IMLebanon

مِن حَرْق الدوابشة إلى إعلان القاهرة  هل يفيق العرب من سُباتهم..؟

هل حان الوقت ليفيق العرب من سُباتهم، ويغادروا مهاوي التشتت، ويعودوا إلى قمم التضامن ومواجهة المصير الواحد؟

حتى الأمس القريب، كان هذا التساؤل يبدو للبعض، سريالياً، ولا علاقة له بالواقع الملتهب، الذي تلتهم نيرانه عدداً من الدول العربية، دولة بعد دولة، بل بلداً بعد بلد!

أربع سنوات ونيّف، والمنطقة العربية تتخبط في سلسلة أزمات كيانية ووجودية، ضربت النظام الإقليمي، وفتحت أبواب جهنم على دوّامة من الحروب الإتنية والطائفية والمذهبية، المشبّعة بأحقاد الماضي والحاضر والمستقبل، قتلت مئات الآلاف، وشرّدت عشرات الملايين، وزرعت من الكراهية والخراب والدمار، ما يفوق كل التوقعات!

بدا العرب طوال هذه الفترة السوداء من تاريخهم، وكأنهم أضاعوا بوصلة النجاة، وفقدوا زمام المبادرة، وافتقدوا القرارات المصيرية الصعبة، وتحولوا إلى متفرجين، إلى عاجزين عن الحركة للتصدي للأخطار المحدقة بهم، وظهروا وكأنهم مسلوبو الإرادة، تحت وطأة الصدمات التي فجّرتها الحروب المشتعلة في شرق الوطن العربي (سوريا، العراق)، وجنوبه (اليمن)، وغربه (ليبيا، تونس).

في هذا الوقت، كانت المخططات الإيرانية الجامحة، تأخذ طريقها إلى التنفيذ، على أكثر من صعيد، وفي أكثر من جبهة، استطاع خلالها التحرّك الإيراني أن يجمع بين المفاوضات الدولية حول الملف النووي، وخوض المعارك الميدانية في أكثر من بلد عربي، بدءاً من بلاد الفرات، إلى اليمن السعيد، مروراً طبعاً بسوريا والبحرين ودول خليجية أخرى، بالإضافة طبعاً إلى حضور طاغٍ في لبنان، وتدخل متزايد في مصر، من بوابتي غزة وسيناء.

* * *

كان يمكن لهذا الواقع العربي المتهالك أن يستمر فترة أخرى، لولا حصول صدمتين كبيرتين، أدتا إلى يقظة عربية، كانت مفقودة منذ فترة ليست قصيرة:

{{ الصدمة الأولى، إيجابية بكل معنى الكلمة، ومنتظرة منذ وقت طويل: العودة إلى التنسيق بين القاهرة والرياض، إثر زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان للعاصمة المصرية، ومحادثاته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي أسفرت عن التوصّل إلى «إعلان القاهرة»، الذي سيعيد النبض إلى شرايين التنسيق والتعاون بين أكبر دولتين عربيتين.

{{ الصدمة الثانية، رغم هول وبشاعة سلبيتها، فقد أيقظت جريمة حرق الطفل الرضيع علي الدوابشة، على أيدي مستوطنين اسرائيليين إرهابيين، النخوة الجهادية من جديد، وأخرجتها من حالة الاستسلام والركود التي هيمنت على القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، وأبعدتها عن متابعة الرأي العام العربي، بحكامه وإعلامه.

* * *

رغم كل النذر المحيطة بالوضع العربي حالياً، لا نستطيع إلا أن نتفاءل بعودة الروح إلى العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسعودية، بكل ما يمثل هذان البلدان الكبيران من ثقل ومكانة في العمل العربي المشترك، وبما يتمتعان به من تقدير وتأثير على مستوى الشرعية الدولية.

تاريخياً، كان النظام العربي يبلغ أوج فعاليته وتماسكه، عندما تتلاقى القاهرة والرياض، في مسيرة العمل من أجل الأهداف العربية الواحدة، وتسود بينهما علاقات التفاهم والتعاون.

والعكس صحيح أيضاً، حيث كانت المصالح القومية العربية أكثر المتضررين في مراحل الخلافات المصرية – السعودية، والتي كانت تداعياتها، دائماً، مدمرة على النظام العربي برمته.

ولا نغالي إذا قلنا، لو أن هذا التلاقي المصري – السعودي حصل قبل سنوات، لكان اختصر الكثير من الدماء والدمار الذي يفتك بأكثر من دولة عربية.

ولعل الأيام المقبلة ستحكم على أهمية البناء على هذه النواة الصلبة، والعمل على معالجة التناقضات والخلافات العربية – العربية، خاصة بين القاهرة والدوحة، حتى يستعيد النظام العربي عافيته، وتعزيز قدرته على مواجهة تداعيات الاتفاق النووي، والتحديات الإيرانية المتزايدة للنظام العربي برمته.

* * *

أما جريمة حرق الرضيع الفلسطيني علي الدوابشة مع عائلته، فقد أعادت إلى الذاكرة جريمة قتل الطفل محمّد الدرة، بدم إسرائيلي بارد، أشعل انتفاضة فلسطينية غاضبة، لم تلقَ التجاوب المطلوب من القيادات الفلسطينية والعربية، لتتمكن من الوصول إلى أهدافها.

لم يعد خافياً، أن الحروب الديمقراطية المشتعلة ضد استبداد الأنظمة في أكثر من بلد عربي، قد شغلت العرب عن القضية الأم، وأفسحت المجال للكيان الصهيوني في تنفيذ خططه الخبيثة في زرع المستوطنات، وقضم الأراضي الفلسطينية، وزيادة التباعد بين الضفة والقطاع، لوأد مشروع الدولة الفلسطينية، قبل ولادتها!

محور القاهرة – الرياض العائد بزخم إلى الساحة العربية، قادر على استعادة حيوية الحراك العربي والإسلامي والدولي، وإنعاش المشروع الأميركي – الأممي المتعثر بإقامة الدولتين: الإسرائيلية والفلسطينية، من خلال ديبلوماسية ناشطة، من المفترض تظهيرها في اجتماع وزراء الخارجية العرب في الجامعة العربية، الذي قد يُعبّد الطريق إلى قمّة عربية طارئة، تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية أولاً، وللموقف العربي الموحد، ثانياً وثالثاً ورابعاً..!

* * *

هل حان الوقت ليفيق العرب من سُباتهم..؟

إعلان القاهرة أطلق جرس الإنذار.. وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم القادرة على التصدّي للتحدّيات التي تُهدّد الحاضر والمستقبَل!