IMLebanon

بعد «فتوى» الراعي في الـ60: مَن التالي مسيحياً؟

الخيارات محدودة. وربما نطق البطريرك مار بشارة بطرس الراعي بكلمة السرّ: الـ60 أفضل من الفراغ والتمديد. وإذا لم تكن الظروف الحالية ناضجة للصفقة الكبرى (العودة إلى 108 نواب، مجلس الشيوخ، اللامركزية وسواها…) فالقانون «السحري» جاهز مجدداً لإمرار «القطوع»، بعد ترقيعٍ يَستُر العوارات الفاضحة!

هناك قوى سياسية أساسية تلتزم الصمت، لكنها فعلاً تنام على «طبّة» قانون الـ60، وليس النائب وليد جنبلاط أبرزها. هناك أيضاً الرئيس سعد الحريري وقوى مسيحية وازنة: الكتائب، «المردة»، القوى المستقلة…

ومنطقياً، حتى «القوات اللبنانية» ستحذو حذو بكركي، وستكون بالتأكيد مع الـ60 إذا تبيّن أنّ الطبخة «النسبية – التأهيلية – التفاضلية» التي تتمّ بين الرباعي المفاوض ستؤدي إلى تحجيم حصتها النيابية، فيما هي تأمل في توسيعها. فـ«الكحل أفضل من العمى». وإذا اقتنع «التيار الوطني الحر» بموقفها، فسيقود ذلك إلى استعادة الموقف المسيحي الجامع في العام 2008، حول قانون الـ60.

تدرك «القوات» جيداً أنّ خصومها الأقوياء في 8 آذار يرغبون باستهدافها أولاً، بين سائر القوى المسيحية، وأنّ حليفها «المستقبل» لا يُحرق نفسه عادةً من أجل إنقاذها، وأنّ «التيار الوطني الحرّ» قد يتفرّغ لإنقاذ نفسه وعلاقته بـ»حزب الله»، فلا يبقى أمامه الهامش الكافي لإنقاذ «القوات»… إن هو أراد ذلك.

تخشى «القوات» من صيغة تأهيلية توسّع نسبة الفائزين على مستوى القضاء إلى أكثر من اثنين. فالتفاهمات بين عون والثنائي الشيعي قد تنجح في تأمين الفوز لمرشحي «التيار» في بعض الدوائر، لكنّ احتمالات وصول المرشحين «القواتيين» ستكون ضعيفة في كثير منها.

فالناخبون المتنوعون طائفياً في المحافظات (السنّة والشيعة والدروز)- لحيثيات تتعلق بمسار نشوء «القوات اللبنانية»- ربما يتجنّبون الاقتراع لمرشحي «القوات» ويفضّلون عليهم مرشحين مسيحيين مستقلين، ولو حلّوا في المراتب الثالثة والرابعة والخامسة على مستوى القضاء.

إذا حصل توافق مسيحي على الـ60 مجدداً، فسيكون قد ارتسم مجدداً سيناريو العام 2008. يومذاك، وجد المسيحيون أنّ الـ60 هو سقف طموحاتهم المرحلية، فوافقوا عليه بصفته أفضل الممكن، إلى أن تنضج ظروف القانون الأفضل. واليوم قد يكتشفون أنّ الـ60 ما زال أفضل الممكن، فيكبحون طموحاتهم مجدداً.

قد يقضي السيناريو باعتبار القانون الساري المفعول منطلقاً للبحث، فيجري على هذا الأساس التمديد للمجلس 3 أشهر أو عاماً، أي ما يكفي من الوقت لإحداث بعض عمليات التجميل على القانون، فيصبح مبرَّراً قبوله لدى المسيحيين الرافضين.

وعملياً، سيكون قد تمّ الأخذ بمضمون الاقتراح التمديدي الذي تقدّم به النائب نقولا فتوش، ولكن ليس بالطريقة المذلّة المطروحة، بل بما يحفظ لجميع الأفرقاء، ماء الوجه – شكلاً- أمام جماهيرهم الخائبة أو المصدومة.

وهنا يجدر التذكير بأنّ كل القوى السياسية تجري استعداداتها الانتخابية، حتى اليوم، انطلاقاً من القضاء، ولا أحد حتى اليوم يتحرك على مستوى أوسع. وهذا منطقي. فالماكينات الانتخابية المدرّبة والخبيرة على مدى 57 عاماً مضت لا تعرف سوى القضاء، وإذا أرادت التحضير لانتخابات على مستوى أوسع فهي تحتاج إلى تقنيات وأدوات مختلفة، ويستلزم تحضيرها كثيراً من الوقت.

يقول بعض المتابعين لمسار النقاشات الدائرة حول قانون الانتخاب إن كل الصيغ المطروحة، والمتأرجحة بين النسبيات والتأهيليات والتفضيليات المختلفة الأنواع، لا تبدو أكثر من «خبيصة» لا قيمة لها. فكلّ منها يخدم طرفاً دون سواه ويؤمّن له المصالح، وهو مرفوض في المقابل.

و ما خلا «الأرثوذكسي» الذي لا يقيم اعتباراً للقضاء ما دام الاقتراع سيتم وفق قاعدة طائفية ومذهبية «صافية»، فإنّ ما يفعله الوزير جبران باسيل في طروحاته، هو محاولة المزاوجة بين مكاسب الأكثري على مستوى القضاء ومكاسب النسبية على مستوى أوسع.

في العمق، ينطلق باسيل من أولوية القضاء «نواة» للتمثيل الطائفي السليم، وأمّا الدائرة الأوسع فهي لـ«الاستئناس» فقط. والنزاع دائر حول النقطة الوسطى، أي الموازنة ما بين تأثير ناخبي القضاء وتأثير ناخبي الدائرة الأوسع في تحديد هوية النواب الفائزين.

إذاً، سيناريو العودة إلى الـ60، مشفوعاً بتمديد تقني، لم يعد مستبعداً. وقد يرافقه وعدٌ بورشة حوار حول إصلاحات دستورية جذرية تنتج قانوناً عصرياً يأخذ بالنسبية. وسيناريو الـ60 هو الوحيد الذي يناسب الجميع، لأنّ أيّاً من الطرفين الغارقين اليوم في المواجهة لا يستطيع المكابرة بالقدرة على المعاندة وتحقيق الغلبة:

في الظرف الحالي على الأقل، لا يستطيع «حزب الله»، ومعه حركة «أمل» إمرار خيارات يرفضها رئيس الجمهورية. والوقت ليس مناسباً لمواجهةٍ ذات طابع شيعي – مسيحي أو حتى شيعي – سنّي، في ظل التحديات الاستراتيجية التي يتعرض لها الواقع الشيعي، والتي تستلزم أكبر تغطية وطنية. والضغوط الأميركية المتنامية أحد النماذج.

في المقابل، ليس في وسع عون أن يخرج من دائرة التحالف مع «الحزب». فإذا خرج منه إلى أين سيذهب؟

والوزير جبران باسيل على حقّ عندما يعدّد «مآثر» «التيار» في تغطية «حزب الله» وطنياً. لكن «الحزب» يعدِّد كثيراً من «مآثره» على «التيار» في المقابل، وعلى مختلف المستويات والأنواع السياسية وغير السياسية.

إذا لم يكن هناك قرار مبطّن ومتفق عليه بالفوضى السياسية، لغايةٍ ما، فالتسوية محسومة في أيار. وفي المدى المنظور، لن تقع الواقعة التي يتمناها كثيرون بين عون و»حزب الله». وكل العنتريات والرسائل المتبادلة مكشوفة، وهي فقط من عدّة الشغل.