IMLebanon

سوريا.. بانتظار المنقذ؟

يستحيل الجواب. سؤال النهاية للحرب في سوريا، سابق لأوانه، لا موعد له. «وداعاً للسلاح؟» ما يزال الوقت مبكراً. كأن الحرب تستعد للإقلاع كل يوم، بل كل لحظة. أو، كأن البداية تستعاد فجر كل معركة، أو، غب كلِّ فرصة. القتال مطحنة المدن وما تبقى فيها من حجر أو بشر.

ولكن، يفترض حتما، أن تكون لكل حرب نهاية. ولا شذوذ على القاعدة. فأي الخواتيم للحروب السورية؟ والجرأة تفرض أن تسأل، من سيكون «المنقذ من الضلال» الرهيب؟

الاندلس خلفنا. لن «تستعاد أيامنا» الخوالي. ما مضى قد مضى ولن يعود. الحاضر السوري ينبئ بمستقبل مقتول. شبح الخسارة مبرهن ولا يحتاج إلى نبوءة… إن في وسع شعب ان يشتَّت ويذوب وتذروه الرياح. إن في وسع أمة أن تترمّد، الأمل الوحيد المتبقي، هو ان تنتهي الحروب، من دون ان تنتهي سوريا. الأمل المتفائل قليلاً، ان تبقى سوريا سوريّة، ولو قليلاً، كي تشبهنا قليلاً… الخوف، من ان ما سيأتي ليس منا وليس لنا وليس نحن، وان يكون تحديداً ضد البقاء الجدير بالحياة.

…ولكن للحرب نهاية.

حتى الآن، حيوية مضاعفة لحروب إضافية. الحروب الماضية ـ الحاضرة، ليست كافية. لم تنتج إلا نسخاً متجددة في جبهات تفقد وتستعاد ثم تندثر. لم يتعب أحد بعد. لم يختل توازن بعد. لم ينتصر أحد بعد. الأعداء وحلفاؤهم يجددون معاركهم بلا طائل. الناظر إلى خريطة سوريا يستهول ما حلَّ بمدنها، ويهلع مما ينتظر سواها. بالأمس القريب، انضمت إلى حلب، منبج والحسكة ومنطقة الشهباء الاستراتيجية وجرابلس والباب ومارع وتل رفعت وهلم جراً من مدن وبلدات جثت من قبل على ركامها في الغوطة وما تبقى من حارات وملاجئ ومشافٍ بلا حصانة.

الكل مستعد لحرب استنزاف مديدة. الداعمون الاقليميون يتطوّعون بالمزيد من السلاح والخبراء والعديد. الداعمون الدوليون، يتطوّعون بإضافة عدد الطلعات ونوعية الصواريخ. تضررت «داعش» بنسبة انحسار أراض اضطرت إلى الانسحاب منها. كل ذلك، لم ينتج حسماً لمصلحة أحد، أو تفوقا لأحد، أو نصاً لخاتمة أو معبراً سياسياً لحل متدرِّج. وحده الشعب السوري يدفع الثمن. الجهات الإقليمية والدولية استعفت من فاتورة الألم واستحقاق العذاب ولائحة الخسائر والركام. هي تقاتل من بعيد جداً، تصيب ولا تصاب… هكذا هي الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية. للأسف، لم يتعلم أحد بعد.

الجنون أحياناً، يفضي إلى حلول بعد ارتكاب «المشهد الأبوكاليبتيكي». حرب ساحقة تستعجل النهاية، عبر سحق طرف أو الأطراف المتحاربة. هذا غير متوقع، لعدم انخراط القوى العظمى بالحرب مباشرة. التجارب الكونية، الصغرى والكبرى، لجأت إلى حل السحق، لإنهاء حالة الحرب بكلفة الكارثة «للعدو».

لبنان نموذج. خمسة عشر عاماً لحروب بأسماء عديدة. لقضايا ذات ابعاد استراتيجية وموضعية. حرب شرق أوسطية بمطالب ضحلة سياسياً. خسر الجميع ولم يربح أحد. الحرب تأكل ابناءها. الطوائف تأكل ابناءها، الأحزاب تأكل ابناءها… مقتلة متنقلة بلا قضايا بالمرة، سوى ما يطالب به الناس «دعونا نعيش». لم يكن الحسم العسكري ممكنا لتوازن هش. الحسم الخارجي ممنوع. تدمير العراق وسحقه اعطى اذنا لدمشق بسحق آخر المحاربين المستجدين آنذاك، الجنرال عون. انتهت الحرب، بحسم عسكري، وانتقال السلطة من لبنان كله إلى عنجر ومنها إلى دمشق.

«المنقذ» هو من يسحق الحروب الصغيرة، بحرب كبيرة وحاسمة.

حدث ذلك من قبل. أقدمت جيوش الحلفاء على اعتماد السحق والابادة لتقصير أمد الحرب. قصفت الطائرات البريطانية مدينة درسدن حتى دمرتها فوق رؤوس سكانها. جريمة إبادة حقيقية، خلخلت ما تبقى من الفرق العسكرية الألمانية، بعدها سقط الرايخ كله.

حدث قبل ذلك، أن أحرقت اميركا وسط طوكيو بكامله. ثم ألحقته على ارتكاب الجريمتين بقصف هيروشيما وناكازاكي، بما فيهما وبمن فيهما. سقطت الإمبراطورية، وتحول العدو الأميركي في ما بعد إلى «منقذ».

لم تعد المانيا المانية. انتزعت منها قواها كلها. اخضعت لشروط المحرر. تقاسمتها جيوش الحلفاء. هم الحاكمون، والألمان، محكومون بشرط الهزيمة. اليابان كذلك.

فهل تبقى سوريا سورية؟

يصعب ذلك. إعادة تركيب سوريا بعدما فتتتها الحرب، ستجعل منها، فسيفساء قوى واقوام ومذاهب ومحميات إقليمية ودولية، وستكون حصة السوريين، موزعة على هؤلاء، برعاية القوى التي ساهمت، إما بالحسم وإما بترجيح الضربات. قد تتشبه سوريا بالعراق. «العراق دولة على الورق». لا عراق في العراق.

القراءة في الكف السوري صعبة، الكف مفتوح على معسكرات تتدفق مقاتلين يزدادون من كل الاجناس والأوطان والاعراق والطوائف والمذاهب والمصالح. حروب الهزائم المتبادلة تنذر بأن الانتصار الموعود لأي طرف، دونه حروب، فهل تلجأ القوى العظمى للحسم، كما حصل في «درسدن؟» ليت لا، بل ليت نعم. مرعب هذا السيناريو. مرعب أن تستفيق على مدينة بلا حجرها وبلا بشرها.

الجلوس على قارعة الحروب السائدة أفضل من التبصير بكوابيس النهايات وصلافة المنقذ.

الانتظار، خير من «قفا نبك». فلننتظر.