IMLebanon

إقرار» الضرائب بديلاً من «السلسلة»

يكفي أنّ تُقرّ إيرادات السلسلة مساءً وتحت جنح الظلام حتى ينكشف المستور. فاختيار النواب توقيتَ المساء لإقرار الإيرادات لم يكن بريئاً في نظر البعض، وغطّى على الخبر المنتظر والمفترض أن يكون مفرحاً بإقرارها بعد نضال دام سنوات لمستحقّيها، لكنّ الزيادة المفروضة على الشعب الناقم والذي انتظر طوال يوم أمس تحت المطر وحتى في المنازل متابعاً مجريات الجلسة التشريعية عبر وسائل الإعلام، أطاحت بنشوة النصر وحلّت المفاجأة.

لم تخجل الحكومة من فرض ضرائب على الشعب فاقَ بعضها الـ 400 في المئة، قبل زيادة الرسم على الطابع المالي الذي ارتفع بصورة قياسية من الألف إلى الأربعة آلاف.

لتعلو صرخة المعترضين قرب مجلس النواب، بعدما تسمّروا تحت المطر طوال اليوم محتَمين بغابات من المظلّات لتقيَهم بَرد الشتاء بعدما يئسوا من الاحتماء بالقانون. لكنّ صاعقة الزيادة المتصاعدة وغير المتوقّعة كانت حرارتها أشدّ برودةً من تأثير العاصفة الطبيعية.

أوّل غيث الجلسة المسائية، تصويت على المواد الضريبية، بدأ بإقرار زيادة الـTVA بنسبة 11 في المئة بدلاً من 10 في المئة، وزيادة رسم الطابع المالي من ألف ليرة إلى أربعة آلاف أي بزيادة 400 في المئة.

إضافةً إلى ضرائب أخرى متعلّقة بشروط صكوك البناء، وطنّ الإسمنت، لتُرفع الجلسة إلى العاشرة والنصف قبل ظهر اليوم، بعدما شهدت اعتراضات بين مؤيّد إقرار السلسلة من دون إيرادات، وبين معارض إقرارَها مع فرض الزيادة الموجبة والموجعة.

وكانت قد راجت معلومات في كواليس قاعات ساحة النجمة صباحاً عن احتمال حضور الرئيس نبيه برّي جلسة المساء، لكنّه لم يحضر واستؤنِفت الجلسة برئاسة مكاري عند الخامسة والربع.

الرئيس فؤاد السنيورة وصَف الجلسة بأنّها من أخطر الجلسات وأهمّها، معتبراً أنّ «التقاعس عن القيام بإصلاحات ماليّة وإدارية أوصَلنا إلى ما نحن عليه».

ولفت إلى أنّ إقرار سلسلة من دون تبَصُّر للقضاة وأساتذة الجامعة أدّى إلى فروقات وغبنٍ في الإدارة وإلى زيادة في العجز وخربَطة الاقتصاد، مؤيداً «إقرار السلسلة ولكن أن تكون مجزّأة ومنضبطة ومترافقة مع قرارات شجاعة وإجراءات تؤدي إلى تحقيق النمو المستدام».

فقال وزير المال: «استمتعنا بالبيان الوزاري للرئيس السنيورة»، مشدّداً على أنّ لا أحد يختلف مع الآخر على ضرورة ضبط الهدر وأنّ المشكلة هي في تضخّم هيكلية الدولة بلا حدود، كاشفاً عن زيادة 22 ألف عنصر في القيادة العسكرية وعن إنفاق موازٍ لـ 10 آلاف متقاعد. وأضاف: إذا أقرّينا السلسلة سندخل تقديرات الإيرادات في الموازنات العامة.

وفيما أكّد مكاري ضرورة إقرار السلسلة مع الإيرادات والإصلاحات، استغرب النائب سامي الجميّل جزءاً من الكلام الذي ورَد في الجلسة، متمنّياً لو كان أفرقاء الحكومة متّفقين في ما بينهم وأن تكون الموازنة شاملة. وقال: نستغرب كلام وزير المال عن وجود سارقين محميّين ولا نعرف من هم ولم يتحرّك القضاء لملاحقتهم.

وتوقّف الجميّل عند التهرّب من الضرائب في المرفأ والمطار وقضية الأبنية الحكومية المستأجَرة وما يسمّى نفقات استثمارية. وتحدّث عن دراسة لمجلس الخدمة المدنية تشير إلى فائض كبير في الموظفين والمتعاقدين.

ونبَّه من إفقار الشعب اللبناني، سائلاً: أيّهما أفضل إفقار الشعب أم الذهاب إلى مكامن الهدر. وحذّر: «إذا أقِرّت هذه الإيرادات المقترحة وحصلت ثورة في البلد فلا تبكوا على الأطلال، لأنّ هذا الأمر سيؤدي إلى إفلاس الدولة وتدمير الاقتصاد».

وحمّلَ الجميّل الحكومة المسؤولية عن هذه الإيرادات، مستغرباً كيف «أنّنا منذ 5 دقائق أقرّينا مشاريع بقيمة 456 مليون دولار، فيما السلسلة التي تبلغ قيمتها 800 مليون دولار وهي محقّة أخذت سنوات من النقاش كي تقَرّ، في مقابل إنفاق ملايين الدولارات على مشاريع لا يمكن اعتبارها أولوية.

وبعد الجدل النيابي، توجّه الحريري إلى النواب بالسؤال: تريدون السلسلة أم لا؟ مضيفاً: إتفقنا جميعاً كقوى سياسية على إقرار السلسلة والواردات والإصلاحات، ووزير المال ينتظر لتوقيع الشيكات. فلماذا لا نباشر درسَ هذه السلسلة.

وكان النائبان نديم الجميّل وأكرم شهيّب قد تحفّظا في بداية الجلسة على تقريب البحث في سلسلة الرتب والرواتب وعدم التزام تراتبية جدول الأعمال.

من جهته، تحفَّظ زهرا على بحث الإيرادات للسلسلة وطالبَ بتركها للحكومة، فيما اقترَح النائب روبير غانم إعطاء الحقوق للموظفين وإعطاء الحكومة مهلة 6 أشهر لتوفير الإيرادات بمعزل عن فرض ضرائب.

الجلسة الصباحية

وبعدما كان هدف الجلسة الأساسي إقرار بند سلسلة الرتب والرواتب، لكنّ إدراجه كبند أخير على جدول الأعمال أحدَث بَلبلة ونقاشات وسجالات معارضة وأخرى مؤيّدة.

فلم توحِ أجواء الجلسة الصباحية بأنّ السلسلة ستُقرّ نتيجة مؤشّرات عدة:

1 – غياب الرئيس نبيه برّي عن ترؤس الجلسة نظراً لوفاة صهرِه، رغم أنّ البعض سأل عن السبب الحقيقي لغيابه.

2 – طول المدة التي استغرَقها البحث في البنود الأولى، ممّا أثار استياءَ بعض النواب ولا سيّما نواب «حزب الله» الذين أكّدوا ضرورة تأجيل البحث في البنود المدرجة على جدول الأعمال إلى ما بعد الانتهاء من بند السلسلة واعتباره أولوية. الأمر الذي أيّده رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري لتأكيد جدّية قرار الحكومة في هذا الإطار، فوافقَ نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري على مضَض وتقرّر رفعُ الجلسة الى الخامسة عصراً على أن تبدأ من البند الأخير، أي السلسلة.

كما أوحت الجلسة الصباحية بإرجاء بتّ بند السلسلة الى جلسة أخرى لأنها تحتاج الى نقاشات وتعديلات وفق ما سرّب بعض النواب، لكنّهم خرجوا بأجواء تفاؤلية أكثر تحدّثت عن إمكانية إقرارها.

فيما ألمحَت مصادر نيابية لـ«الجمهورية» الى إمكان إرجائها إلى اليوم نظراً إلى التعديلات الكثيرة المقترحة عليها، وطلبَ عدد كبير من النواب الكلام ومناقشة التعديلات والمسائل العالقة في اللجان المشتركة، ومنها: الضريبة، التمويل، والدرجات التي ما زالت عالقة. كلّ هذه الأمور كانت تنتظر جلسة المساء.

غابة من المظلّات ترافق الجلسة التاريخية

واللافت أنّ الجلسة التشريعية انعقدت على وقع غابة من المظلّات في الخارج مع اعتراض الأساتذة وضجيج المتعاقدين، ونحيب الزوجة المغتصبة التي انتظرت إقرارَ اقتراح القانون الرامي إلى إلغاء المادة 522 من قانون العقوبات، فرَفعوا جميعُهم شعارات موجعة لكنّ وقعَها بقيَ بارداً ولم يؤثّر في القرارات المتّخَذة سابقاً.

أمّا قانون الانتخاب فقد أخَذ حيّزاً مهمّاً من النقاشات الجانبية خلال الجلسة رغم عدم إدراجه في جدول الأعمال، وذلك بعد رصدِ لقاءات جانبية لكلّ مِن الوزير جبران باسيل والنائب وائل ابو فاعور الذي قال إنّ الأمور لا تزال تحتاج إلى وقتٍ كثير وإنّ طبخة القانون لم تنضج بعد. لكنّ باسيل أصرَّ على معرفة صدى مشروع قانونه الانتخابي الأخير لدى كلّ الأطراف، وما هو بديلهم عن كلّ نقطة يرفضونها.

وفي السياق، عقِدت لقاءات جانبية بين باسيل والنائبين علي فياض وجورج عدوان، وأخرى بين باسيل ووزيري المال علي حسن خليل والعدل سليم جريصاتي. كما تنقّلَ باسيل بين خليل والحريري مرّات عدة، الأمر الذي دفعَ مكاري إلى الطلب منهم اكثرَ من مرّة الإنصات الى النواب والتوقّف عن عقدِ الاجتماعات الجانبية.

الأوراق الواردة

تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الجلسة التشريعية تُعتبر الأخيرة في العقد الاستثنائي قبل بدء العقد العادي الأوّل الثلثاء المقبل، وقد بدأت بتلاوة الأوراق الواردة، فطالبَ النائب سيمون أبي رميا بتحويل أسئلة النواب الى جلسة تعقَد للمساءلة تفادياً لهدر الوقت. فيما نوَّه النائب أنطوان زهرا بكتاب وزير الدفاع الذي شكرَ للّجان المشتركة إقرار السلسلة معترضاً على تطاولِ المجتمع المدني على النواب وتوصيفهم بـ 128 حرامي، وطالب وزير العدل باتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

فيما حذّرَ النائب نديم الجميّل من الوقوع في الفراغ في غياب قانون الانتخاب، ووصَفه بكأس السمّ. أمّا النائب علي عمّار فنوّه بموقف الحريري تجاه التهديدات الاسرائيلية.

النائب سامي الجميّل الذي سجّل اعتراض حزب الكتائب على عدم إدراج قانون الانتخاب على جدول أعمال الجلسة، اعتبر أنّ الأمر تواطؤ حكوميّ ووزاري، فردّ عليه الوزير غازي زعيتر بالقول: «القانون في أدراج القوى السياسية وليس في أدراج المجلس».

بعدها بدأ النقاش في جدول الأعمال، فصُدّقت 9 مشاريع قوانين تنموية وخدماتية ومشروع الإجازة للمؤسسات العامة الاستثمارية الخاضع لوزارة الطاقة والمياه بفتحِ حسابات خاصة ومِن ثمّ إيداعها مصرف لبنان.

وعندما طالَ النقاش طالبَ نواب «حزب الله» بتقديم مشروع السلسلة، فأيّدهم الحريري بالقول: كلّ المشاريع مهمّة لكنّ البلد ينتظر إقرار السلسلة، وهناك مزايدات ويهمّ الحكومة تأكيد موقعها بأنّها مع إقرار السلسلة.