بين الأمن وحقوق الإنسان (بقلم بسّام أبو زيد)

 
كتب بسّام أبو زيد:

لم يصب الجنود اللبنانيون الـ19، وبعضهم فقد نظره، في خلال مداهمة مخيمي النور والقارية في جرود عرسال بنيران صديقة. ولم يكن في الأمر إشاعة أو كذبة بل شاهدنا هؤلاء الجرحى عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وهم في أسرتهم في المستشفيات.

هؤلاء الجنود أصيبوا بنيران وقنابل يدوية وتفجيرات من قبل إرهابيين كانوا في داخل المخيمين المداهمين بين المدنيين، ولم يكونوا في أرض قاحلة لا بشر آخرين فيها، وهم فقط وجها لوجه مع جنود الجيش.

كيف كان يجب على الجيش اللبناني أن يتعامل مع هذه الواقعة؟

في العلم العسكري ثمة خياران، الأول هو الفرار من أرض المعركة والسماح للإرهابيين بالسيطرة، أما الخيار الثاني فهو المواجهة والرد على مصادر النار والقضاء على الإرهابيين وهو الخيار الطبيعي عند كل الجيوش وفي مقدمها الجيش الأميركي والجيش الروسي وجيش النظام السوري لمن يرغب.

لقد كان تصدي الجيش اللبناني لهؤلاء الارهابيين في المخيمين بالحد الأدنى من العنف المبرر ، حتى أن الإصابات التي سجلت في صفوف المدنيين لم تكن أبدا بحجم مخاطر العملية ورد فعل الجنود على الهجمات وردة فعلهم على سقوط رفاق لهم جرحى. وقد أبلغ مسؤولون عسكريون أميركيون قيادة الجيش أنه لو كانت وحدات أميركية تداهم في هذا المخيم وحصل معها ما حصل مع الجيش اللبناني لكان عدد الضحايا في صفوف سكان المخيم ربما بالعشرات.

وبالانتقال إلى الصور التي تلت العملية، ولست أكتب هنا لتبرير أي تصرفات غير مقبولة، ولكن تجريد الموقوفين المشبوهين من ثيابهم ولا سيما الأجزاء العليا من أجسامهم وتكبيل يديهم  هو تدبير احترازي اعتمده الجيش بعدما أقدم أحد الضالعين في تفجيرات رأس بعلبك على تفجير قنبلة يدوية في السيارة العسكرية التي كانت تقله بعد توقيفه، ما أدى إلى مقتله وإصابة عدد من العسكريين.

أما النقطة الأهم فهي وفاة أربعة موقوفين لدى الجيش، وهنا لا يمكن لأحد أن يتغاضى عن هذه القضية والمطالبة بتوضيحات وحقائق، إلا أن الخلاف مع البعض يتعلق بالأسلوب إذ أن الشتم وتوجيه الإهانات بحق الجيش ستؤدي حتما إلى نتيجة عكسية وستظهر في المقابل شتما وإهانة في المقلب الآخر، فوصل النقاش إلى مستوى من يعبد حذاء العسكري ومن لا يعبده.

كان للنقاش في هذا الموضوع أن يكون على المستوى العلمي والاخلاقي إذ إن الجيش لا يزعجه أبدا المطالبة بكشف حقيقة ما حصل من خلال تحقيق شفاف تشارك فيه أكثر من جهة وتعلن نتائجه على الرأي العام، حتى أنه كان بإمكان الذين هاجموا الجيش بشدة أن يطلبوا مشاركتهم إذا كانت لديهم الصفة أو مشاركة من يجدون أن لديه الصفة في التحقيق وتقصي المعلومات، وبناء على جواب الجهة المعنية يبنون على الشيء مقتضاه.

إن الأمن في لبنان خط أحمر وحقوق الإنسان كذلك خط أحمر عريض، ولكن العالم أجمع أن تطبيق حقوق الإنسان بنسبة 100% ليس متوفرا في أي دولة مهما بلغ رقيها. وبالتالي فإن خرق هذه الحقوق متوفر دائما ومن يخرقها يجب أن يحاسب وفق معطيات ووقائع وحقائق ناجمة عن تحقيقات موثوق بها، وليس بناء على رغبة من هنا أو من هناك أو لغاية في نفس مجموعة من الأسماء والجهات.

Comments