IMLebanon

«يونيكريديت» .. قصة بنك أكبر من الفشل والازدهار معا

unicredit
راشيل ساندرسون

خفض الوظائف وبيع الأصول يوفر حجر الزاوية في خطة لتنشيط أكبر بنك في إيطاليا، ولكن حيث إن المساهمين غير مقتنعين، تتعرض الإدارة للضغوط من أجل اتخاذ مزيد من الإجراءات الجذرية.

يعتبر بنك يونيكريديت في ميلانو من قبل الكثيرين رمزا لإيطاليا الصاعدة: مقياس لمدى ما وصلت إليه البلاد منذ أعماق ركودها بعد الأزمة. بالتالي فإن من المناسب في ظل هذه الأوضاع أن يستخدم فيديريكو جيزوني، الرئيس التنفيذي لبنك يونيكريديت ناطحة السحاب المهيبة البالغ ارتفاعها 231 مترا، للإعلان عن خطة العمل التي قال إنها ستضمن مستقبل أكبر بنك في إيطاليا من حيث الأصول.

الخطة، التي كشف النقاب عنها في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، حددت خفض عدد الموظفين 14 في المائة أو إعادة هيكلة والتخلص، عدة أقسام غير مربحة لزيادة العائدات ورأس المال بحلول عام 2018.

وصف الرئيس التنفيذي المقترحات من مصرف المصارف بأن لديه 150 ألف موظف وأصول بقيمة 900 مليار يورو، بأنها “صارمة” و”طموحة” و”واقعية” و”قابلة للتنفيذ”.

يعتقد المساهمون بخلاف ذلك. بعد مرور ما يقرب من شهرين هبط سعر سهم يونيكريديت بنسبة 20 في المائة. يتم تداول السهم عند 0.6 مرة ضعف القيمة الدفترية الملموسة للبنك مقارنة بـ1.3 مرة عن متوسط القطاع الأوروبي، و1.4 مرة لبنك انتيسا سان باولو، منافسه الذي مقره ميلانو، وذلك وفقا لبيانات بلومبيرج.

الحبكة الفرعية لتصريحات جيزوني هي أنه لا يحاول فقط ضمان مستقبل البنك، ولكن أيضا مكانته باعتباره يتربع على قمة المؤسسة المالية الوحيدة الكبيرة في إيطاليا، التي تتمتع بمستوى عالمي مهم.

كتب المحللان إد التشين وأندرياس فولمر من شركة أبحاث أوتونومس المستقلة بعد وقت قصير من نشر الخطة: “أصبح السهم مرة أخرى قصة ” أثبت لي ” الكلاسيكية حيث لا يوجد إيمان بالإدارة الحالية”.

بنك يونيكريديت – الذي تقلصت أسهمه بنسبة 87 في المائة منذ عام 2007 – أصبح مرادفا للمخاطر المصرفية عبر الحدود. تحت قيادة الرئيس التنفيذي السابق أليساندرو بروفومو، أدت سلسلة من عمليات الاستحواذ ما قبل الأزمة في جميع أنحاء أوروبا إلى استحداث مجموعة متضخمة مع تداخل الحوكمة وازدواجية المهام. التكاليف تبتلع الآن لغاية 61 في المائة من الدخل.

شبكتها الدولية الممتدة في 17 بلدا، تمتد من ألمانيا وحتى روسيا وأوكرانيا وتركيا، جعلتها عرضة للمخاطر الجيوسياسية – ولكنها أيضا قصة متجذرة في إيطاليا. مجموعة يونيكريديت لديها قروض متعثرة بقيمة 84 مليار يورو، التي تبلغ قيمتها نحو خمس إجمالي قروض العملاء والذمم المدينة.

وفي حين أن مقر ناطحة سحابه قد يكون رمزيا للآمال الوطنية لانبعاث اقتصادي، إلا أن البنك، مع افتقاره للأرباح في إيطاليا ورأس ماله الضعيف بالنسبة لأقرانه، يشعر بتأثير هشاشة الانتعاش الاقتصادي في إيطاليا.

لدى المصارف في إيطاليا إجمالي ديون متعثرة بقيمة 330 مليار يورو، وفقا لصندوق النقد الدولي، بعد أن أرسى الركود الخانق لمدة ثلاث سنوات الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الإيطالي في أدنى مستوى.

تلك القروض نفسها تثقل الانتعاش الاقتصادي في الوقت الذي تعاني فيه المصارف، بقيادة بنك يونيكريديت، من أجل أن تكون مربحة وتقرض مرة أخرى.

وإزاء هذه الخلفية، مصدر القلق الأكبر لإيطاليا ليست خسارة جيزوني وفريقه، ولكن خطر التفكك الذي يمكن أن يشهد بيع بنك يونيكريديت لأهم الأقسام في المجموعة، مثل عملياتها في تركيا وبولندا، أو حتى إنشاء شركة منبثقة عن أعماله في ألمانيا.

وهذه المخاوف ستنتاب “يونيكريديت” طالما بقيت أرباحه ضعيفة ومساهموه غير سعداء، كما يقول كبار المصرفيين.

ويقول لويجي زينجاليس، أستاذ ريادة الأعمال والعلوم المالية في كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو: “القطاع المصرفي يشكل مشكلة كبيرة لإيطاليا”. ويضيف: “عندما يكون هناك جزر ترى من يسبح عاريا. ولدينا جزر وجميع المشاكل تأتي إلى السطح “.

محاولة اللحظة الأخيرة

في عام 2004 كان بنك يونيكريديت أحد المصارف الأكثر كفاءة في أوروبا، حيث كان يجني الأرباح الغنية. كانت توقعاته وردية للغاية إلى درجة أنه أراد التوسع خارج إيطاليا في أسواق لها توقعات نمو مغرية.

مساهمو البنك، المؤسسات المصرفية ذات الأغلبية الإيطالية والمرتبطة بشكل كبير باللوبيات السياسية والاجتماعية، وجدت في بروفومو، مستشار شركة ماكينزي السابق الذي تحول إلى مصرفي تجاري، الرجل الذي لديه رؤية لهذا المنصب.

كان لديه عاطفتان قويتان سوف تعملان على تشكيل البنك: ألمانيا، والرغبة في التوسع في أوروبا الشرقية. في غضون سنة كان قد استولى على بنك هايبو فيراين، بنك التجزئة الألماني المضطرب الذي لديه تعاملات كبيرة مع أوروبا الشرقية، محولا بذلك بنك يونيكريديت بين عشية وضحاها إلى لاعب أوروبي، مع الامتياز رقم واحد في أوروبا الشرقية من حيث الأصول.

على أنه من خلال تركيزه على التوسع إلى الشرق، فاجأ بروفومو الناس على حين غرة في عام 2006 عندما أعلن منافساه في شمال إيطاليا، بنك انتيسا وبنك سان باولو عن اندماج ضخم، وخلق أكبر بنك محلي في إيطاليا.

في خطوة دفاعية وتحت ضغط من بنك إيطاليا ومحافظه ماريو دراجي، اشترى بنك يونيكريديت بنك كابيتاليا الروماني، سيئ السمعة حتى ذلك الحين لضعف محفظة القروض.

وفي حركة صاخبة نهائية ما قبل الأزمة، تحرك بروفومو في دفعة أخرى شرقا في تموز (يوليو) 2007، ودفع ثلاث مليارات يورو نقدا للوصول إلى كازاخستان وأوكرانيا.

بحلول أيلول (سبتمبر) عام 2010، وسط هبوط سعر السهم، كان عاطلا عن العمل. بعد أن خلعه الذين كانوا قد أيدوه في السابق، حل محله جيزوني، واحد من كبار المديرين التنفيذيين بالمصرف، في أعقاب توليه المهام في تركيا وسنغافورة.

كانت بداية وعرة للمخضرم في بنك يونيكريديت. في عام 2011 احتل البنك المركز الثاني من الأسفل في اختبارات الإجهاد للمصارف الأوروبية، وراء بنك سانتاندر الإسباني. وبعد أن ذهب إلى السوق ثلاث مرات بين عامي 2009 و2012 لجمع 15 مليار يورو مجتمعة في رأس المال، اضطر جيزوني في عام 2014 إلى شطب 14 مليار يورو، وهو ما عمل من الناحية العملية على محو قيمة الاستحواذات على مدى السنوات العشر الماضية.

خطة الإنقاذ التي تقدم بها جيزوني هي الثانية له خلال 12 شهرا، حيث كانت أسعار الفائدة عند أدنى مستوياتها القياسية، ومطالب زيادة رأس المال من الأجهزة المنظمة تعتصر الهوامش.

وكما يقول شخص مقرب من الرئيس التنفيذي: “من الصعب على جيزوني مواصلة إلقاء اللوم على بروفومو، حيث كان لديه وقت طويل لترتيب كل هذه الأوضاع المضطربة”.

خفض التكاليف

وبموجب إعادة الهيكلة سوف يتم تخفيض قوة العمل بنسبة 14 في المائة بحلول عام 2018 – أكثر من 18 ألف فرصة عمل. ومن بين هؤلاء، سوف تنتقل ستة آلاف وظيفة إلى المبيعات المقررة من وحدة بنك يونيكريديت في أوكرانيا وحصة في شركة بايونير لإدارة الأصول العالمية.

خفض المصرف العام الماضي هدف الربح السنوي إلى 5.3 مليار يورو من 6.6 مليار يورو، ومن المتوقع أن يكون صافي ربحه ملياري يورو في عام 2015. ووفقا للمصرف، فإن نسبة التكلفة إلى الدخل يجب أن تنخفض من 61 في المائة إلى 50 في المائة، نتيجة لهذه التدابير على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

يصف فيليبو ألوتي، كبير المحللين في ائتمان هيرميس، التي تستثمر في سندات بنك يونيكريديت، أهداف خفض التكاليف بأنها “طموحة” فيما يصف الخطة الشاملة بأنها “مخيبة للآمال”.

على وجه الخصوص، قال إنه يرى أن هناك الكثير الذي يتعين القيام به للحد من إجمالي قروضه المتعثرة، البالغة 84 مليار يورو، التي تعتبر أعلى من أي مصرف في أوروبا، التي تواصل إيذاء الربحية.

كما يقول إنه: “في عام 2018 سيكون عدد أقل، لأن انخفاضا بنسبة 3 في المائة في تكلفة المخاطر، ليس بما فيه الكفاية”.

وفي علامة على مدى الصعوبة التي سيكون عليها تنفيذ بيع بنك التجزئة النمساوي الخاسر، وضع على الرف لمصلحة إعادة الهيكلة بعد أن عارضت الحكومة في فيينا والنقابات الصفقة. بافاج، مشتر آخر محتمل تملكه شركة سيربيروس، طالب بمبلع 1.6 مليار يورو لأخذ البنك من أيدي بنك يونيكريديت، كما يقول المصرفيون المشاركون في المحادثات.

وأضاف بنك جيه بي مورجان إلى الكآبة الأسبوع الماضي، حيث خفض مستوى البنك إلى “ضعيف الأداء” بسبب مخاوف من أن هدف رأس المال لديه والبالغ 11.5 في المائة – أعلى من 10 في المائة، الذي يتعين تحقيقه بحلول عام 2018 – كان لا يزال منخفضا جدا، وعرض التوزيعات النقدية على المساهمين للخطر.

مارتا باستوني، المحللة في بنك باركليز، أحد أكثر المتشائمين حول سهم المصرف، تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. وتقول إن بنك يونيكريديت يحتاج إلى جمع مبلغ إضافي بقيمة سبعة مليارات يورو من رأس المال، مثل إصدار أسهم الحقوق.

ونفى جيزوني مرارا وتكرارا أن المصرف يحتاج إلى الذهاب إلى السوق لمزيد من رأس المال.

آلام متزايدة

انتعاش مستدام في الاقتصاد الإيطالي وأي تخفيف لاحق للضغط على القروض المتعثرة لديه، يمكن أن توفر لبنك يونيكريديت بعض الراحة.

على الرغم من تحفظات ألوتي، ربما تأتي دفعة من انخفاض في تكاليف المخاطر.

قد يكون بحاجة إلى تدفقات القروض المتعثرة وتدهور القروض للعودة إلى مستويات ما قبل الأزمة، جنبا إلى جنب مع النمو الاقتصادي القوي، الذي يتوقع أن يصل 1.4 في المائة هذا العام.

ويجادل أندريا فلتري، المحلل في بنك ميديوبانكا، وهو مصرف استثماري في ميلانو حيث إن بنك يونيكريديت هو أكبر مساهم فيه، أنه: “مع خفض التكاليف هذا يمثل أكبر بند للمساعدة الذاتية لبنك يونيكريديت”. وكان المصرف قد نجح بالفعل في بيع بعض القروض السيئة.

الوقت ليس في مصلحة بنك يونيكريديت. المساهمون، بما في ذلك آبار، أكبر مستثمر للمصرف في أبو ظبي، يطالبون بالعوائد، في حين يتوقع معظم المديرين التنفيذيين للبنك الإيطالي، أن المصرف سوف يستغرق ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات للنمو الاقتصادي، حتى يصل تراكم القروض المتعثرة بالتدريج إلى مستويات ما قبل الأزمة.

سعت حكومة رئيس الوزراء ماتيو رينزي لتسريع العملية مع إصلاح إجراءات الإفلاس للشركات، الذي يهدف إلى تسريع الوقت المستغرق لتقديم القروض المتعثرة إلى السوق. ومع ذلك، فإن خطة الحكومة لإنشاء مصرف سيئ، لتخفيف الضغط عن المؤسسات الإيطالية، تعثرت في وجه معارضة من بروكسل.

أشخاص مقربين من جيزوني يقولون إنه يعرف أن خطته تعتبر “عالية المخاطر” وأن منصبه يعتبر تحت التهديد.

كما يقول أحد كبار المصرفيين: “الخطة تحتاج خصيصا إلى تحسين الأوضاع في إيطاليا وإجراء تخفيضات في ألمانيا والنمسا. الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة. إذا تم تحقيق الأهداف، فإن الوضع على ما يرام. إن لم يكن الأمر كذلك، سيصبح جيزوني رئيس مجلس إدارة، وهم سيحصلون على رئيس تنفيذي جديد”.

الأسماء المحتملة للخلافة تنتشر منذ الآن، وهي تراوح بين أندريا أورسل، الذي عمل مستشارا لبروفومو والآن هو رئيس المصرفية الاستثمارية في بنك يو بي إس، وجيامبيرو مايولي، من كبار المسؤولين في بنك كريدي أجريكول في إيطاليا، وهو عضو في اللجنة التنفيذية للبنك الفرنسي. والجدير بالذكر أن الاثنين إيطاليان يعملان لمصلحة مصارف غير إيطالية.

تعيين رئيس تنفيذي جديد لن يكون كافيا لإرضاء بعض النقاد الذين يعتقدون أن فشل الخطة يترك مجالا مفتوحا لعملية تغيير جذرية. ويعترف بعض أعضاء مجلس الإدارة أن وضع رأس المال الصعب – المصرف لا يزال “إلى حد ما ذا رسملة ضعيفة فوق الحد”، كما يقول أحدهم – يعني أنه إذا كانت إعادة هيكلة التكاليف مرتفعة قد تكون هناك حاجة إلى بيع المزيد من الأصول، أو حتى استحواذ لجذب زيادة في رأس المال.

في روما، وجهة النظر بين كبار المسؤولين هي أنه إذا كان لبنك يونيكريديت يعاني مشكلة فهي مشكلة في الإدارة. لا يوجد مسؤول كبير تحدث لصحيفة “فاينانشال تايمز” يقبل هذه الفكرة، التي يتمسك بها بعض كبار المصرفيين، من أنه إذا فشلت خطة جيزوني فإنها قد تكون نذير تفكك – وهي عملية من شأنها أن تحرم إيطاليا من مؤسستها المالية الوحيدة المهمة عالميا.