IMLebanon

مقتل قندقلي في «رومية»: فرضيتا القتل والانتحار متوازيتان!

أكثر من ثلاث سنوات ونصف مرّت على مقتل السّجين غسّان قندقلي، والكثير من التحقيقات وجلسات الاستجواب، من دون أن تتكشّف الحقيقة. هل مات مقتولاً بعد تعذيبه أم انتحر؟

وقتذاك، علا الصراخ داخل سجن رومية وتدافع الأمنيون إلى نظارة الموقوفين التي حوّلها الموقوفون الإسلاميون إلى غرفة اجتماعات وتعذيب وتحقيق، ليجدوا جثّة الشاب الثلاثيني معلّقة بشال داخل حمام النظارة. حامت الشبهات حول اليمني سليم الصالح الملقّب بـ «أبو تراب» واللبنانيّ بلال ابراهيم الملقّب بـ «أبو عبيدة» بالاشتراك مع آخرين، كونهما معروفين بتنفيذ الأحكام الصادرة عن «الهيئة الشرعيّة» في السّجن والتي كانت تصدر أحكامها بالسّجناء بالضرب أو الجلد أو «الهجر» (أي الحبس الإنفرادي) أو مصادرة المضبوط (المخدّرات عادةً) وتلفه.

ومع ذلك، لم يستطع أحد أن يقدّم دليلاً واحداً عن مسؤوليّة أي من «الموقوفين الإسلاميين» عن مقتله. قلّة من نزلاء سجن رومية تجرأوا على الكلام، حتى أنّ «شاويش» حمّام النظارة السجين (م. ع.) رفض الإدلاء بأي إفادة أمام المحققين بهذه الحادثة باعتباره أبكم، ليتبيّن في المحكمة العسكريّة، أمس، أنّه يتكلّم وفق افادة زملائه.

ولذلك جاءت إفادات الموقوفين متناقضة، فبعض الذين تجرأوا على الكلام طلبوا الحماية من القوى الأمنية التي نقلتهم إلى سجنٍ آخر، أكّدوا أنّ «أبو تراب» و «أبو عبيدة» نفّذا فيه حكم الإعدام، فيما نفى المتّهمان ذلك وأوضحا أنّ من زجوا باسميهما قالوا ذلك لنقلهم إلى سجنٍ آخر حيث بمقدورهم إدخال المخدرّات وتعاطيها.

أمّا الثابت الوحيد في هذه القضيّة، فهو تعرّض قندقلي للضرب قبل ساعات قليلة من وفاته، بعد أن وصل خبر إرسال السجين صورة شائنة إلى هاتف إحدى النساء. وعلى جاري العادة في سجن رومية، اتّخذت «الهيئة الشرعيّة» قرارها بالتحقيق معه وجلده!

ومع ذلك، لم يتوقّف الأمر عند التناقض في إفادات الموقوفين، بل وصل إلى تناقضات في تقارير الأطباء الشرعيين الذين عاينوا الجثة. أحد الأطباء الذي دخل إلى سجن رومية أكّد عدم وجود آثار تعذيب على الجثة وخلص إلى أنّ الموت حصل انتحاراً، خصوصاً أنّ قندقلي حاول سابقاً الانتحار ثلاث مرات ويعاني من أزمات نفسيّة.

ولكنّ ضابط الدوام الملازم الأوّل ( ر. ج.) الذي خضع لدورة في الطبّ الشرعي وعاين الجثة رأى عكس ذلك. وحصل على تفويض من المراجع الأمنيّة والقضائيّة بمتابعة القضيّة حتى النهاية.

هكذا تمكّن الطبيبان الشرعيان (ا. خ.) و(ه. ج.) أن يعاينا جثة قندقلي في «مستشفى الباشق»، ليكتبا في تقريرين منفصلين أنّ السجين تعرّض للتعذيب والضرب بجسم صلب (قد يكون أسلاكاً كهربائية أو عصى أو نربيش أو كرباج) على عنقه وذراعه وظهره، مشيرين إلى أنّ الكدمات الظاهرة على الجثة والتي ما زالت تميل إلى اللون الأسود، وليس إلى اللون الأخضر أو الأزرق، توحي أن الضرب حديث العهد. فيما لفت الطبيب (ا. خ.) الانتباه إلى أنّ حالات الانتحار التي عاينها سابقاً لا تشبه حالة قندقلي، ملمّحاً إلى أنّه قتل، من دون أن يكون باستطاعته إثبات دليل واحد بأن الشاب قاوم قاتليه.

بالنسبة للطبيب الثاني، فإنّ الضرب واضح من دون الجزم بفرضيّة القتل أو الانتحار.

هذا أيضاً ما كرّره الطبيبان أمام هيئة المحكمة العسكريّة برئاسة العميد الطيّار خليل ابراهيم، الذي استمع أيضاً إلى شهادة أحد الضباط في السجن في حينه فلم يقدم دليلاً ثابتاً على فرضيّة القتل أو الانتحار، إذ أنّ الفرضيّة الأولى واضحة في بعض الإفادات، فيما هو يشير إلى أنّه لا يتصوّر أن تصل جرأة الموقوفين إلى حدّ القتل، ليعود ويشير إلى إمكان موته بسبب الجلد والتعذيب.

لا يرى «الضابط المكروه» من قبل السّجناء باعتباره كان «قاسياً» بنظرهم وحاولوا تلفيق أكثر من تهمة تطاله بغية إبعاده عن رومية، سوى أنّه كان «يعمل ضميره. ولكن طاقاتي كملازم أوّل كانت محدودة، فوضع السجن كان بشعاً».

الكثير من الروايات والتّفاصيل بحوزة الضابط عن «الحكم الذاتي» الذي كان يطبّق داخل السّجن واللجنتين الشرعيّة والإداريّة اللتين شكّلهما «الموقوفون الإسلاميون» وكانت لهما هيكليّة كاملة كهيكليّة الدّولة، وفق افادة الضابط.

يروي الضابط عن الأحكام التي صدرت بحقّ السّجناء وحال السّجن الممسوك من قبلهم، إذ أنّهم عيّنوا حراساً من السجناء لديهم دوامات محدّدة لمراقبة السّجن وأقدموا على التحقيق مع السجناء وضبط المخدّرات، بالإضافة إلى جلدهم بالأسلاك الكهربائيّة وضربهم.

يلخّص الملازم الأوّل المشهد بأنّهم «كانوا جهازاً أمنياً ببساطة، وحصلوا على امتيازات (من إدارة السّجن) بالتتابع حتى وصل الأمر إلى أنّ إدارة السجن لم تعد قادرة على اتخاذ أي قرار داخل رومية».

وبرغم ذلك، لا يعتبر أنّ «الموقوفين الإسلاميين» كانوا يطبّقون الشريعة، بل إنّهم تلطّوا خلف هذا الشّعار فيما كانوا يفتتحون مشاريع تجاريّة داخل السّجن من التجارة في الهواتف والخطوط الهاتفيّة وحتى الحوالات الماليّة!

في المقابل، تجرأ «أبو تراب» ومعه خالد يوسف الملقّب بـ «أبو الوليد» بأنّ يدافعوا عن الارتكابات التي كانت تحصل في السجن «باعتباره بيتنا، والدّولة تخلّت عن مسؤوليتها تجاهنا، فما كان منّا إلّا أن حمينا منزلنا»، من دون أن ينفي «أبو تراب» أنّه كان يحقّق مع السجناء ويضربهم ويصادر المخدّرات «التي كان يدخلها الضبّاط اليهم».

وفي «العسكريّة» أيضاً، حضر اثنان من المتهمين بالضلوع في جرائم تفخيخ السيارات وبانتمائهما إلى التنظيمات الإرهابيّة، وهما عبدالله الأطرش الملقّب بـ «نسر عرسال» ومحمّد الحجيري الملقّب بـ«كهروب»، من دون أن يتمّ استجوابهما.

وبدت ملامح «نسر عرسال» الذي دخل ضاحكاً إلى قاعة المحكمة قد تغيّرت منذ أن تم توقيفه، إذ أطال الشاب العشريني ذقنه وغطى عينه المصابة من جراء قصف الطيران السوريّ!