IMLebanon

إعتدال الحريري وتطرُّف صقر

فوجئَت الأوساط السياسية بالحملة التي شنّها عضو كتلة «المستقبل» النائب عقاب صقر على «حزب الله»، والتي جاءت خلافاً للمناخ السائد بين الحزب و»المستقبل» منذ انتخاب الرئيس ميشال عون وما تلاه من تولّي الرئيس سعد الحريري رئاسةَ الحكومة، وفي ظلّ استمرار الحوار الثنائي على مدى 40 جلسة حتى الآن بين الحزب و«التيار» في عين التينة، وما يَحصل على هامشه من مشاورات بينهما تتعلّق بقانون الانتخاب العتيد وغيره.

ولاقت هذه الحملة المستجدّة تفسيرات وتأويلات كثيرة في مختلف الأوساط السياسية، أوّلاً من حيث فجائيتها وتطرُّفها في زمن النُحُوِ إلى الاعتدال، وثانياً من حيث توقيتها وخلفياتها والأبعاد، وثالثاً، من حيث أنّها صادرة عن نائب «مستقبلي» غاب سنوات عن مهمته كنائب، وعن البلاد، وربّما ما زال يعيش مؤثّرات اللحظة التي غادر فيها الى الخارج غيرَ مدرِك بعد الواقع الجديد السائد والذي يُؤَسَس عليه للانطلاق الى واقع أفضل.

وفي ضوء هذه الحملة بدأت تسود مخاوف من لجوء قوى سياسية الى توسّل التصعيد السياسي والطائفي والمذهبي على ابواب الانتخابات النيابية، لاعتقادها أنّ مثلَ هذا الأمر «ربّيح» انتخابياً عبر شدّ عصبِ الشارع والبيئات السياسية والطائفية والمذهبية التي تنتمي اليها هذه القوى، وتسييل ذلك أصواتاً في صناديق الاقتراع، غيرَ آبهةٍ بما يمكن ان يكون لهذا الامر من انعكاسات سلبية على الاستقرار العام في البلاد عموماً والعلاقات بين القوى السياسية والمكوّنات الطائفية والمذهبية التي لم تخرج بعد من دائرة التشنّج الذي تسبّبت به أزمات المنطقة خصوصاََ، فضلاً عمّا يمكن ان يتركه هذا التصعيد من انعكاسات على الحكومة وأدائها الذي يريد رئيسها البناءَ عليه لمصلحة مستقبله السياسي بعد الانتخابات النيابية، وهي لم تتمكّن بعد من إقرار قانون الانتخاب العتيد الذي وعدت به لإنجاز الاستحقاق النيابي على اساسه في أيار المقبل.

ويقول هؤلاء السياسيون إنّ ما قاله صقر يجافي تماماً المواقفَ الهادئة والمعتدلة التي يعبّر عنها الحريري، والذي على رغم اختلافه الكبير مع حزب الله في الموقف من الأزمة السورية وغيرها من المواضيع الخلافية بينهما، دأبَ منذ تولّيه رئاسة الحكومة هو وإعلامُه على تلافي شنِّ أيّ حملات جديدة على الحزب، بل إنّ ما يجري بين الجانبَين بعيداً من الأضواء يَدفع كثيرين الى التفاؤل على الأقلّ في فكّ الاشتباك بين الجانبين، بما يوسّع دائرة الاستقرار الداخلي، ويؤسّس لمرحلة جديدة بينهما، بغضّ النظر عن القضايا الخلافية التي لا يمكن ايّ منهما تغيير موقفِه منها حتى إشعار آخر ولاعتبارات داخلية وإقليمية ودولية.

على انّ البادي في الواقع السياسي انّ الحريري وتياره فصلا في الموقف من حزب الله، فهما يتعاطيان معه كمكوّن سياسي له وزنه وحضورُه وكشريك في السلطة، ولكنّهما على نقيض معه في الموقف من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي تتهم أفراداً من الحزب باغتيال الرئيس رفيق الحريري، وكذلك في الموقف من الأزمات الاقليمية وعلى رأسها الأزمة السورية، وشأن «المستقبل» في هذا كشأن المملكة العربية السعودية التي بينها وبين الحزب أزمة كبرى، ولكنّها أعادت تعزيز وتطوير علاقاتها مع لبنان، بمعزل عن خلافها الكبير مع الحزب حول دوره في لبنان والمنطقة.

لكنّ كلام النائب صقر، أوحى وكأنّ الأمور «عود على بدء» وأنّ «الهدنة» القائمة بين الجانبين، إذا جاز التعبير، قد سَقطت، أو هي على وشك السقوط، خصوصاً أنّ كلامه جاء عشيّة ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري التي تصادف اليوم، وسيُعلن الرئيس سعد الحريري خلالها مواقفَ تتناول مجملَ القضايا المطروحة داخلياً وإقليمياً ودولياً، من دون ان «تخدش» الاستقرار الداخلي أو تؤثّر على المحاولات الحثيثة لإنجاز قانون الانتخاب والتمهيد لإنجاز الانتخابات النيابية.

لكنّ البعض يقول إنّ تيار «المستقبل» ربّما يلجأ إلى شدّ عصبِ شارعِه لردّ السهام التي تُوجَّه إليه من شارعه وغيره والتي وصَلت الى حدّ اتّهامِه بـ«الارتماء في أحضان «حزب الله» منذ ان تبنّى الحريري وحلفاؤه ترشيح عون لرئاسة الجمهورية.

بل إنّ البعض داخل «التيار» ومن حلفائه يتّهم الحريري بـ»تقديم التنازل تلوَ الآخر» لعون ولحزب الله وحلفائهما «بغية ضمان بقائه في رئاسة الحكومة طوال العهد»، وهو ما يَنفيه الرجل امام كثيرين.

ولذلك يبدو أنّ «المستقبل» سيمضي في تصعيد الموقف ليؤكّد لجمهوره وحلفائه أنه ما زال على ثوابته السياسية في كلّ المجالات ولم يحِد قيد أنملة عنها، وأنّ انتخابه لعون ومن ثمّ المشاركة في حكومة يَرأسها الحريري تندرج في إطار العمل لحلّ الأزمة اللبنانية من دون ان يعني ذلك المَحيد عن مواقفه المعروفة والمناهِضة لحزب الله.

ولذلك سيمضي «المستقبل» مشاركاً إلى جانب حزب الله والآخرين داخل اللجنة الرباعية وخارجها في ورشة البحث عن قانون انتخاب جديد، ويَجزم كثيرون أنّ هذا القانون آتٍ لا محالة في وقتٍ ليس ببعيد، ليس استجابةً للدعوات الدولية الى إجراء الانتخابات في مواعيدها أياً كان قانونها، بل لأنّ الوضع الداخلي وطبيعة العلاقات بين القوى السياسية التي سادت بعد انتخاب عون رئيساً للجمهورية وتولّي الحريري رئاسة الحكومة تُحتّم إجراءَ الانتخابات على اساس قانون جديد وعدا به، وإلّا فإنّ الباب سيكون مشرّعاً أمام فراغ نيابي وربّما أكثر، لأن ليس وارداً إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين النافذ كَرمى لدعوات بعض رؤساء البعثات الديبلوماسية الغربية الذين يحاولون الضغط في هذا الاتجاه، وهي دعوات بدأت تثير شكوكاً في انّها تتناغم مع بعض الافرقاء الداخليين الراغبين في بقاء «الستّين» خياراً وحيداً لإنجاز الاستحقاق النيابي.

والمطروح الآن على بساط البحث مشروع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وعلى اساسه يُعمل على بَلورةِ قانون جديد، سواء باعتماده كما هو، او بعد تعديل بعض مواده، خصوصاً في ما يتعلق بتقسيم الدوائر الانتخابية في بعض المحافظات، وثمّة تعديلات يقترح البعض إدخالَها عليه فيها «نفحات» من قانون الستّين الاكثري، ولكن التعديلات سترسو في النهاية، حسب التوقعات على زيادة عدد الداوئر الانتخابية التي حدّدها المشروع بـ 13 دائرة، لتصبحَ خمسَ عشرة أو ستَّ عشرة من دون المسّ بالنظام النسبي الذي يعتمده ومن شأنه في رأي البعض ان يأخذ البلاد الى مشاركة الجميع بعدالة وكلٌّ بحجمه الطبيعي في المجلس النيابي، وتالياً في القرار الوطني.

وفي هذه الحال لا يعود مجدياً اللجوء إلى الوَتر الطائفي والمذهبي لاستجتذاب أصوات الناخبين، خصوصاً أنّ اللبنانيين يتعلّمون يومياً من الويلات التي تصيب المنطقة، وباتوا يحرصون على عدم الوقوع في مِثلها، وقد خبِروها سابقاً، ولذلك سيكون من الصعب على أيّ فريق سياسي توسُّل العامل الطائفي والمذهبي لكسبِ الأصوات، لأنّ تجربة اللبنانيين مع الطبقة السياسية منذ العام 2009 على الأقلّ وحتى اليوم لم تكن مشجّعة، والواقع الذي يعانيه البلد الآن أكبر دليل على فشلِ هذه الطبقة السياسية في إنهاء الأزمة ودفعِ البلاد نحو آفاق الانفراج.