IMLebanon

مصر القوية دور وموقف

محاولة نَحر مصر، ليست جديدة ولا طارئة. جرت منذ الثورة الأولى عام 1952 حتى اليوم محاولات عديدة عسكرية وسياسية، وفشلت بنسب متفاوتة. خطورة المحاولة الأخيرة في «الشيخ زويد»، هي الأخطر. الخطر الكبير في العملية «الداعشية» السوداء والدموية، انها شكلت هجوماً منظماً بدرجة عالية من الحرفية. الأخطر أن هدفها كان تحويل «الشيخ زويد»، الى قاعدة تستند على وجود سكاني مهم (حوالى 60 ألف نسمة)، يمكن الانتشار وتأسيس «ولاية سينا» فيه فعلاً وليس قولاً.

باختصار كانت محاولة لقطع سيناء عن مصر ما وراء القنال. ما شجع «داعش»، على التفجير هو نقل النار الخارجية التي تلفّ المنطقة والتي أحرقت العراق وسوريا الى «الأم» مصر. الزحف الأسوَد، مستمر. لو قيّض له اختراق مصر، في وقت تحترق تونس ولو في عمليات محدودة، وليبيا «المصوملة»، لسقطت المغرب والجزائر لاحقاً، واكتمل حزام النار من المحيط الى الخليج. في قلب هذا الزحف الأسود، أن معركة «الشيخ زويد»، وجريمة الكويت وكارثة تونس، ودمار سوريا وتمزق العراق كلها كانت وما زالت مثل «محمد بوعزيزي» المضمخ جسده بالبنزين ولم يكن يعوزه سوى عود الثقاب!.

الآن سقط مشروع «داعش» في إقامة «ولاية سيناء» وتثبيتها. لا يعني هذا نهاية الحرب. «داعش» تجهز نفسها لجرائم أكبر، لأنها إذا كانت جعلت شهر رمضان «شهراً من النار»، فماذا عن باقي الأشهر؟ حتى لو فتح الرئيس عبد الفتاح السيسي أبواب جهنم على «الداعشيين» في مصر فإن هذا لا يكفي، لأنه اذا تم قطع رأس لهذا الوحش فإن رأساً آخر سيولد. أسباب تشكل «الجريمة» أكبر بكثير من مجرد تجمع مئات المقاتلين في الشيخ زويد. 

*لقد نجحت ثورة 30 يونيو لأن الاخوان عملوا على حَرف ثورة يناير. فسقط الاخوان الذين عملوا وكأنهم ملكوا مصر، مع أنه لم ينجح حتى الفراعنة في امتلاكها، وتغافلوا بسرعة عن حقيقة قائمة وهي أن الشعب المصري مسلم حتى العظم ولكنه ليس اسلامياً، سقط الاخوان وسقط معهم في ثورة يونيو التي كانت نتاج تحالف شعبي مع العسكر، مبدأ الإلغاء. لا أحد يلغي أحدا مهما بلغت قوته.

*لقد نجح الجنرال السيسي في التناغم مع الإرادة الشعبية في 30 يونيو، فأصبح رمزاً لهذا النجاح. لكن الرئيس السيسي عمل على إلغاء الجميع. حتى قادة ثورة يناير وقيادات المجتمع المدني، أُبعدوا أو سُجنوا. لا يمكن في خلال سنة ولا حتى سنوات تشكيل قوى مدنية وسياسية مستقبلية وإلغاء الحاضر والماضي في وقت واحد. المصريون يحبون مصر «ام الدنيا» ويقفون مع «الجيش المصري الوطني لكن هذا لا يعني منح أحد كل سنوات ما بعد ثورة يوليو أي تفويض على بياض. الحرب بالسلاح ضد «داعش» شرعية ومشروعة، لكن أيضاً فتح الأبواب أمام بناء المجتمع المدني بكل تلاوينه وأحزابه وقواه واجب وضروري ومصيري.

*بعد انقاذ «الشيخ زويد» يجب الالتفات الى أهل سيناء الذين أُهملوا اقتصادياً وتنموياً وشعبياً منذ عقود. لا يمكن مطالبة أهالي سيناء بمحاربة «داعش» وهم يعيشون الاهمال وكأن الدولة تحاربهم.

*تحصين الجبهة الداخلية مهم جداً. لكن في زمن تحول دول بكاملها الى «ساحات» و«ملاعب» دامية وعلى خلفية رسم حدود جديدة لمنطقة سايكس – بيكو بدماء شعوبها، لا يمكن لمصر رغم مشاغلها الداخلية وضعفها الحقيقي والواسع أن تبقى حائرة في مواقفها، لأن مصر دور وليست مساحة وكثافة سكانية وشعبية. 

ما زالت مصر بعيدة عن دائرة القرار في المنطقة. رغم لهيب النار الذي لامسها، والآن اخترقها. مصر اليوم، موقفها مهزوز من سوريا، فهي تقف ضمناً مع الأسد وفي الوقت نفسه تتضامن مع شعوب دول المشرق العربي. وموقفها غامض من العراق حتى لو دانت «داعش». كذلك في اليمن حيث أيدت «عاصفة الحزم» وامتنعت عن الانخراط فيها. الأخطر من كل ذلك أن مصر لم تقل كلمة ضد التدخل الايراني في سوريا والعراق واليمن ولبنان. مصر ليست في حلف مع إيران ولا في مواجهة معها.

حان الوقت لأن تقف مصر على قدميها وأن تقول كلمتها في الداخل عبر فتح الأبواب أمام القوى المدنية وأن لا تتحول المواجهة مع الاخوان المسلمين الى حرب شاملة ضد الاسلاميين. أيضاً وهو مهم جداً أن يكون لمصر موقف. لا يمكن لمصر «أم الدنيا» أن تكون ضد الأسد ومع الأسد. أن تكون ضد إيران ومع إيران في زحفها على المنطقة. مصر الدور أقوى داخل مصر وخارجها.