IMLebanon

«كارنيغي» يُطلق تقريره «إنكسارات عربية»… والسنيورة لخريطة طريق تُصوِّب بوصلة التغيير

يبدو أنّ النظام العربي القديم، الذي يتّسم بأنساق «التسلّط السياسية والاقتصادات المعتمدة على النفط آيلٌ إلى الأفول». وفي وقتٍ تستحيل العودة إلى مرحلة ما قبلَ عام 2011 من دون بديل واضح، فإنّ ثمّة خطراً بقيام «أنظمة أكثر قمعاً من سابقاتها»، ما لم تتبلوَر مقاربات سياسية شاملة تبدأ بمعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية العميقة الجذور لأزمات الشرق الأوسط. صرخة أطلقَها مركز «كارنيغي للشرق الأوسط» أمس على أمل أن يلتمس صانعو السياسات في العالم العربي الخطرَ المُحدق، ويضَعوا خريطة طريق تُعيد الاعتبار إلى المواطن العربي ببناء مواطنة جامعة وحاضنة للتنوّع.

منذ العام 2011، تخلخلت بعض الركائز الأساسية التي قامت عليها الأنظمة العربية، والآن تحاول مختلف النظم جاهدةً احتواء أصداء ثورات مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، واقع تنطلق منه مديرة مركز «كارنيغي للشرق الاوسط» الدكتورة مهى يحيى، خلال إطلاق تقرير المركز تحت عنوان: «إنكسارات عربية: مواطنون، دول وعقود إجتماعية»، لتطرح جملة من التساؤلات بشأن السبل للخلاص من اختناقات الحاضر، وصقلِ مستقبل مشرق، وحلّ الصراعات المذهبية التي تعصف بالمنطقة.

وتتساءل يحيى خلال حفلِ إطلاق التقرير أمس في فندق «فينيسيا»، في بيروت بحضور رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة، عن الشكل الذي ستأخذه العقود الاجتماعية الجديدة، والدور الذي ستلعبه الدولة المركزية في مختلف الأقطار العربية، وعمّا إذا كانت ستنجح في بناء وتكريس أطر للمواطنة الجامعة، التي تؤسّس لعيش واحد بين الأفراد والجماعات.

وتسأل: «هل سيعمَّم نموذج التوافق السياسي التونسي المبني على المساواة والندّية بين مختلف الجماعات السياسية، ليشمل المسار السياسي للدول التي تشهد نزاعات قاتلة كالعراق وسوريا وليبيا واليمن، أم ستَسود التجاذبات السياسية الحادّة وعسكرةُ المجتمع كما في مصر؟

أم يشكّل المسار اللبناني القائم على تقاسمٍ للسلطة على أسُس طائفية النموذجَ الذي قد يقوّض المواطنةَ المبنية على الحقوق والواجبات، ويُقونن علاقة المواطن بدولته طائفياً، وقد يصبح في المدى المتوسط رافعةً لتفعيل الهويات الفرعية أكثر فأكثر، مُفسحاً بذلك المجالَ امام هيمنة الاكثرية السياسية او الجماعات العسكرية على مجتمعاتها، ولممارسات زبائنية تعيث بالارض فساداً، كما حصَل في العراق»؟

وفي نظر يحيى «لا سبيلَ للخلاص من آفات الحاضر، من دون تفكيك الموروثات الثقافية والسياسية البائدة وبناء مواطنة جامعة وحاضنة للتنوّع، تعطي ضمانات للجميع كأفراد وليس فقط كجماعات».

تقرير يَعتبر السنيورة أنّه يتقصّد إحداثَ ردّة فعل للمواجهة، ويقتضي بالتالي موقفاً عربياً رافضاً القبول بانكسار الإرادة العربية، وفي المحصّلة يكون معبّراً عن إرادة الصمود والتصميم على تحقيق النهوض.

ولتصويب بوصلتِنا لدفع محرّكات النهوض العربي، يعرض السنيورة 9 تحديات:

أولها، التجديد السياسي لتجربة الدولة الوطنية المستندة إلى فكرة الدولة المدنية المعترفة بحقوق المواطنين المتساوين والجامعة للإثنيات والقوميات والأديان والمرتكزة على قواعد التكامل والاعتماد المتبادل في ما بين دولها وشعوبها.

أمّا التحدي الثاني، فيتمثّل بضرورة «استعادة إيماننا بالعروبة المستنيرة رابطةً ثقافية وحضارية واستراتيجية تقوم على الإيمان بالمصلحة العربية».

ويقول: «لقد أدّى انحسار هذا المفهوم للعروبة إلى أن تطفوَ على السطح مجموعة من المشكلات، والتي يرتبط معظمها بالهويات والانتماءات الطائفية والمذهبية والعرقية أسهمَت في تعميقها صدمات وممارسات داخلية عنيفة غير ديموقراطية وأخرى ناتجة عن تدخّلات خارجية مخرّبة للفكر ومدمّرة للإنسان والعمران».

أمّا التحدّي الثالث، فيتجسّد بفكرة التكامل الاقتصادي والتنموي والتبادلي والدفاعي في المجالات العسكرية والأمنية والاستراتيجية، في حين يُعتبر تحقيق الحكم الصالح التحدّيَ الرابع، إذ لا يجوز ولا يمكن أن يكون الخيار الأوحد المتاح لمجتمعاتنا العربية الوقوع في محنة الاختيار بين الأنظمة الشمولية والدينية.

التحدّي الخامس، وهو تحدّي الإصلاح الديني، إذ يَعتبر السنيورة أنّ العرب يمتلكون «القوة الناعمة التي تستطيع بالجهد والمبادرة وتصحيح المفاهيم، الحيلولةَ دون نشوء أجيال جديدة على التطرف».

أمّا التحدّي السادس فهو التأكيد على أنّ حقوق الأفراد والحريات العامة والخاصة، كما حقوق الجماعات، لا يضمنها إلّا الدستور.

ويبقى التحدّيان السابع والثامن في التشديد على وجوب خوض غمار الإصلاح المؤسسي، وضرورة أن يتلازم التقدّم على مسار الإصلاح المؤسسي بالتقدّم على مسار وجوب قيام السلطات القضائية والدستورية المستقلة والتي تتمتّع بالكفاية والفعالية والضامنة للحقوق والواجبات.

أمّا التحدّي الأخير، فيَكمن في وجوب تلازُم مسارات النمو والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبرامج استئصال الفَقر والأمّية.

ويَختم السنيورة بالتشديد على ضرورة التحلي بالشجاعة في مواجهة الحقيقة، والعودة إلى «تصويب بوصلتنا»، ويقول والدموع اغرورقَت في عينيه: «الذين قتِل منهم مليون عربي في سوريا والعراق في خمس سنوات، وهجِّر منهم عشرة ملايين وأكثر، هؤلاء المعذّبون سيعودون بالإيمان بأنفسهم وأمّتهم وبمستقبلهم إلى صنع التاريخ من جديد».

وتَكمن أهمّية التقرير في أنّه يقدّم إلى صانعي السياسات في العالم العربي وفي الأسرة الدولية الواسعة على حدّ سواء، فهماً أكثر دقةً للأسباب التي آلت الى عدم الاستقرار في المنطقة. ويقول نائب الرئيس للدراسات في مؤسسة «كارنيغي للسلام الدولي» الدكتور مروان المعشّر: «إنّ الركود السياسي، والنزعة التسَلطية والفساد، ترتبط ارتباطاً لا فكاكَ منه بالصراع والإرهاب في المنطقة العربية».

ويوضح المعشّر أنّ هذا التقرير «يحاول استقصاءَ الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات التي تشهدها المنطقة». ويتناول التقرير المشهد الإنساني، لجهة تجارب المواطنين العرب المتغيّرة في سياق الضغوط الديمغرافية والهجرة البشرية والاستقطاب السياسي والحراك الاجتماعي، في حين يركّز المشهد السياسي على أزمة الحوكمة في ارجاء المنطقة، والضغوط على الأنظمة الرَيعية، وتأثير القطاع الأمني ووسائل الإعلام على السياسات العربية.

وفي القِسم المتعلّق بالمشهد الجيوسياسي، يسلّط التقرير الضوء على النظام الإقليمي الآيل الى الانهيار في سياق حافلٍ بالعديد من الصراعات الداخلية والنزاعات بين الدول، ومضاعفات انخفاض أسعار النفط وآثار التغيّرات المناخية وشحّ الموارد المائية في المدى البعيد.

في المحصّلة، يضع تقرير «إنكسارات عربية» الأصبعَ على الجرح، فهل يأخذ العرب الذين يشكّلون 5 في المئة من سكّان العالم، ونصف عدد المهجّرين والنازحين في العالم، العبرة؟