IMLebanon

سياسة خنق لبنان لحساب إيران

«لبنان اليوم مثل تفاحة على شجرة ما علينا إلا الإنتظار تحت الشجرة حتى تسقط في أحضاننا»

(سفير إيران في سوريا علي أكبر محتشمي سنة 1982)

لم يعد خافياً على المتابعين المهتمين بالمعطيات التاريخية بأن إيران اليوم في ظل الولي الفقيه تتصرف على خلفية الضغائن الموروثة منذ أربعة عشر قرنًا، يوم قام العرب باجتياح واحتلال الإمبراطورية الساسانية.

لقد بقيت هذه الذكرى حاضرةً في الوجدان القومي الفارسي، وليس غريبًا أن ملحمة «الشهنامة» الشعرية التي كتبها «الفردوسي» في أواخر القرن العاشر، والتي تتغنى بتاريخ الإمبراطورية وتتهكم بشكل عنصري على العرب، ما زالت حتى اليوم مفخرةً للشعب الإيراني حتى في ظل ولاية الفقيه.

وكما فعل الصفويون في بداية القرن الخامس عشر، عندما استعاضوا عن العنصر القومي بالعنصر المذهبي، تعود اليوم الإمبراطورية الفارسية بشكلها الجديد لتبني نفسها على أنقاض المنظومات الركيكة والفاشلة التي ركبت على رقاب الناس في الدول العربية.

السياسة التي اتبعها مشروع ولاية الفقيه منذ انطلاقته سنة ١٩٧٩، تستند إلى تخريب المنظومات القائمة في العراق وسوريا ولبنان والبحرين والكويت والسعودية واليمن، وغيرها، من خلال ضرب التوازنات الصعبة أصلًا داخل النسيج المذهبي والطائفي لهذه الكيانات، وبالتالي انهاك السلطة القائمة لدفعها إلى الإستسلام والتسليم بمرجعية إيران السياسية والأمنية وغيرها من الأهداف التي توضع بناءً على المعطيات المحلية لكل كيان على حدة.

منذ عدة سنوات، وفي لقاء تلفزيوني مع حسن نصر الله، سُئل إن كان يسعى إلى تطبيق مبدأ ولاية الفقيه في لبنان، فأجاب بنعم «إن اصبحت أكثرية اللبنانيين قابلةً لهذا المبدأ». الواقع هو أن نصر الله لم يتوقف عن السعي إلى هذا الهدف على الرغم من التقية الفاقعة التي استعملها تكرارًا في أحاديث عن التعدد اللبناني وعن تفاهماته مع بعض المسيحيين، وتأكيده الدائم على أولوية المقاومة وغيرها من البراقع التي لم تقنع حتى الجمهور الذي كان يحتشد هاتفًا له بحياته وبالموت للأعداء، في كل مناسبة أو ذكرى، وأحيانًا من دون مناسبة محددة.

ما لنا وكل ذلك الآن، فسيتهمني البعض حتمًا بأنني أحاكم النيات لأسباب مذهبية مغرضة!

لنعد إلى الوقائع، فقد أعلن قادة الحرس الثوري، ونصر الله واحد منهم حسب تفاخره المتكرر بأنه جندي في جيش الولي الفقيه، بأن إيران رفعت علمها على عدة عواصم عربية، كما أعلن آخرون بأن عاصمة الإمبراطورية عادت كما كانت إلى العراق حيث انطلقت منذ خمسة وعشرين قرنًا، وصرّح بعضهم بأن خسارة إيران لسوريا تعادل خسارة اقليم داخل إيران، وتصاريح أخرى عديدة تنضح بالعنصرية والإستكبار، لم يحاول نصر الله أو اي من جهابذة حزبه الرد عليها أو رفضها لمجرد أن كل ما يصدر عن القادة في إيران هو مقدس ولا يمكن نقاشه أمام «الأغيار». والأغيار هي ترجمة مُلطفة لكلمة «غويم» العبرية التي تعني من هم غير مولودين من أم يهودية، وتعني أيضًا أنهم أقل قيمة كبشر من اليهود.

المهم هو أن سياسة «حزب الله» في لبنان اليوم، بعد أن تسببت بتعطيل الحياة السياسية والإجتماعية والأمنية، وبعد تشريع الباب لتحويل جزء من لبنان إلى مستعمرة إيرانية، يسعى منذ بضع سنوات إلى قطع أواصر لبنان مع دول الخليج بالذات من خلال حملات الشتائم المتكررة فصولًا على شاشات التلفزة، والتمترس وراء اللبنانيين بشكل عام، ودفع القيادات السياسية للتغطية على الشتائم بدعوى أنها صادرة عن «المقاومة».

المعني اليوم بموضوع الشتائم المتجددة هو رئيس الجمهورية الذي سعى بشكل غير مقنع له أولًا، ولجزء كبير من اللبنانيين ثانيًا، لتبييض صفحة «حزب الله» على أساس أنه متراس المواجهة مع بعبع العالم الجديد، وهو الإرهاب ذي الطابع السنّي. حاول الرئيس على مدى الأسابيع الماضية طمأنة العرب عامةً، وبالأخص أهل الخليج، بأن لبنان يرحّب بهم وبأنه جزء من الأمة العربية ولا يمكن أن يتخلى عن «أشقائه» حتى يقفوا معه في وقت الشدة.

لم يطل رد نصر الله، ولا أظن أنه كان يحاول إحراج رئيس الجمهورية عن قصد، لكن سياسة إيران الإقليمية والدولية استدعت ذلك الرد. الواقع هو أن إيران تعتبر لبنان حصتها في أية تسوية إقليمية وتسعى من خلال دفع العرب للرد على كلام وتصرفات نصر الله إلى قطع الطريق على عودتهم إلى لبنان حتى تصبح هي الملاذ الأخير، فيسقط لبنان في حضنها كما توقع سفيرها في دمشق سنة 1982.

السؤال هنا هو «كيف سيكون موقف رئيس الجمهورية في هذه الحال؟».

(*) عضو المكتب السياسي في تيار «المستقبل»