IMLebanon

بائع الكعك سيعتمر عمامة السلطان سليم الأول!

السبت الماضي، دعا الرئيس رجب طيب أردوغان الجماهير الغفيرة التي تجمعت في ساحة «تقسيم»، وسط إسطنبول، إلى التصويت لمصلحة التعديلات الدستورية المقترحة. وهي تعديلات جذرية تهدف إلى تحويل نظام الحكم في تركيا من نظام برلماني إلى رئاسي. ومن المتوقع أن يستتبع هذه النقلة التاريخية إلغاء منصب رئيس الوزراء، وزيادة أعضاء البرلمان إلى 600 وخفض سن الترشح إلى 18.

قبل صدور النتائج النهائية عن اللجنة العليا للانتخابات، اكتفى رئيس الوزراء بن علي يلدرم بالأرقام الأولى التي أعطت «نعم» نسبة 51.4 في المئة. وعلى الفور افتتح أردوغان وزوجته أمينة مهرجان الفوز في ساحة إسطنبول، محاطاً بآلاف من محازبيه وأنصاره الذين رفعوا علماً يبلغ طوله خمسين متراً، كان يرفرف فوق الشرفات التي تنقل فوقها الرئيس لإلقاء خطاب الشكر والوعود البراقة.

ويُستدَل من طبيعة الزيارات التي قام بها أردوغان إلى أضرحة الرموز التاريخية التي تأثر بنهجها العقائدي والسياسي، أنه قرر إحياء ماضيها المشرف عبر المستقبل الذي تعهد بترسيخ دعائمه. وقد باشر زياراته بالصلاة أمام ضريح محمد الثاني الملقب بالسلطان الفاتح لأنه حاصر القسطنطينية، وأزال عنها نفوذ بيزنطية (عام 1453). كذلك زار ضريح معلمه الروحي نجم الدين أربكان، وضريح عدنان مندريس الذي أعدمه الجيش بتهمة تأسيس جمهورية دينية بدل الجمهورية العلمانية.

ولاحظ مرافقوه إلى صالة السلطان سليم الأول أنه تأمل بالعمامة طويلاً كأنه يتمنى لو يعتمرها.

ومع أن أردوغان يعلق صورة كمال أتاتورك على جدار مكتبه، إلا أنه تحاشى زيارة ضريحه لأنه لا يؤمن بإنجازاته العلمانية، ولا يوافق على إخراج تركيا من عباءة محمد الفاتح. وقد ظهر هذا التوجه المعارض بصورة عملية عندما باشرت وزارة التعليم حذف مآثر منقذ الامبراطورية من كتب التاريخ. وانسجاماً مع نصائح أردوغان، قررت وزارة المالية وقف تجديد طباعة العملة الوطنية التي تحمل صورة مصطفى كمال أتاتورك. وهذا ما نقله مراسل صحيفة «التايمز» اللندنية، عن أنسباء يتحدرون من أسرة أتاتورك. ويقول أحد هؤلاء، واسمه فايز الله، إن جده تزوج صبية تنتمي إلى أسرة أرستقراطية عريقة، ولكنه طلقها بعد ثلاث سنوات، حينما اكتشف أنها عاقر. لذلك بقي محروماً من الأولاد.

ومن المؤكد أن الشعبية التي حظي بها أردوغان طوال خمس عشرة سنة أعانته على إطلاق «حزب العدالة والتنمية». وهو الحزب الذي اهتدى بتوجهات نجم الدين أربكان، الداعي إلى اعتماد الإسلام السياسي حلاً نهائياً لمشاكل تركيا.

مع مراجعة سيرة حياة أردوغان يقتضي التذكير بأن وصوله إلى مركز الضوء لم يكن سهلاً أبداً. لقد رأى النور في 26 شباط (فبراير) 1954 في منطقة قريبة من إسطنبول. وكان والده يعمل قبطاناً لمركب تجاري في البحر الأسود. وبسبب حاجة العائلة إلى دعم أولادها الخمسة، فقد اضطر أصغرهم- أي رجب طيب- لأن يساهم بقسط ضئيل من طريق بيع الكعك بسمسم.

التحق أردوغان بمدرسة دينية مجانية، حيث حقق هوايته في لعبة كرة القدم. وشدته هذه الرياضة بحيث أنه كاد يصبح لاعباً محترفاً، لولا انغماسه في السياسة. ومع هذا كله، فقد وظف ولعه بالرياضة لخدمة انتخاباته، بحسب ما يروي مستشاره الإعلامي الذي كتب يقول: «انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً فيديو دعائي لدعم حملة الترويج للنظام الرئاسي. ويصور الفيديو الشعب التركي على أنه فريق كرة قدم يلعب ضد فريق أوروبي. وفجأة نزلت إلى الملعب فتاة تركية لترفع بطاقة حمراء في وجه الحكم. ولم تكن تلك البطاقة سوى النظام الرئاسي الجديد». والعبرة من هذا الفيديو تؤكد استمرار ولع أردوغان برياضة كرة القدم التي توّجها في بلاده بإطلاق اسمه على أهم فريق في إسطنبول.

المهم، أنه باشر حياته السياسية بالانخراط في «حزب الخدمات الاجتماعية» الذي أسسه نجم الدين أربكان عام 1980. وأعانه هذا الحزب على الوصول إلى رئاسة بلدية إسطنبول عام 1994. وفي هذا الموقع حقق إنجازات عمرانية واجتماعية كافأه الشعب عليها لمدة أربع سنوات. أي إلى أن تدخل العسكر لحل حزب أربكان.

عام 1998 أقدم أردوغان على تعريف تماسكه مع حزب أربكان باقتباس أبيات بالغة الدلالة، مطلعها: «الجوامع هي ثكناتنا… وقبابها هي خوذاتنا… والمنارات هي حرابنا… والمؤمنون هم جنودنا».

ورأت الحكومة العلمانية في حينه أن رئيس البلدية قد تجاوز صلاحياته بسبب نظم قصيدة دينية، الأمر الذي دفعها إلى زجّه في السجن. واللافت أن الشعب المعجب بجرأته، انتصر له وأرسل وراء سيارة الدولة أكثر من ألفي سيارة كانت تطلق أبواقها طوال الطريق.

أمضى أردوغان في السجن 130 يوماً، خرج من بعدها ليؤسس «حزب العدالة والتنمية» بمساندة صديقه عبدالله غل. وكان ذلك في 14 آب (أغسطس) 2001.

أول فوز انتخابي حققه الحزب كان في عام 2002، يوم ترأس عبدالله غل الحكومة. ومنذ ذلك الحين و «حزب العدالة والتنمية» يفوز في الانتخابات العامة. أي أنه ربح في عشر دورات وثلاثة استفتاءات. وعلى رغم هذه الانتصارات، ظهرت على الساحة التركية والإقليمية والدولية شخصية تنافس أردوغان على الزعامة الدينية. إنها شخصية الداعية فتح الله غولن.

ويبدو أن سيرة هذا المناهض لطموحات أردوغان قد ظهرت على سطح الأحداث من جديد، خصوصاً عندما اتهم زعيم «حزب الشعب الجمهوري» كمال كليتشدار أوغلو رئيس الجمهورية بأنه هو الذي دبّر محاولة الانقلاب بهدف الانتقام من جماعة غولن ومنع الشعب من تأييد «حركة الخدمة» التي يتزعمها. علماً أن غولن كان من أقرب أصدقاء أردوغان، ولكنه كان يغار من شعبيته ومن تأثير حركته على توسيع صلاحياته الرئاسية.

وذكر في حينه أن أردوغان قلد ماوتسي تونغ في ثورته الثقافية التي افتعلها الزعيم الصيني بواسطة «الحرس الأحمر» من أجل التنكيل بالمتآمرين ضده. وأول ضحية كان وزير الدفاع بانغ داهواي الذي حمله أنصار ماو في سلة بعدما كسروا رجليه ولطخوا وجهه بالحبر.

وكان من المتوقع أن يستغل أردوغان ذكرى 15 تموز (يوليو) الماضي ليهاجم «حركة الخدمة» وأنصار فتح الله غولن. وقد وصفهم بالخونة، وجدد الحرب ضدهم لمعاقبتهم على قتل المدنيين وقصف مقر البرلمان أثناء محاولة الانقلاب!

وظهرت تلك العملية المفتعلة كخطوة ضرورية لإلقاء القبض على 47 ألف شخص، وكذلك إقالة 120 ألفاً آخرين. كل هذا جرى خلال فترة قصيرة جداً، مما يؤكد ضلوع الحزب الحاكم وإصراره على الإمساك بمفاصل السلطة.

ولم يخفِ الرئيس في خطبه أهمية «الانقلاب» الذي تم في 15 تموز الماضي، والذي وصفه أيضاً بـ «الثورة» التي ستعيد تشكيل تركيا من جديد، تماماً مثلما شكلت ثورة 1789 الجمهورية الفرنسية بعد عصر ماري أنطوانيت أو مثلما شكلت الثورة الشيوعية تاريخ روسيا بعد القياصرة.

لهذه الأسباب وسواها، زعم أردوغان أن حصيلة الاستفتاء ستدمر الإرث الذي تركه كمال أتاتورك، لتعمل على بناء إرث جديد داخل العالم الإسلامي وقبالة العالم الغربي. وكان بهذا الوصف يشير إلى موقع بلاده الاستراتيجي الممثل بتمثال جانوس- إله الأبواب والبدايات لدى الرومان. وهو تمثال مؤلف من وجهين… واحد ينظر إلى الشرق الأوسط والآخر ينظر إلى أوروبا. والثابت أن الرئيس- والسلطان المقبل- قد حسم خياراته، وقرر الانتماء إلى المنطقة بدليل أنه شبّه سلوك ألمانيا وهولندا نحوه بسلوك النازيين.

وفي خطاب آخر ألقاه في مدينة بورصة غرب تركيا، قال للحشود التي استقبلته: «لا تعرّضوا عالمكم للخطر، ولا تضرّوا بأماكنكم في العالم الآخر إذ تصوتون ضد الإصلاحات الدستورية».

وليس هناك تفسير لهذا الكلام سوى الاقتناع بأن تأييد الإصلاحات يوازي في نظره الفريضة التي تجزى ببطاقة دخول الجنة. وهكذا جعل أردوغان معركته الخاصة هي معركة تركيا… بل هي معركة الوطني ضد الخائن… ومعركة أبناء النور ضد أبناء الظلام. ومن دواعي الأسف أن يكون أردوغان قد تقمّص شخصية منافسه فتح الله غولن!