IMLebanon

الجمهورية أولاً.. خطاب سعد الحريري الوطني

هذا المساء كنت أستعدّ كما في كلّ أسبوع لكتابة هذه الكلمات التي أحاول من خلالها أن أبقى وطنياً ووجودياً على قيد الحياة.. باحثاً بين الرّكام الوطني عن أحياء أتبادل معهم همّ مستقبل الأطفال في لبنان بعدما أصبحنا لم نعد نميّز بين جثث أطفال غزة وبغداد ودمشق وليبيا واليمن.. حيث أدّى الفشل السياسي إلى إندلاع النّزاعات المسلّحة.. هكذا كان الحال على مرّ تاريخ الشّعوب.. تبدأ الحروب حين تفشل السياسة وتنتهى الحروب حين تنجح السياسة..

كثيفة كانت الأفكار والمتابعات على امتداد الحريق الكبير في كلّ دول الفشل السياسي.. ولبنان في حال من الذّهول والتّرقّب مع إنعدام تام للمبادرة.. لا بلّ على العكس فالبعض متداخل بالنّزاع حتى النّهاية والبعض الآخر منخرط بالرّهانات حتى الإنتحار.. بما فيها الرّهان على خرائط جديدة والعودة للتفكير بالتّقسيم في لبنان.. وهذه ليست أسرار أو إكتشافات.. إنّها موجة عابرة للعديد من التيارات المتناقضة في المشهد الراهن والمتفقة في ما بينها على الرهانات الخطرة.. إذ بدأ هناك من يفلسف الشغور أو الفراغ الرئاسي كونه ضرباً من الحكمة والذّكاء.. لأنّ انتخاب رئيس الآن يعني تجديد الإلتزام بصيغة لبنان الكبير دولةً وكيان..

لهذه الأسباب وغيرها مع الإنتحارات الجماعية في الدول الشقيقة وفي لحظة شديدة الحيرة بين هول ما يُقتل ويدمّر من بشر وتاريخ وأماكن وبين ما يولد من آمال وتحديات وتحولات وبين موضوعات سيطرت على وجودنا ووعينا مئة عام تغلّب فيها السيف على الكتب.. ولم يجلب السيف إلاّ الدّماء والإستبداد والهزائم والفشل والعار.. فلم يبق أمامنا إلاّ أن نعود إلى «العِلْمُ يبني بيوتاً لا عماد لها.. والجهل يهدم بيوت العزّ والكرم»..

صعبة هي الأمور وبالغة الخطورة.. ومهما كتبنا عنها لا يمكن أن نتفوّق على الكاميرا وما تنقله على الهواء مباشرة.. نسي الناس المونديال وكأنّه ما كان.. إنّ خوف اللبنانيين وقلقهم على بلدهم لا يحتاج إلى عبقرية لاكتشافه.. ولكن التّأكد من أنّ كلّ اللبنانيين متمسّكون ببلدهم ودولتهم وتجربتهم الوطنية هو ما يحتاج إلى عبقرية..

تأكّدنا خلال الأشهر الماضية وبالملموس بأنّ اللبنانيين متمسكون بدولتهم وذلك من خلال مبادرة سعد الحريري بمدّ اليد لتشكيل حكومة المصلحة الوطنية وما تعرّضت له هذه المبادرة من إنتقادات وإعتراضات وتقييمات وإستخدام تعابير سياسية كبيرة تدّعي معرفتها بأنّ ما يريده الناس هو الإنقسام والتناحر والدمار.. فكانت أعجوبة اللبنانيين ما بعد تشكيل الحكومة إذ كدنا نسترد السياحة هذا العام.. لقد أيَّدْتُ بقوة مبادرة الرئيس الحريري وأنا متأكّد بأنّ ما ننعم به الآن من تماسك ولو هشّ ما كان ليكون لولا تلك المبادرة..

جاء 23 آذار بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية.. وبدأ الإستحقاق على إيقاع الإنجاز السياسي الحكومي الذي أعاد للدولة عجلتها وحضورها.. تشريعياً وتنفيذياً وقضائياً وأمنياً.. ومع بداية الإستحقاق الرئاسي عادت الإصطفافات والتّكتّلات.. وكانت مبادرة الرئيس الحريري بإعلانه الإلتزام بما يجمع عليه المسيحيون.. مؤكّداً ذلك بانفتاحه وحواره مع الجنرال ميشال عون..

يسيطر الجمود على المشهد السياسي الوطني إن لم نقل التّصدّع ونكاد نعلن فشلنا السياسي.. وهذا يعني بأنّنا سنلتحق بما يدور حولنا من ويلات.. حيث الفشل السياسي في سوريا والعراق وفلسطين واليمن وليبيا..وهذا يستدعي موقفاً إنقاذياً يقدّم الجمهورية والوطن على الرئيس والحصص.. وستبدأ يوم الأربعاء القادم في 23 تموز موعد الجلسة مرحلة بدء المهلة الدستورية لبقاء الجمهورية أو زوالها.. وخصوصاً أنّ هذا اليوم حتى العام 82 كان يوم بدء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس للجمهورية بين 23 تموز و23 أيلول.. وكان آخر من انتخب على هذا الأساس الرئيس الرّاحل بشير الجميّل في 23 آب.. والرئيس الأسبق أمين الجميّل في 22 أيلول.. قدّم الرئيس بري لهذه الجلسة دردشات بالغة الدقة والوطنية.. إذ تحدّث بعفوية عن فشلنا في إدارة أنفسنا وما إلى هنالك من تعابير مشابهة.. وكان ذلك أرفع خطاب سياسي وطني خلال الأيام الماضية..

تبقى المسؤولية ملقاة على عاتق الرئيس سعد الحريري ولما يمثّله من عبور للطّوائف والمناطق والحفاظ على البيئة الوطنية من حوله والتي تضم نخبة من الطوائف اللبنانية والتيارات السياسية التاريخية.. التقليدية والقومية واليسارية والعائلية والمناطقية والروحية.. وهم شخصيات معروفة بأسمائها وتاريخها ومواقعها ودورها وفهمها للواقع اللبناني في كلّ حقباته ونهوضه وعثراته.. سياسياً وإقتصادياً وأمنياً وفكرياً وإدارياً وإعلامياً.. إذ تمثّل هذه النخبة مع الرئيس سعد الحريري حالة تفكير وطني طبيعية.. حفظت الإستقرار وامتصّت الجراح بكلّ أشكالها وتجاوزت كلّ محاولة تدمير للروح الوطنية.. وهذه البيئة تجعل من طائفة الرئيس الحريري عائلة من العائلات الوطنية التي تريد العيش معاً.. وتريد للبنان السلامة والإستقرار والإزدهار.. وتحترم الإختلاف تحت سقف الدولة والمصلحة الوطنية.. وهذا ما فعلته حكومة المصلحة الوطنية وربط النزاع تحت سقف الدولة..

تواجه هذه النخبة من الشخصيات اللبنانية مع الرئيس الحريري موجات من التأييد والاعتراض ومن الحبّ والكراهية.. إلا أن كل ذلك لا يغيّر في طبيعتها بما هي آخر ما تبقى من اجتماع وطني وبيئة وطنية عابرة للطوائف والمناطق.. من عكار إلى الضنيّة إلى المنية إلى طرابلس والكورة وصيدا والشوف وزحلة والبقاعين الغربي والأوسط وراشيا.. وبيروت بما هي العاصمة وتحتضن 60% من مجمل سكّان لبنان.. بالاضافة إلى الامتدادات في كلّ من البقاع الشمالي والعرقوب.. إنّ هذا الاجتماع الوطني يجعل من سعد الحريري «أمّ الصبي» إذ يقدّم دائماً سلامة الوطن على إقتطاع حصّة منه.. وهذا واضح من الخسارة السياسية التي يتكبّدها من خلال مشاركته بالحكومة والأرباح الكبيرة التي تحقّقت من خلال الحكومة للدولة والوطن..

بعد دردشات الرّئيس بري الدقيقة والعميقة والوطنية.. وعجزنا عن التّأثير في ما يدور حولنا من غزة إلى دمشق إلى بغداد.. كان لا بدّ من إنتظار خطاب الرئيس سعد الحريري هذه العشية.. تابعت الخطاب من حيث تابعه خصوم الرئيس الحريري وأعدائه عبر شاشات التلفزة.. لأنّ إفطارات تيار المستقبل كانت مخصّصة للمحازبين والأنصار والأصدقاء والحلفاء من كلّ لبنان.. ولطالما حسدتُ معارضي الحريرية.. قديماً وحديثاً.. لأنّهم يستطيعون الإنتقاد وربما الإفتراء عن حقّ أو عن باطل من دون أن يخسروا صداقاتهم أو حياتهم وفي ذلك إستثناء للقاعدة التي كانت ولا تزال..

وكما توقّعنا حمل خطاب الرئيس الحريري مبادرة وطنية إنقاذية جاءت بمثابة خارطة طريق عملانية على قاعدة ضرورة إنقاذ الجمهورية كي لا نصبح بدون رئيس وبدون جمهورية.. معتبراً أنّ مهمة إنتخاب رئيس للجمهورية أصبحت مسؤولية كلّ المكوّنات الوطنية اللبنانية بدون إستثناء.. وجدّد الدّعوة بواقعية وموضوعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من التّجربة الوطنية اللبنانية بعدما أصيب لبنان بالنيران السورية والإرهاب.. وإنّ إنقاذ لبنان لا يكون إلاّ بالشّراكة الوطنية مؤكّداً إلتزامه بالشّراكة بما هي نموذجاً للحكومة القادمة من أجل مواجهة تحدّيات النّزاعات المسلّحة على الحدود اللبنانية والسورية والإرهاب.. والإنهيار الإقتصادي والإجتماعي الذي لا يواجه إلاّ بالحقائق الموضوعية وبالوحدة الوطنية.. ونستطيع أن نقول بأنّ لبنان الآن بين دردشات الرئيس بري الوطنية.. والخطاب الوطني للرئيس الحريري.. وبانتظار عظة الأحد لغبطة البطريرك..