هل يتحوّل ترامب لاعباً في صياغة قانون الانتخاب في لبنان؟

 

كتب وسام أبو حرفوش  في صحيفة “الراي” الكويتية:

ما هي أبعاد المواجهة الضمنية بين الثنائيتين المسيحية والشيعية؟ هل يتحوّل دونالد ترامب لاعباً في صياغة قانون الانتخاب في بيروت؟ لا يضمر هذا السؤال محاولةً لتصوير لبنان كأنه مركز الاستقطاب الأهمّ في “الكرة الأرضية” بل إظهار أبعاد الصراع الدائر و”ضراوته” حول طبيعة قانون الانتخاب وتقسيماته في المئة متر الأخيرة قبل نهاية المهلة القاتلة على قاعدة إما الاتفاق الصعب وإما الفراغ المجهول باقي الهوية…

فـ“التطاحن” بين الجماعات السياسية والطائفية يدور حول “الأمر لمَن؟” في التوازنات التي ستنجم عن الانتخابات النيابية المقرَّرة “مبدئياً” في أيار المقبل، والتي من شأنها تحديد أمريْن على جانب من الأهمية: هوية رئيس الجمهورية المقبل (2022) وموقع لبنان الاقليمي في ظل الاستقطاب الأعنف الذي تشهده المنطقة.

ولعلّ المفارقة الأهمّ التي أَبْرَزَها التدافع الخشن في الطريق الى البحث عن قانونٍ انتخاب جديد، وما تنطوي عليه الاقتراحات في هذا الشأن من “قطب مخفية” كانت المواجهة الضمنية بين “الثنائيتين” المسيحية، وعيْنها على الرئاسة المقبلة، والشيعية وعيْنها على الموقع الاقليمي للبنان في سياق الصراع بين المشروعيْن العربي والايراني.

فالثنائية المسيحية (أي “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية”) أرادتْ من خلال دفْعها في اتجاه نظام انتخاب مختلط قدّمه وزير الخارجية جبران باسيل الى حصْد غالبيةِ المقاعد المسيحية في البرلمان المقبل (50 مقعداً من اصل 68) على النحو الذي يمكّن تلك الثنائية من الإمساك بـ“الثلث المعطل”، وتالياً التحكّم بمسار اللعبة السياسية في البلاد، وخصوصاً المعركة الرئاسية في العام 2022.

أمّا الثنائية الشيعية (حركة “أمل” و”حزب الله”) فأطلقتْ خيارات عدّة في شأن طبيعة قانون الانتخاب، تصبّ جميعها في إمكان جعْلها قادرة على بناء تَحالُف موالٍ لها في البرلمان العتيد يرسي توازناتٍ من شأنها إبقاء الإمرة الاستراتيجية في قبضة “حزب الله”، الذي يقرّ الجميع في الداخل والخارج بانه الذراع الإيرانية الأهمّ على الاطلاق في المنطقة.

وكشفتْ المواجهة الضمنية بين الثنائيتين المسيحية والشيعية ان المكوّن السني، الذي يتزعّمه رئيس الحكومة سعد الحريري، ليس في أحسن أحواله بعد سلسلة من الإحباطات التي نجمتْ عن تنازلاتٍ قدّمها الحريري لإخراج البلاد من المأزق (التسوية التي جاءت بالعماد ميشال عون رئيساً)، وأن المكوّن الدرزي يعاند في معركةِ تصفيةِ حسابٍ معه لـ “الاقتصاص” من دروه في المراحل السابقة.

وفي غمرة “العِراك” السياسي حول قانون الانتخاب، جاء دونالد ترامب الذي جاهر بعدائه لإيران وبعزْمه على مواجهة تَمدُّد نفوذها في المنطقة عبر أذرعٍ يشكل “حزب الله” رأس حربتها، وسط مؤشرات الى إمكان بدء الادارة الاميركية الجديدة حملة بوسائل مختلفة للضغط على ايران وامتداداتها في المنطقة، من بينها رزمة جديدة من العقوبات وتلويحٍ بوضْع الحرس الثوري وأذرعه على قائمة الارهاب، وإقامة مناطق آمنة في سورية.

ومَن يدقق في مقاربة “حزب الله” لقانون الانتخاب يكتشف انه تدرّج في تَشدُّده على وقع الخشية من سلوك ترامب، الذي يصعب توقُّع خياراته، فانتقل الحزب من عدم ممانعته ضمناً في بادئ الأمر السير بقانون انتخاب جديد يستند الى القانون الحالي الأكثري لكن معدَّلاً، الى تأييده العلني لنظامٍ مختلط يزاوج بين النسبي والاكثري، قبل ان يعاود التمسك بموقفه المبدئي الداعي لاعتماد النسبية الكاملة على أساس لبنان دائرة انتخابية واحدة او في إطار الدوائر الموسعة.

هذا التراجع الى الخلف الذي مارسه “حزب الله”، في إشارةٍ الى تشدُّده، ينطوي على حسابات جديدة تتصل بالمرحلة المقبلة من الصراع في “زمن ترامب” وتهدف الى اصطياد أكثر من هدف في سياق التفاوض على صيغة ما من النظام المختلط، ومن تلك الأهداف:

ـ الحؤول دون تمكين “الثنائية المسيحية” من الفوز بـ“الثلث المعطل” نتيجة الارتياب من الدور الذي تضطلع به “القوات اللبنانية” بزعامة سمير جعجع في إطار تحالفه مع “التيار الوطني الحر”، الذي أُبلغ صراحةً ان “حزب الله” معني بالتحالف معه لكنه لن يقدّم “هدايا” انتخابية لـ “القوات اللبنانية”.

ـ تمكين “الثنائية الشيعية” التي يتيح لها تماسُكها في المناطق ذات الغالبية الشيعية إدارة المعركة في مواجهة الآخرين على طريقة “ما لنا لنا وما لكم لنا ولكم”، اي انها قادرة في صيغٍ ما للقانون المختلط على المجيء بحلفائها من المسيحيين والسنّة على نحو يمكّنها من قيادة تحالف يمسك بزمام الأمور في البرلمان.

وبهذا المعنى، فإنّ “حزب الله” قبل ترامب سهّل عبور التسوية التي جاءت بالعماد عون رئيساً و”لم يمانع” عودة مَن سبق وأقصاه عن السلطة – أي الحريري – الى رئاسة الحكومة، أمّا بعد ترامب فالأمر يرتبط بحسابات أكثر حساسية في منطقة مفتوحة على المزيد من المنازلات اللاهبة.

 

Comments