IMLebanon

خميس مجلس الوزراء: لا آلية تصلح للتوافق

بات كل وزير يتصرف كأنه بمفرده ورث صلاحيات الرئيس ويتنكّب هيبة الصلاحيات والرئاسة

لا يزال الغموض يحوط بجلسة مجلس الوزراء الخميس، وان اقتصر جدول اعمالها على آلية عمل مجلس الوزراء ونطاق استخدامه صلاحيات رئيس الجمهورية المنوطة به. لم تتح اجازة العيد تبادل افكار، فاذا الجميع لما يزل في المأزق

المشكلة العالقة امام مجلس وزراء حكومة الرئيس تمام سلام ان احداً لا يملك ــــ وقد لا يريد ــــ حلاً ثالثاً بين آليتي اتخاذ قرار، ينطوي كل منهما على اسباب وفيرة لتعطيل السلطة الاجرائية. لا التوافق المطلق يصلح في كل الحالات، ولا التصويت بعد استنفاد التوافق يفيد بدوره في كل الحالات. على ان طرفي الانقسام يبدوان غير مستعدين، في الوقت الحاضر، لقليل من التنازل المتبادل في سبيل التفاهم المشترك، اولاً على اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء، ثم على توقيع مراسيم القرارات المتخذة خارج مجلس الوزراء، وأضحت هذه بدورها عرضة للتجاذب بين قائل بضرورة موافقة الوزراء الـ24، وآخر بموافقة الغالبية المطلقة من الوزراء.

وهي الحال المستعصية، حتى الآن على الاقل، يواجهها مرسوم فتح عقد استثنائي لمجلس النواب.

بيد ان الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء قبل اسبوعين، فتحت باباً على جدل لم يسبق ان اثير منذ شغور الرئاسة الاولى، ولا عُدّ في صلب تناقض المواقف من تفسير استخدام صلاحيات رئيس الجمهورية بعدما اضحت في عهدة مجلس الوزراء. بات على كل وزير ان يتصرف على انه بمفرده ــــ لا مجلس الوزراء ــــ ورث صلاحيات الرئيس وأصبحت منوطة به، ويوحي بتنكّب هيبة الصلاحيات والرئاسة والموقع معاً، رغم ان المادة 62 تكتفي باناطة صلاحيات رئيس الجمهورية بمجلس الوزراء وكالة، لا بمجلس الوزراء مجتمعاً.

مغزى الجدل الجديد اتهام رئيس الحكومة بوضع اليد على صلاحيات رئيس الجمهورية، مرة لتمسكه بصلاحية اعداد جدول اعمال مجلس الوزراء، وأخرى بعد قوله انه سيوقع كل قرار يتخذه مجلس الوزراء ويطلب مباشرة تنفيذه، على نحو ما رافق اقرار مرسوم الصادرات الزراعية قبل ثلاثة اسابيع.

رمى هذا الاتهام الى الذهاب الى ابعد مما توخاه سلام غداة الشغور، وهو توافقه والوزراء على جدول الاعمال في مرحلة التحضير له، وتخويلهم جميعاً تجاوز الاطلاع عليه الى منح كل منهم حق التحفظ، الى حد سحب البند المعترض عليه. وهذا ما لم تمنحه المادة 64 لرئيس الجمهورية سوى الاطلاع المسبق على جدول الاعمال دونما التدخل فيه، لا امتلاكه حق الرفض. أبدل سلام مدة 48 ساعة المنصوص عليها في مرسوم تنظيم اعمال مجلس الوزراء بأخرى اطول هي 72 ساعة، بغية اتاحة الفرصة امام الوزراء لابداء الرأي في جدول الاعمال وتسجيل الملاحظات، واقتراح بنود سواها يقتضي ان تخضع لاحقاً لموافقة رئيس الحكومة عليها او عدم موافقته.

منذ اتفاق الطائف

عبّر تفاهم الرئيسين على جدول الاعمال عن توزّعهما الادوار

لم يرتوِ الوزراء، فإذا الخلاف على جدول الاعمال يضع صلاحيات رئيس الجمهورية وجهاً لوجه مع صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، في اشتباك غير مبرّر بين مَن يدافع عن صلاحيات رئيس الجمهورية ومَن يدافع عن صلاحيات رئيس مجلس الوزراء.

الواقع ان المشكلة لا تكمن في هذا الجانب، ولم ينشأ أصل النزاع منه. ناهيك بالفصل الدستوري الواضح بين صلاحيات كل من الرئيسين. والحري ان صلاحية وضع جدول الاعمال مقصورة على رئيس مجلس الوزراء، واقترنت بواجب دستوري ملزم هو اطلاع رئيس الجمهورية عليه من غير ان يُعطى الاخير حق الطعن فيه او رده.

باستمرار منذ اتفاق الطائف، عبّر تفاهم الرئيسين على جدول اعمال مجلس الوزراء عن انسجام علاقتهما وتعاونهما، ما راح ينعكس على جلسات المجلس والقرارات التي يتخذها. بدت هذه الصلاحية توزّع الادوار بين الرجلين، رغم ترجيحها الكفة الى رئيس مجلس الوزراء. احيانا لا يحضر الرئيس الجلسة، وقلما يردّ قراراً اتخذه المجلس. الا ان جدول الاعمال كان ايضا مصدر ازمات عندما يغالي كل من الرئيسين في استخدام الصلاحية اكثر مما تحتمله.

على مرّ عهود الرؤساء الياس هراوي واميل لحود وميشال سليمان، نادرا ما تسبب وضع جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء بخلافات حادة مع رؤساء الحكومات المتعاقبين، ما خلا حالات اقترنت بأسباب لا صلة لها بالصلاحيات. عندما ألح هراوي على ادراج مشروعه للزواج المدني الاختياري في جدول اعمال جلسة مجلس الوزراء في آذار 1998، اشهراً قليلة قبل نهاية ولايته، رفض الرئيس رفيق الحريري وتمسك بالبنود التي اقترحها هو للجدول. في الجلسة طرح رئيس الجمهورية المشروع من خارج جدول الاعمال رغم محاولة الحريري ثنيه عنه، وحاز موافقة اكثر من ثلثي الوزراء عليه. لم يسع الحريري ردا على ذلك سوى حبس المشروع في ادراجه للحؤول دون احالته على مجلس النواب. ولا يزال مذ ذاك في الادراج نفسها لخلفائه. الموقف نفسه خبره الحريري مع لحود نجم عن تزايد الخلاف بينهما. كلما رفض رئيس مجلس الوزراء اقتراح رئيس الجمهورية ادراج بند في جدول الاعمال ــــ من غير ان يمنح الدستور الرئيس حق فرض هذا البند ــــ لجأ الاخير الى طرحه من خارج جدول الاعمال، وعوّل على الغالبية الوزارية لامراره. على نحو كهذا، تمكن لحود من ارغام الحريري على القبول ببنود لم يشأ ادراجها في جدول الاعمال، لكن من دون تجاوز الصلاحيات الدستورية. ما اتاح نجاح الرئيسين السابقين في فرض مشيئتهما آنذاك دعم دمشق الممسكة بثلثي مجلس الوزراء، كلا منهما.

لم يكن في وسع رئيس الجمهورية تجاوز صلاحية رئيس مجلس الوزراء في وضع جدول الاعمال. الا انه نفذ الى صلاحية موازية تتيحها له المادة 53. مقدار ما تقيّد هذه المادة الرئيس في طرح بند من خارج جدول الاعمال اذ تشترط ان يكون طارئا ــــ وفي الغالب لم يكن اي مما يطرحه الرؤساء طارئا وملحا ــــ لم يتردد رئيس لمجلس الوزراء كالحريري آنذاك في التوسع في استخدام صلاحياته الدستورية عندما يقبض على قرار يتخذه مجلس الوزراء بالاكثرية المطلوبة ويحبسه في جواريره.