IMLebanon

النزوح السوري سلعة مربحة!

خمس سنوات من الحرب كانت كافية. اللاجئون السوريون صاروا أرقاماً فقط. لا أسماء لهم ولا انتماء. سلعة البؤساء رائجة.. تحوَّل اللاجئون إلى تجارة مجزية. ليس في إضبارات الدول والمنظمات دموع أو معاناة أو عذابات تتدفق، ولا إقامات دائمة. مذلة الإنسان في وطنه فظيعة، مذلته خارج الوطن جحيم… النازحون السوريون ركام يتكئ على ركام. ويتوجسون منه عنصرياً، العنصرية مجزية سياسياً.

العالم يحسب البؤس بطريقة متقنة. التجارة بالبؤساء رابحة.

لبنان لا يشذ عن القاعدة. فينيقي عاهر. سلعة التخويف رائجة. خوف على التوازن الديموغرافي. هذا التوازن مهتز من زمان. لعنة الديموغرافيا حلّت على لبنان من البدء. كل غريب خطير. الفلسطيني خطير، السوري غريب. تشحذ الألسنة على مسنِّ العنصرية: «لا لتوطين السوريين في لبنان». أو، لا لإقامتهم في الحيز الجغرافي لبعض المدن والبلدات. أو، لا لجمعهم من العراء المذل، في مخيمات حديثة. السوريون الميسورون يُستقبلون على الرحب والسعة. مقابل «لا» العنصرية، أهلا وسهلاً بالتدفقات المالية لمساعدة النازحين. «خذوا مالا»، كثير لكم وقليل للنازحين. فعلوها. قبلوا بالمقايضة. اللجوء تجارة مربحة. «افتحوا مجلس النواب» لإقرار المساعدات والقروض. تدفق المساعدات ينعش هوامش الاقتصاد المتداعي، يحرك الأسواق، ويسيل لعاب مرتزقة المال وقناصي الفرص، صحة وتربية وإغاثة.

أوروبا المتمتعة باختصاص التجارة بحقوق الإنسان، وقيم التعدد، وقواعد السلم الأهلي، أعلنت صراحة أنها ستقيم حصناً يحميها من تدفق اللاجئين السوريين. بسببهم رُسمت سياسات الاستقبال المحدود جداً، وارتفعت جدران الأسلاك الشائكة، لمنع «بؤساء العالم» من التسلل الكثيف لأمهات وأطفال وشيوخ، بلا سماء ولا أرض ولا أيام. ممنوع استقبال اللاجئين عندهم. يدفعون الأموال للبنان كي يبقيهم عنده، بشروط «إنسانية» لفظية. يدفعون الهبات ويسخون بالمساعدات على تركيا، ويعقدون صفقة التبادل السلعي… والسلع هنا، مهاجرون ونازحون وبؤساء.

بات المهاجر السوري مادة سياسية بخسة: اليمين المتطرف في أوروبا يتسلق إلى السلطة بأصوات التخويف والترهيب. المهاجرون والنازحون والمطرودون من بلادهم خطر داهم، سلاحهم الإسلام. الخطر من أسلمة البلدان الأوروبية… كذبة لا تتجرأ قوة سياسية على فضحها. أفدح ما يرتكبونه تبرئة عنصريتهم بالقول: «الإسلام ليس كذلك»… يكاد اليمين واليسار أن يلتقيا في اعتماد سياسات إعادة تصدير اللاجئين. فعلوها مع تركيا. يضغطون على اليونان، يخنقون صوت الضمير. صور «شهداء المتوسط»، لم تعد تثير استنكاراً. عملية تخدير إعلامية سائدة. وحدهم، بؤساء التهجير والطرد والنزوح، يعيشون بلا حياة.

شذَّت كندا عن هذا السياق. استقبلت أعداداً من دون منّة ولا ادّعاء. هي بلاد مهاجرين ومجتمعات تعترف بالتعدد الديني والعرقي والثقافي وترعاه، وتبني عليه بنجاح. لم يتسنَّ لأوروبا أن تفوز فيه. قلة من المسلمين فيها ومنها، تشغل الطبقة السياسية بمعارك وهمية. الخطر على الأبيض ممنوع.

أميركا كانت الفضيحة. «أمّ الحريات والديموقراطيات والتعدد»، أنجبت دونالد ترامب، بأبشع ما يرتكب ضد المهاجرين، الآن ومستقبلاً. صوت نازي يعلن عن رغبة وإرادة بتطهير البلاد من «السموم الفتاكة» و «الأعشاب الضارة» و «الحيوانات المفترسة» من البشر المختلفين… أيضاً وأيضاً. اللاجئ، سلعة فاسدة تشهر بوجه الناس، كي يخافوها ويتجنبوها. أو، ذريعة لإخفاء إخفاقاتهم إزاء شعوبهم.

لا ضرورة للتشهير بالأنظمة العربية. هذه برهنت من زمان، أنها ضد شعوبها. جعلوا البلاد أقفاصاً مقفلة. الناس، في بلادهم، ليسوا أهلاً للمواطنة والتمتع بالوطن. ليسوا بشراً يستحقون الحرية والكرامة والمشاركة… لا يُسأل عن هذه الأنظمة، فاقدة الصلة بالقيم والأخلاق والمصالح العليا… شعوبهم سلعة. ومع ذلك، يتعاملون مع مأساة النزوح والتهجير، بالدفع والمنع، يدفعون مالاً ولا يستقبلون بشراً بحاجة إلى إقامة مؤقتة.

من قبل، استقبلوا الفلسطينيين النازحين. أخذوا منهم فلسطين وأقعدوهم في مخيمات البؤس والشتات والفقر. خدمتهم «الأونروا» قليلاً، وحرستهم الأنظمة في «باندوستانات» عربية. لما قرروا استعادة فلسطين بالبندقية، قاتلوهم وقتلوهم، ففلسطين ليست للفلسطينيين، الأنظمة أولى بها تجارة واستهلاكاً. هكذا، تحوَّل اللجوء إلى سلعة سياسية. ويسألونك، بعد هذه الارتكابات، عن فلسطين.

يقال اليوم: «أيها النازح السوري من معك»؟

تقريباً لا أحد، باستثناء بعض المنظمات الإنسانية، الدولية والمحلية، التي تعمل، بفلس الأرملة، كي تسد رمقاً، لأيام معدودة… الآخرون، يشترطون إبعادك المسبق، ويمنعون عنك العمل ومزاولة المهن.

لقد أجهزت الحرب على سوريا. سوريا تتبوأ عرش خرابها. الركام هو أساس لمستقبلها المنعدم. وفي هذه الأثناء، ينفخ العالم بأخبار إعادة الإعمار. لبنانيون يتهيأون لافتراس حصتهم، وكذلك يفعل الآخرون، الأقربون والأبعدون. والسلام في سوريا، الذي سيتأخر كثيراً، سيرث بلاداً مفلسة، منهوبة، مشلَّعة… مستقبل سوريا يُرسم وفق النموذج العراقي.

كل هذه الدماء وكل هذا الخراب وكل هذا البؤس من أجل هذه النهايات؟

لم يعد يجدي الندم.