حكومة سلام: الإستقالة ممنوعة، وكذلك الإنعقاد

دليل بعد آخر، تبرهن حكومة الرئيس تمام سلام ان مرسوم تأليفها اقوى من كتلها ووزرائها ايا تكن تحالفاتهم في الداخل وتأليب بعضهم على بعض. اضحى التهديد بالاستقالة يشبه اشتباكا بخراطيم المياه: يُبلل الخصم ولا يكسره

ليس السجال الحاد المتبادل لايام خلت بين تيار المستقبل وحزب الله على مصير الحكومة، بدءاً بالتلويح بالاستقالة منها او تقويضها، الاول ولن يكون الاخير. لن يتوقف الطرفان ــــ ولا سواهما ــــ في مرحلة لاحقة عن متابعة التصعيد في اتجاهات شتى، من دون ان يُعطى اي من هؤلاء جميعاً حق التسبب باطاحتها او ارغام رئيسها على الاستقالة.

على ان بقاءها واجهة الشرعية الدستورية الوحيدة في البلاد، في ظل استمرار الشغور الرئاسي، لا يفضي بالضرورة الى انتظام عملها كسلطة اجرائية. واقع الامر ان مهمتها الوحيدة تقريبا املاء فراغ الشرعية الى ان ينتخب رئيس الجمهورية.

من ذلك استبعاد انعقاد جلسة لمجلس الوزراء في مدى قريب وان في ملف النفايات، وكذلك رفع الرئيس ميشال عون نبرته بأن لا جلسة لمجلس الوزراء قبل ادراج الترقيات العسكرية في جدول اعماله، ومثلها الردود الضمنية لخصمه تيار المستقبل برفض هذا الشرط.

باتت المشكلة ــــ او يوحى بها على هذا النحو ــــ تكمن في الخلاف على الملفات السياسية، لا في آلية عمل مجلس الوزراء ونطاق الصلاحيات المنوطة به، على نحو ما شاع في الاشهر المنصرمة من تعطيل الحكومة.

بعض مبررات هذا الاستنتاج:

1 ــــ ان استقالة الحكومة بقرار من رئيسها، او بمغادرة وزراء مقاعدها، لن يؤول الى نتيجة مجدية، ولن يضع البلاد على طريق حكومة جديدة بسبب غياب المرجعية التي تبت الاستقالة ــــ وهي رئيس الجمهورية ــــ وتصدر مرسوم قبولها توطئة لخطوة مكملة لها هي بدء استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس حكومة جديد. تالياً، يعوض مرسوم قبول الاستقالة صدور بيان عن رئيس الجمهورية يطلب من رئيس الحكومة تصريف الاعمال الى حين تأليف حكومة جديدة. على نحو كهذا فان تصريف الاعمال خطوة ملازمة لقرار رئيس الجمهورية، وليس شأناً يقع في صلب صلاحيات رئيس الحكومة. الا ان طلب تصريف الاعمال يعني للتوّ قبول الاستقالة، وقطع الطريق على طلب العودة عنها سواء اتى من رئيس الجمهورية او من رغبة رئيس الحكومة في سحب استقالته. وكلاهما لم يُختبرا منذ تطبيق اتفاق الطائف.

مغزى ذلك ان استقالة محتملة لحكومة سلام تعني انها ستكون معلّقة، وغير مجدية في آن. بل يمكن في اي وقت رئيسها العودة عنها ما دام لم يقدمها الى رئيس الجمهورية. وهو بالتأكيد غير معني بتقديمها الى مجلس وزراء حلّ في صلاحيات رئيس الجمهورية. سيكون من المعيب اذ ذاك التفكير بموافقة المرؤوس على تنحي رئيسه. لا يعدو التلويح باستقالة الحكومة، ايا تكن الاصابع التي ترفع له، كونه عضا متبادلا للاصابع وتخويفا غير ذي معنى.

2 ــــ على ان إلمام الافرقاء جميعا، بلا استثناء، بقاعدة ان الاستقالة ممنوعة لا يؤول حكما الى انتظام عمل مجلس الوزراء مجدداً. الا ان شل اجتماعات مجلس الوزراء لا يصطدم هذه المرة بالتفاهم على آلية ممارسة صلاحيات رئيس الجمهورية في ظل الشغور.

بل يبدو هذا التفاهم قائما فعلا في ضوء العودة الى قاعدتين رافقتا الشغور الرئاسي منذ ايامه الاولى، ثم شهدتا في ما بعد مداً وجزرا فتسببتا بتعطيل الاجتماعات قبل ان يطرأ اجتهاد على طريقة تطبيقهما، ثم اكتشف مجلس الوزراء انه في حاجة الى استعادة التجربة مذ اتفق عليها غداة الشغور.

ثمة محاضر وأوراق عمل موقعة ومتبادلة بين الافرقاء الرئيسيين تفصح عن التزامهم، منذ البداية، تطبيق هاتين القاعدتين وتسليمهم بهما. يتساوى تيار المستقبل بهذا الالتزام مع تكتل التغيير والاصلاح، كما مع حزب الله. ما يستبعد تنصل اي من الافرقاء الرئيسيين هؤلاء ما اتفق عليه سلفا:

ــــ ربط وضع جدول الاعمال بمهلة 96 ساعة: 48 ساعة اولى لاحالته على رئيس الجمهورية للاطلاع، و48 ساعة لارساله مجددا الى الوزراء لاخذ العلم به بعد ان يكون رئيسا الجمهورية والحكومة استنفدا المهلة الاولى للتوافق نهائيا عليه. بذلك يكون على مجلس الوزراء، بعدما وُضعت بين يديه صلاحيات رئيس الجمهورية، ان يبصر جدول الاعمال مرتين: اولى كهيئة رئيس جمهورية، وثانية كمجلس وزراء.

ما يعني حتما ان موافقة الوزراء، في كل من المرتين المتتاليتين، ملزمة للصيغة النهائية لجدول الاعمال قبل الذهاب به الى جلسة مجلس الوزراء. وهو ما اصطلح على تسميته في الاشهر الـ17 المنقضية على الشغور حق الوزير في طلب شطب بند من جدول الاعمال لا يوافق عليه، كما ان يطلب ادراج بند من خارج جدول الاعمال عملا بهاتين الصلاحيتين المنوطتين برئيس الجمهورية عندما يحضر جلسة مجلس الوزراء فيترأسها.

ــــ اعتماد التوافق في المواضيع الاساسية الذي يعني موافقة المكونات الرئيسية للحكومة، وتستثني هذه النواب المستقلين والوزراء غير الممثلين لكتل رئيسية في مجلس النواب. اما في المواضيع غير الاساسية فيسري التوافق بدوره شرط ان لا يتحفّظ مكوّنان رئيسيان على البند غير الاساسي في جدول الاعمال. على ان شرط مجاراة المكوّنين الرئيسيين الاثنين تبريرهما تحفظهما. الا ان ليس لمجلس الوزراء ان يأخذ بتحفظ طرف واحد للحيلولة دون اتخاذ القرار.

النوع: تحت الضوء
الكاتب: نقولا ناصيف
المصدر: al akhbar
2015-10-24

Comments