IMLebanon

زلزال بلا حرب

«اللهمّ لا شماتة»… لم يقلها القيصر فلاديمير بوتين لإنكار التشفّي بالجيران الأوروبيين الذين قَلَب طاولتهم إلى حين، الاستفتاء على خروج بريطانيا من اتحادهم.

والمفارقة أن القيصر يسجّل المكاسب واحداً تلو الآخر، بلا فواتير هذه المرة: الاتحاد الأوروبي لن يستعيد قوته قبل سنوات، وخروج بريطانيا أقرب حليف إلى الأميركيين، سيطمئن الروس إلى أن أمنهم القومي بات أقوى، وفي كل الأحوال لن يكون جدار الغرب حائطاً زاحفاً إلى الحدائق الخلفية، باندفاعته السابقة.

زلزال في أوروبا بلا حرب، بعد زلزال «الربيع العربي» وثوراته وحروبه… العالم يتغيّر، وإن كان انسحاب بريطانيا مما سمّاه المحافظون الجدد في الولايات المتحدة «القارة العجوز»، لا يعادل الانكفاء الأميركي في المنطقة العربية التي ما زالت حرائقها تتمدّد، وخرائطها متأرجحة تحت ضربات الإرهاب و «داعش»… فالحال أن مرحلة جديدة بدأت في تشكُّل نظام عالمي مغاير.

هو النظام الذي ترعى فيه ألمانيا- مركل توحيد أوروبا بجرعات من النمو الاقتصادي الذي يتصدى لداء البطالة والفقر، وتحتوي دول أوروبا الشرقية سابقاً ببدائل لسياسة الأبواب المفتوحة للهجرة. بعد ألمانيا النازية التي وحّدت القارة بالحديد والنار، تنظّم صفوف الاتحاد المتّهم بالعجز، مستشارة لم تتورّع عن الاعتراف بحاجة شعبها إلى دماء جيل جديد من المهاجرين، يحيي شباب ألمانيا، ويصبح رأس المال الإضافي في التنمية.

وهو نظام عالمي مختلف، خارج قبضة الشرطي الذي يفضّل تشغيل الروس وعصاهم الغليظة، «عملاء» للمصالح الأميركية، يتدخّلون بعيداً من حدودهم، فيما واشنطن تتفرج، وباتت تزهو بأن الكلفة من جنودها، تقترب من صفر.

بعد سنوات من القطيعة و «المشاكسة»، تلقّى القيصر هدية تطبيع سريع من أردوغان الذي أنهى أيضاً قطيعة مع إسرائيل.

بعد سورية وشرق أوكرانيا، لم يتلقَّ القيصر «هدية» أغلى من اعتراف الحلف الأطلسي علناً بعجزه عن الدفاع عن دول البلطيق، كأنه دعوة ملغومة موجّهة إلى الكرملين، ليوسّع شهيته وأحلامه «السوفياتية»… وهل يبقى في هذه الحال خوف الروس من «الأطماع» والمخططات الأميركية، ودرعها الصاروخية التي أصرت إدارة باراك أوباما على أنها لدرء الطموحات الإيرانية؟

ولكن، هل تتغير إيران؟ ألا تعمل نهاراً وفي الخفاء لحجز مقعد في نادي «الأقوياء» الذي سيضمن استمرارية النظام العالمي لما بعد نظام القوة العظمى الوحيدة؟ أليس إصرارها على تصعيد الصراع المذهبي في المنطقة العربية والخليج خصوصاً، وعلى استعداء السعودية، جزءاً من مشروع الانتساب إلى عضوية النادي الجديد؟

الواقعية تقتضي استبعاد أي مقارنة بين الدب والثعلب، فلا روسيا إيران، ولا إيران بريطانيا التي ما زالت مركل تصفها بأنها «العظمى». سيكون محض خيال افتراض منافسة طهران موسكو إقليمياً، أو حتى على قرار الحرب وصيغة أي تسوية في سورية. وسيكون من السذاجة حتماً تخيُّل استسلام الغرب، وأميركا خصوصاً، ما بعد حقبة أوباما إلى مشاريع بوتين وطروحات الكرملين للديموقراطية في سورية!

يتغيّر الاتحاد الأوروبي «الثقيل»، لم تعد سرعة المبادرة من سماته في السياسة الدولية. وربما لا يبالغ من يلوم الأميركيين بالدرجة الأولى، وتعامُل أوباما بدم بارد مع مآسي سورية وكوارثها، كدافع أول إلى «زلزال» المهاجرين الذي ضرب حدود الاتحاد الأوروبي، وزعزع الثقة بتماسكه. في المقابل يتغاضى كثيرون في بريطانيا «المدلَّّلَة» عن حقيقة أن القنبلة الموقوتة التي ما زالت تقلقهم هي المهاجرون من شرق أوروبا، لا زبائن قوارب الموت السورية.

وأما السؤال هل تتغيّر أميركا فعلاً إذا فاز المرشح الشعبوي دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة؟ فخطورته ليست في الإجابة عنه بمقدار ما هي في مجرد افتراض فوز البليونير، الرائد في خطاب التحريض. بعد ترحيبه بنتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كان السؤال: كم يصمد الاتحاد الفيديرالي للولايات المتحدة، إذا واصل «رئيس» القوة العظمى سياسة الثرثرة، والعزف على أوتار الاستفزاز، وتأليب الأقليات والطوائف؟

في ظل كل التحوُّلات، قد يصح اعتبار ولايَتَي أوباما في البيت الأبيض، حقبة وداع لمرحلة ما بعد الحرب الباردة. وأما السقوط المدوّي لكل حوارات الشرق والغرب، والشمال والجنوب، والتمرُّد على مؤسسات استهلكت ذاتها، فهما من عوارض المخاض العسير لعالم ما زال مبكراً جداً التكهُّن بملامحه. والدليل أن الصراع بالوكالة بين واشنطن وموسكو لا يكلفهما الكثير، وأن التوحُّش بلا رادع.