيضاً على رحيل أكبر مسؤول للصين في البنك الدولي، المصرفي السابق في بنك جولدمان ساكس جين يونج تشاي الذي، بعد ثلاثة أعوام مضطربة قضاها في إدارة مؤسسة التمويل الدولية، يغادر هذا الأسبوع ليعود إلى آسيا والقطاع الخاص.

في حين أن تشاي وغيره من كبار المسؤولين في البنك الدولي يصرون على أن يغادر قبل عشرة أشهر من نهاية فترة ولايته لمدة أربعة أعوام لأسباب شخصية، وليس هناك مزاعم على ارتكاب أي مخالفات، إلا أن خروجه جاء بعد انتقاد غير معتاد من قِبل مجلس إدارة البنك الدولي على صفقة بنك الادّخار البريدي، التي دافع عنها.

وتأتي هذه الصفقة وسط ما يقول كبار المسؤولين في البنك إنه مخاوف متزايدة من الولايات المتحدة، وبلدان أخرى حول المحسوبية المزعومة التي تنطوي على عدد متزايد من صفقات مؤسسة التمويل الدولية مع الشركات المملوكة للحكومة الصينية. استثمار مؤسسة التمويل الدولية، الذي هو بقيمة 300 مليون دولار، بدا ضعيفاً مقارنة بمبلغ 2.5 مليار دولار الذي دفعته شركة تشاينا لايف مقابل حصتها البالغة 5 في المائة في بنك الادّخار البريدي.

مع ذلك، كان أكبر استثمار أجرته مؤسسة التمويل الدولية على الإطلاق في بنك صيني، واعتبره تشاي مثالا على الصفقات “الضخمة” التي أمِل أن يتم تذكّره في تحقيقها. وفقاً لكبار المسؤولين في البنك الدولي، تساءل كبار المساهمين حول كيف كان هذا الاستثمار يتناسب مع سلطة مؤسسة التمويل الدولية لتمويل الشركات الخاصة، في أماكن عادة ما يكون رأس المال إما غير متوافر فيها أو مكلف للغاية، وحيث الخيارات الاستثمارية الأخرى غير متوافرة.

كثير من المستثمرين الآخرين كانوا يصطفون للحصول على حصة في بنك الادّخار البريدي. علاوة على ذلك، لم يكن واضحاً، كما قال المسؤولون، تماماً ماذا سيكون الأثر الإنمائي ــ وهو اختبار حاسم لاستثمارات مؤسسة التمويل الدولية ــ على الرغم من مزاعم تشاي أنها تتوافق مع استراتيجية “الشمول المالي” في البنك.

يقول بيتر ويك، المصرفي السابق في بنك جيه بي مورجان الذي كان يدير مؤسسة التمويل الدولي من عام 1999 حتى عام 2005 وأشرف على استثمارتها الأولية في القطاع المصرفي الصيني: “من غير الواضح بالنسبة لي ما دور مؤسسة التمويل الدولية في (بنك الادّخار البريدي الصيني). إذا كانت (عوائد الاستثمار) هي السبب في قيامك بهذه الاستثمارات، فما الفرق بينك وبين بنك جولدمان ساكس؟ لكن وظيفة مؤسسة التمويل الدولية ليست فقط أن تكون بنك جولدمان ساكس”.

مؤسسة التمويل الدولية وتشاي يجادلان بأن الاستثمار في بنك الادّخار البريدي سيساعد على جلب الخدمات المالية إلى كثير من “المؤسسات المالية غير المصرفية” في الصين وتوفير عوائد استثمار سليمة أيضاً.

وكان تضارب الآراء قد ظهر عندما نظر مجلس إدارة البنك الدولي في استثمار مؤسسة التمويل الدولية البالغ 300 مليون دولار في حزيران (يونيو) الماضي. عندما اجتمع المجلس المكون من 25 عضوا للتصويت على الاستثمار في التاسع من حزيران (يونيو) الماضي، وذلك وفقاً لمحاضر الاجتماع، امتنع جميع ممثلي الولايات المتحدة واليابان وكبار المساهمين الأوروبيين، بما في ذلك المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا عن التصويت. تسعة أعضاء في المجلس بالإجمال مسؤولين عن 56.4 في المائة من نسبة التصويت في مؤسسة التمويل الدولية حجبوا موافقتهم.

وحيث إن هؤلاء الأعضاء امتنعوا عن التصويت بدلا من التصويت بالرفض، فقد تم المضي قدماً في الاستثمار. في الساحة المختلفة قليلا لسياسة مجلس إدارة البنك الدولي، حيث التصويت الصريح ضد المشاريع المدعومة من قِبل مساهمين أقوياء مثل الصين، هو أمر نادر الحدوث، فتحول التصويت إلى انتقاد كبير لتشاي.

قال تشاد هوبسون، المدير التنفيذي لمركز معلومات البنك، وهو مجموعة حملة قائمة في واشنطن تركز على البنك الدولي: “إنه أمر غير عادي للغاية. (عادة) هذه الاستثمارات لا تصل إلى مجلس الإدارة إذا كانت ستخسر التصويت”.

التصويت، وفقاً لكبار مسؤولي البنك الحاليين، جاء بعد أن كانت الولايات المتحدة منذ أكثر من عام تعرب عن مخاوفها المتزايدة حول عدد من صفقات مؤسسة التمويل الدولية التي تنطوي على شركات صينية مملوكة للدولة في جميع أنحاء العالم.

تلك المخاوف جعلت الولايات المتحدة إما تمتنع أو تصوت ضد مشروع للطاقة المتجددة في باكستان، واستثمار مقترح بقيمة 140 مليون دولار في مشاريع مؤسسة التمويل الدولية التي تنطوي على شركة تجارة الحبوب الصينية “كوفكو” المملوكة للدولة.

وجاء التصويت أيضاً في الوقت الذي كانت فيه البورصات الصينية في حالة اضطراب وقبل إصدار البنك الدولي في تموز (يوليو) الماضي تقريراً سحبه البنك في وقت لاحق، كان قد حذر فيه من أن القطاع المالي “المشوه” في الصين هو في حاجة ماسة إلى الإصلاح. دافع تشاي عن الاستثمار، لكنه ذكر أن أي شيء يتعلق بالصين غالباً ما تصاحبه الحساسيات الزائدة. حيث قال: “دائماً ما تكون هناك وجهات نظر مختلفة فيما يتعلق بالمشاريع في الصين. أنا أفهم ذلك”.

قال تشاي، إن بنك الادخار البريدي، مع فروعه الريفية في الغالب البالغة 40 ألف فرع، سمح لمؤسسة التمويل الدولية بالمساعدة في نشر الخدمات المالية أكثر إلى المناطق الريفية في الصين، حيث هناك نحو 232 مليون شخص ما زالوا لا يملكون حسابات مصرفية.

كما أنه سيمكّن مؤسسة التمويل الدولية من التعلم من واحد من أكبر البنوك البريدية في العالم. حيث أخبر صحيفة “فاينانشيال تايمز”: “كيف نكتسب خبرتنا؟ لا يمكننا اكتسابها من مجرد قراءة الكتب. يجب علينا المشاركة في الصفقات”.

وكان تشاي قد أصر على أنه استثمار جيد بالنسبة لمؤسسة التمويل الدولية، التي اضطرت لبيع حيازات الأسهم الأخرى في الصين لتمويل دفعات أرباح الأسهم إلى البنك الدولي، لتمويل قروضه منخفضة الفائدة إلى أفقر البلدان في العالم. وقال إن بعض استثمارات الأسهم الأخرى في مؤسسة التمويل الدولية كانت قد مرت بأوقات عصيبة.

في حزيران (يونيو) من عام 2015، قامت بشطب ما قيمته 700 مليون دولار من استثمارات الأسهم الخاصة بها في الأسواق الناشئة، وذلك وفقاً لأرقام قدمتها مؤسسة التمويل الدولية.

يقول تشاي، إن الصين هي بمثابة نقطة مضيئة نادرة، لكن مؤسسة التمويل الدولية رفضت تقديم تفاصيل عن مستوى أداء استثماراتها هناك، وسط الاضطرابات الأخيرة في السوق الصينية.

وقال تشاي: “لقد كسبنا أموالا كثيرة للغاية من استثماراتنا في (الصين). نحن محظوظون للغاية. ونحن نشكر الصينيين على إتاحة هذه الفرصة لنا.”