IMLebanon

معركة سوريا الأكثر دموية لم تبدأ بعد..

لم يستطع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعد إيجاد منفذ له يمكّنه الإفلاتَ من ملف تعاون حملته الانتخابية مع روسيا، لا بل على العكس فإنّ الشبهات طاولت محاميه الخاص مايكل كوهين بعدما كان قد سبقه الرجل الأقرب الى ترامب، صهره جاريد كوشنر.

على رغم التحسّن الكبير للاقتصاد الأميركي حيث وصل انخفاض معدّل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ 16 عاماً، إلّا أنّ شعبيّة ترامب استمرت في التدهور لتصل الى 21 في المئة وفق آخر استطلاعات الرأي بعدما كانت نحو 30 في المئة منذ أسابيع معدودة.

ترامب المحاصَر أيقن متأخراً أنّ أزمته الخانقة مردّها أساساً لازدرائه وسائل الإعلام ومعاداته الأجهزة الأمنية مثل الـ«سي آي إي» بدايةً ومن ثم الـ«إف بي آي».

وهو يحاول التعويض من خلال تحصين فريقه أكثر، فباشر خطة تطهير في حق موظفي البيت الأبيض في محاولة لمنع تسرّب أخبار ادارته الى وسائل الإعلام، لكنّ اللافت أنّ طلبات التوظيف من الراغبين الحلول مكان المفصولين كانت ضئيلة جداً وتفتقر الى المواصفات المطلوبة خشية الخضوع لنظام إداري صعب في وقت تقول بعض وسائل الإعلام إنّ هناك توجّهاً لمراقبة الصحافيين بنحو غير قانوني.

ترامب الذي بدأ يطرح نفسه ضحيّة مع إعلان أنّ أيّ رئيس سبقه لم يتعرض للاضطهاد الذي يتعرض له، يسعى بقوة لإنجاز خارجي في الشرق الاوسط تحديداً، وأمامه ملفان هما التسوية الفلسطينية – الإسرائيلية والقضاء على «داعش».

ذلك أنّ أيّ نجاح في هذين المضمارين قادر على استثماره داخلياً لمصلحة ادارته. وانسجاماً مع إلحاح الرئيس الاميركي، أعلن وزير دفاعه جيمس ماتيس تسريع الحملة على «داعش» بدءاً من إنهاء الموصل والبدء بمعركة الرقة ودير الزور.

وفي هذا المسار كثير من العناوين، ابرزها عدم إتاحة الفرصة لإيران بتوسيع نفوذها من خلال استغلال الفوضى التي ستنجم عن إنهاء «داعش». ولذلك بدا الجيش الاميركي حازماً في توجيه رسائل نارية لرسم خطوط حمر ميدانية تمنع الحيش السوري والقوى المتحالفة معه من الاقتراب من معبر التنف، وبالتالي تأمين الممرّ البرّي بين العراق وسوريا. وبدا أنّ روسيا غير معارضة للتوجّه الأميركي. ولأنّ الخط البرّي الثاني يمر عبر الموصل ودير الزور بدت واشنطن متشدّدة مع قوات «الحشد الشعبي» التي حاولت تجاوز الحدود العراقية.

وفي الوقت نفسه باشرت واشنطن تسليح الأكراد بالسلاح النوعي للبدء بالهجوم على الرقة ومنها الى دير الزور، ما يعني حرمان الجيش النظامي السوري من مهمة التواصل مع «الحشد الشعبي» العراقي ومعه تأمين الممر البرّي من بحر قزوين الى شاطئ الناقورة. وحاولت واشنطن «زكزكة» روسيا من خلال فتح ممرات لمقاتلي «داعش» للانسحاب من الرقة الى تدمر، فالمنطقة الصافية للنفوذ الروسي، أي المنطقة البحرية.

وتحدثت الـ«واشنطن بوست» عن أنّ معركة سوريا الاكثر دموية لم تأتِ بعد، في اشارة الى إدلب، وقيل إنّ واشطن أرادت الرد على التمدّد الروسي جنوباً حيث ظهرت قوات روسية جنوب دمشق، وتحديداً في المناطق القريبة من الجولان.

لذلك عمدت روسيا الى الرد على «الزكزكة» الأميركية بالقصف الصاروخي من البحر راسمةً بذلك خطاً أحمر ممنوعاً تجاوزه.

وفيما كان رسم الخطوط الحمر قائماً بالصواريخ والنار، كانت العواصم الغربية تشدّد في إطار تحالفها مع واشنطن ضد الإرهاب على ضرورة عدم ترك أيّ عنصر داعشي يعود الى بلاده، ولا سيما منهم أولئك الذين قَدِموا من أوروبا وشمال افريقيا والبلدان العربية والعمل على تصفيتهم جميعاً.

وتحدّث بعض المعلومات عن تعاون يحصل بين الجيش الفرنسي والأجهزة الأمنية العراقية حيث سلّمت باريس لائحة تضم زهاء الـ 700 فرنسي يقاتلون في صفوف «داعش» وبالتالي وجوب تصفيتهم. وتضيف هذه المعلومات أنّ فرنسا أرسلت قوة خاصة مدعومة بطائرات بلا طيار بهدف مطاردة هؤلاء، وأنّ هذه القوة تعمل على التحقق من هوية قتلى وجرحى «داعش»، في وقت تنفي فرنسا رسمياً ذلك.

كذلك تسعى واشنطن الى تحصين وضع مصر والتي شكلت هدفاً لـ«داعش» بسبب الدور الذي تريد واشنطن للقاهرة أن تتولّاه. وطلب الجيش المصري تزويده سلاحاً يتناسب وطبيعة المعركة مع «داعش» خصوصاً في سيناء، في وقت نصح الجيش الأميركي نظيره المصري باعتماد عقيدة قتالية تتناسب ومهمة محاربة الإرهاب بدلاً من العقيدة الحالية التي ترتكز على الحروب الكلاسيكية. وأعطت القيادة الأميركية مثلاً على ذلك الاسلوب الذي يتبعه الجيش اللبناني والذي أثبت نجاحه ولو من خلال إمكانات متواضعة.

وفي وقت بدا أنّ الضغط الحاصل على مصر يتعلق جانب منه بالاستقرار الأمني المصري، ربط آخرون هذا الضغط بالانفتاح الحاصل تجاه إيران.

ووفق أوساط ديبلوماسية أميركية، فإنّ ردّة فعل إيران على مؤتمر الرياض اتّسمت برباطة الجأش وبضبط ردود الفعل بنحوٍ أثار دهشة العواصم الغربية.

لكن وبخلاف التحليلات المبالغ فيها بعد قمة الرياض، فإنّ المؤشرات الدولية لا تدل على عودة الامور الى الوراء بالنسبة الى العلاقات الاميركية – الإيرانية، فمثلاً في نيسان الماضي وقّع ترامب بعيداً من الأضواء تنازلاتٍ جوهرية عن بعض العقوبات على إيران تنفيذاً للاتفاق الموقّع، وهو ما يجعل إيران قادرة على إبرام صفقات تجارية دولية والحصول على الأرصدة المجمَّدة. فالعلاقات مع إيران شيء والحدّ من نفوذها الخارجي شيء آخر. يُذكر أنّ الرئيس اللبناني العماد ميشال عون سيقوم بزيارة رسمية الى طهران بعد عيد الفطر.

أضف الى ذلك تأثير إيران في الداخل الفلسطيني، وهنا يأتي الملف الثاني الذي يعوّل عليه الرئيس الأميركي لتحقيق مكاسب سياسية والمقصود التسوية الإسرائيلية – الفلسطينية.

فالمسؤول الأميركي عن هذا الملف جيسون غرينبلات يعقد لقاءات عمل مكثّفة مع فريق أوباما الذي تولّى هذا الملف سابقاً بموافقة ترامب. ويجري العمل على درس إحدى الخطط التي كان وضعها الجنرال الأميركي المتقاعد جون ألين والتي تتركّز على سلّة إجراءات تضمن المخاوف الأمنية التي تتذرّع بها إسرائيل.

ونقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن جاريد كوشنر قوله: «نحن نخطط للتقدّم بسرعة في إحياء العملية الديبلوماسية من اجل تحقيق الاتفاق». لكن عدا أنّ نتنياهو لا يبدو مرناً في التعاطي مع هذه الجهود، بدا الضغط الإسرائيلي الداخلي كبيراً لإحباط المشروع الأميركي.

وفيما قال نتنياهو إنّ إسرائيل يجب أن تحافظ على السيطرة العسكرية الكاملة في الضفة حتى في حالة التسوية، شرعت الحكومة الإسرائيلية في التحضير لقرارات استيطانية جديدة تشمل 2600 وحدة سكنية منها 400 وحدة في الضفة الغربية.

ونقلت أوساط ديبلوماسية أميركية أنّ مسؤولين إسرائيليين أبلغوا الى مسؤولين في البيت الابيض أنه اذا حصلت ضغوط مفرطة على نتنياهو فسوف يسقط. في وقت نصح المسؤولون الأميركيون رئيس الحكومة الإسرائيلية بتوسيع دائرة الائتلاف الحكومي عبر ضمّ قوى سياسية معتدلة.

وفي موازاة ذلك أعلن الجيش الإسرائيلي عن البدء ببناء أوّل منشأة تدريبية عسكرية تحاكي القرى اللبنانية في الجولان وينتهي بناؤها نهاية السنة بغية وضعها للتدريب وهو ما يعني تأكيداً اضافياً أنّ الجيش الإسرائيلي جاهز للحرب البرّية مع «حزب الله»، ولكنه يعني ايضاً أنه يحضّر نفسه للتخريب على أيّ مشاريع سياسية يجري التحضير لها.