وزراء الصخب السياسي  ووزراء الصمت التنموي

بعد مضي نحو شهرين ونصف الشهر على منح الحكومة الثقة، توافرت معالم المشهد العام للعمل الحكومي، بين وزراء يشعلون الساحة السياسية بحيويتهم واندفاعهم، ووزراء آثروا البقاء بعيدا عن صخب الضجيج السياسي. وزراء لا ينزلون عن شاشات التلفزة على مدار الأيام، ووزراء لا يظهرون الى الضوء إلاّ اذا خطر في بال صحافي أو اعلامي ان يطرح عليهم سؤالا أو أكثر في مجال اختصاصهم. وهذا لا يعني ان الوزراء الصاخبين يعملون أكثر من الوزراء الصامتين… والمفارقة هي أن وزراء شاشات التلفزة كلما تكلموا في السياسة زادوا من حدّة الانقسام في البلد. في حين ان وزراء الاختصاص يلوذون بالصمت، فتعمّ الثرثرة السياسية، ولا نعرف شيئا عن نشاطات الوزراء الآخرين في مجالات التنمية والبيئة والتخطيط والطاقة وغيرها. ولعل الأوضاع العامة تكون أفضل لو صمت وزراء الصخب السياسي، وحلّت محلّهم فصاحة وزراء الصمت التنموي!.. ونتابع هنا هذه الوقفة السريعة مع بعض الظواهر من خلال هذه الملاحظات السريعة…

الوزير سليم جريصاتي: كوزير للعدل بدا انه الرجل المناسب في المكان المناسب، من حيث رفعة مكانته القانونية، وصفاء سمعته من حيث النزاهة والموضوعية. غير أن الآمال المعقودة عليه في عهد جديد نذر نفسه للاصلاح، أن يكون هو الرافعة التاريخية للقضاء، وفي الأساس أن يكون القضاء سلطة مستقلة بالفعل لا بالزعبرة على الطريقة اللبنانية. واذا كان القضاء في لبنان كسلطة يشكو من الشوائب المزمنة، فان القضاة قادرون على التغيير والوزير الشجاع في المقدمة، لتحديد الهدف والسير الى تحقيقه بشجاعة ومثابرة. وثورة القضاة في ايطاليا أحدثت تحوّلا تاريخيا بشنّ الحرب على مافيات الفساد في السياسة والاقتصاد والمال والأمن، وطاردت فلولها، مع أن أولئك القضاة الشجعان والأطهار كانوا يعرفون سلفا انهم سيدفعون الثمن من حياتهم ومن تضحيات عائلاتهم في الحاضر المستقبل.

وصل تردّي الأوضاع في لبنان اليوم الى حدّ أن القضاء في أعلى درجاته من المسؤولية يتم تجاهله، ولا تتم استشارته حتى في القضايا اللصيقة به. وهناك أحكام شجاعة أصدرها قضاة شجعان لا تنفذ. وهناك ثغرات غير مشرّفة في أحكام أخرى. وثمة طوفان من الفساد، وليس من الوارد أن يتصدّى له السياسيون الذين صنعوه وأطلقوه وعاموا على لجته… ولعل لبنان يحتاج الى ثورة قضاة أخرى لمطاردة عتات الفساد ومساءلتهم، واقامة قضاء مستقل بالكامل عن السلطتين التشريعية والتنفيذية وفي اطار التعاون في ما بينها. ومن المعيب في هذا العهد الاصلاحي ان ترتفع صرخة من القضاة الذين لا يجوز أن نجبرهم على الصراخ!.. أما معاناة المساعدين القضائيين فهي تاريخية، وهم كانوا روّاد أول اضراب يقرع أبواب قصر العدل في مطلع ستينات القرن الماضي…

وقع خطأ مطبعي في مقال أمس عكس المعنى، والصواب هو: شخصية العماد عون كسفت وليس كشفت…

النوع: مقالات
الكاتب: رؤوف شحوري
المصدر: al anwar
2017-03-17

Comments