IMLebanon

حول عرسال وجرودها والكانتون الإيراني

«ما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم

 وما هو عنها بالحديث المردم

تعرككم عرك الرحى بثفالها

 وتلقح كشافا ثم تحمل فتتئم»

(زهير بن أبي سلمى)

من يفترض أن الأوطان والكيانات السياسية هي مسائل ثابتة، فهو واهم بالتأكيد. ومن يعتقد أن لعرق ما أو قومية ما حق تاريخي في أرض ما، فهذا يعني أن لكل واحد منا حصة في أفريقيا، التي تبين بعد عناد ومكابرة من الوروبيين الذين كانوا يفترضون أن قارتهم هي أصل البشر، بأنها هي مصدر البشر الأول، على الأرجح.

أنا لا أفترض أن التاريخ يدور في حلقات مفرغة، أي كما يردد البعض بأنه يكرر نفسه، ولكنه من الضروري مراجعة التاريخ لكي نتمكن من فهم الحاضر وتوقع المستقبل، وإن بشكل تقريبي.

والواقع التاريخي الثابت هو أن الهجرة كانت السمة الأهم للبشر، فبعضها كان سعياً وراء الماء والغذاء، وبعضها لضيق المكان، وأحياناً للحشرية والإستكشاف، ولكن العنف والنزاعات كانا عاملين مؤكدين في الدفع نحو الهجرة في معظم محطات التاريخ الموثق.

أما عن الكيانات السياسية التي نسميها دولاً، والإسم العاطفي لها هو الأوطان، فلو راجعنا القرنين الماضيين لتأكدنا أن أكثر من تسعين بالمئة من هذه الأوطان لم تكن موجودة حتى في خيال من أصبحوا فجأة مواطنيها، ولم تأخذ الكيانات السياسية الحالية شكلها إلا بعد سقوط المنظومة الشيوعية. وهنا أعتذر من الشعراء المبدعين الذين سطروا الملاحم والقصائد متغنين بالأوطان، بأن الوطن بمعناه الحالي مسألة طارئة في حساب تاريخ الإجتماع البشري، وهو مفهوم لم يكن منذ الأزل، وعلى الأرجح غير باقٍ إلى الأبد، وإنما هو حالة بعضها مادي وبعضها معنوي، ولكنه حالة مؤقتة في أحسن الأحوال.

تكون الهجرة عادة عملية طويلة الأمد الا في الحالات الطارئة التي تشمل الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير والبراكين، وأحياناً المجاعة والأوبئة، لكن الحروب والغزوات لعبت دوراً أساسياً في تغيير المعالم الديموغرافية في العالم على مدى التاريخ المعروف، أي منذ أكثر بقليل من خمسة آلاف سنة، وما هذه المدة الا فترة صغيرة من عمر الوجود البشري.

أما بعد، فبالحديث عن الأوطان وحدودها وديموغرافيتها، فإن سايكس- بيكو كانت وراء إنشاء معظم الأوطان التي سقط بعدها والبعض الآخر يترنح. باختصار فقد أصبحت الإتفاقية وراءنا الآن، تلك التي سميناها مؤامرة نسجها الإستعمار والصهيونية والماسونية، انتهت اليوم بعد أن فقدت القدرة على الحفاظ على الحدود الوطنية بين قبائل المنطقة، فعادت الغزوات المتبادلة لتحكم البشر بدل القانون.

ولا أظن أن أي عاقل اليوم مقتنع بأن الجغرافيا والديموغرافيا السياسية ما بين إيران وشاطئ المتوسط ستعود كما كانت بعد انقشاع غبار الحروب.

فهناك اليوم عملية ترانسفير واضحة للمكونات المذهبية والطائفية في هذا الإقليم، وهذا الترانسفير لا يمكن أن يكون مؤقتاً في ظل الدمار الهائل الذي لحق بعشرات المدن الكبرى وآلاف القرى والتجمعات السكانية، وكما هو واضح، فإن معظمها تجمعات سنية.

ببساطة لا يمكن معرفة مصير الموصل في المستقبل، وبالتالي فإن عودة سكانها من الخيام المنصوبة في الصحراء هي في عالم الغيب. وليس من الواضح إن كانت الأنبار ستبقى جزءًا من العراق الحالي، كما أن مصير كردستان غير محدد الآن الا ربما في أدمغة صناع القرار. أما بالنسبة لسورية، فحدّث ولا حرج، فمعظم التجمعات السكنية السنية الكبرى دمرت ومحيت معالمها، وهناك من يؤكد أن السجلات العقارية أصبحت في خبر كان. وهناك أكثر من خمسة ملايين لاجئ سني في دول الجوار، وربما ضعفا هذا العدد لاجئون داخل سورية. وهؤلاء لا يوجد أفق لعودتهم إلى بيوت لم تعد موجودة، ولا إلى شوارع محيت آثارها، ولا إلى أحياء تحولت إلى أطلال. ولا يظنن أحد بأن بشار الأسد سيعيد هؤلاء اللاجئين من خلال عملية إعمار هائلة موجودة فقط في مخيلات بعضنا، أملاً في الإستثمار والإفادة. فالسبيل الوحيد لعودة هؤلاء، هو بزوال اسباب نزوحهم أولاً، وبتأمين الظروف المؤاتية لعودتهم من مأوى وبنية تحتية وعمل… ولا أظن أن بشار اليوم، الذي تخلص من عبء مذهبي كبير، سيستعيد هذا العبء من جديد إن بقي في الحكم، ومن هنا الوهم في التعويل على التواصل معه.

أما الخطر الثاني بالنسبة للبنان، فهو ما يقوم به حزب الله على مدى السنوات الأربع الماضية، ابتداءً بغزوة القصير، مروراً بالقلمون والزبداني، ووصولاً اليوم إلى جرود عرسال، وربما إلى عرسال. فبعد فشل منظومة ولاية الفقيه في احتلال سوريا بأكملها، تحاول الآن فرض وقائع على الأرض تؤمن بها المدى الاستراتيجي للمستعمرة الإيرانية في لبنان. وما علينا إلا مراقبة التطهير المذهبي الذي قام به «حزب الله»، واستبدال سكان بسكان، حتى نستنتج بأن مبدأ تغيير المعالم السياسية، بفرض تغيير التركيبة الديموغرافية سيؤدي حتماً إلى تغيير خطير في الجغرافيا السياسية للبنان. من هنا فإن مهمة الجيش ستكون دقيقة ومعقدة في كيفية الحفاظ على عرسال من دون المساهمة في تحقيق مآرب «حزب الله».

(*) عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل»