IMLebanon

زحلة: دائرة التحالفات «المشربكة» يحسمها «المحايدون»

فقدت زحلة، مع النسبية، موقعها كـ«دائرة الأكثرية البرلمانية». إلا أنّها لا تزال من أصعب الدوائر. من المُبكر توقع النتائج والتحالفات. ولكن الأكيد أنّ تمثيل القوات اللبنانية سيقل عن ثلاثة. وسيكون أمام التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل فرصة لإعادة إحياء وجودهم النيابي. أما ميريام سكاف، صاحبة النسبة الأكبر في استطلاعات الرأي، فحظوظها مرتفعة بإعادة النيابة إلى بيت سكاف

قوس القُزح السياسي والطائفي الذي يُميز دائرة زحلة، سيُحولها إلى واحدة من أكثر الدوائر الانتخابية صعوبة وتعقيداً. بعد دخول البلاد في نظام النسبية، أعيد خلط الأوراق وبات مُتعذِّراً وضع تصوّر واضح للتحالفات أو النتائج. هدف القوى السياسية في الانتخابات البلدية الأخيرة كان إقفال بيت آل سكاف.

ومنذ سنوات طويلة، تُحاول الأحزاب «فتح» زحلة وإنهاء ما يُسمّى البيوتات والزعامات التقليدية. ولكن اليوم، ستكون أولويتها البحث عن الطريقة الأمثل لـ«حفظ الرأس». والأحزاب نفسها ستبحث عن أحصنة طروادة داخل العائلات وبين الشخصيات المستقلة.

في دائرة زحلة 7 مقاعد (2 كاثوليك، 1 سنّي، 1 ماروني، 1 شيعي، 1 أورثوذكس، 1 أرمن). أما اللاعبون فكُثر: تيار المستقبل، حزب الله وحركة أمل، التيار الوطني الحر، القوات اللبنانية، الكتلة الشعبية، آل فتوش، حزب الكتائب، الطاشناق، الحزب السوري القومي الاجتماعي، تيار المردة، القوى الوطنية، الشخصيات المستقلّة، الوزير أشرف ريفي، الجماعة الإسلامية… تتقاطع هذه القوى بعضها مع بعض. لكن من الصعب إيجاد فريق قادر على إقناع حليفين له بالتعاون انتخابياً:

ــ حزب الله حليفٌ للتيار الوطني الحر، وفتوش، ورئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف، والطاشناق، والحزب القومي. ولكن سكاف ما زالت ترفض التحالف مع فتوش، لما بينهما من عداء سياسي ودعاوى قضائية. وعلاقة سكاف مع رئيس «التيار» الوزير جبران باسيل ليست في أفضل حالاتها، منذ وصف باسيل للمستقلين بـ«الفراطة»، وصولاً إلى توجيه سكاف أقسى الانتقادات للقانون الجديد.

ــ تيار المستقبل التزاماته كثيرة: التيار العوني، سكاف، القوات اللبنانية. منذ ٢٠١٢، والتيار الأزرق يُرسل إشارات إيجابية إلى الكتلة الشعبية لعقد تحالف انتخابي. التواصل الانتخابي اتخذ منحىً جدياً أكثر قبل الانتخابات البلدية، وما رشح عن أنّ رئيس الحكومة سعد الحريري يهمّه الحفاظ على الكتلة الشعبية. وبين الأخيرة والقوات، على «المستقبل» أن يختار طرفاً واحداً لأنّ سكاف لن تقبل التحالف مع من تتهمهم بعدم الاعتراف بحجمها.

ــ التيار الوطني الحر علاقته جيدة مع فتوش، وتجمعه بالقوات ورقة نيات لم تُترجم بعد، وتحالف مصلحة مع تيار المستقبل، وحلف استراتيجي مع حزب الله. أما الطاشناق، فهو جُزء من تكتل التغيير والإصلاح. لا يُمكن «التيار» التحالف انتخابياً مع فتوش والقوات. كذلك فإنّه بعد الانتخابات النيابية في ٢٠٠٩، أصبح من الصعب الجمع بين «المستقبل» وفتوش. وليس سهلاً تشكيل لائحة تضم تيار المستقبل وحزب الله، الذي لن يقبل بأي سيناريو يأتي على حساب حُلفاء آخرين له، كفتوش أو سكاف. وستجد القوات نفسها مُحرجة، أمام جمهورها وبقية حلفائها، في تسويق تحالف يضمّها والتيار العوني وحزب الله.

يبلغ عدد الناخبين المُسجلين في زحلة ١٧٢٥٥٥ منهم ٩٤٦٨٤ مسيحياً و٧٦٢٧٥ مُسلماً. وبلغت نسبة الاقتراع في الدورة الماضية ٥٩٪. يقول أحد الخبراء الانتخابيين إنّ نسبة الاقتراع بلغت ذروتها في ٢٠٠٩ بسبب استخدام المال الانتخابي، واستقدام المغتربين، وحشد المُجنسين. لذلك، «هناك إمكانية أن لا ترتفع نسبة الاقتراع. ولكن نترك أيضاً احتمال أن ترتفع النسبة إلى حدود ٦٥٪، فيكون الحاصل الانتخابي نحو ١٦ ألف صوت».

صحيح أنّ الكتلة المسيحية كبيرة، ولكن تعدّد المرجعيات ووجود ٥ مقاعد تتنافس عليها، يُشتت الأصوات. أما ارتفاع النقمة ضدّ الحريري، وبروز ظاهرة الوزير السابق أشرف ريفي، واحتمال أن يكون لبعض العشائر خيارٌ مغاير لتيار المستقبل، فقد يؤثر على تماسك «البلوك السّني». ولكنّ الحريري لا يزال صاحب القدرة الأكبر على التجيير، وهو سيعمل في الـ١٠ أشهر المقبلة على تحسين علاقته بالجمهور.

ويقول خبير انتخابي إنّ تيار المستقبل «قادر على الفوز بالمقعد السنّي ومُمكن أن يربح المقعد المسيحي الأضعف، أي الأرمني». لذلك من مصلحته تشكيل لائحة لوحده فيكون ضمّ مقعدين إلى كتلته. أما على المستوى الشيعي، فتحالف حزب الله ــ حركة أمل سيضمن المقعد المُخصص لطائفتهما «وهما قادران على مُساعدة شخص يملك ٨ آلاف أو ٩ آلاف لتأمين العتبة والفوز بالمقعد. ولكن لا يملك حزب الله وحركة أمل فائضاً من الأصوات يُجيرانه لمرشح ضعيف حتى يفوز». مصادرهما تؤكد أنّهما بانتظار تحالفات القوى الأخرى حتى يُحددا موقعهما.

سمح القانون الحالي بالالتفاف على التحالفات الوطنية والتعامل «على القطعة». انطلاقاً من هنا، يجري الترويج في زحلة لتحالف التيار الوطني الحر وتيار المستقبل. حاول «التيار»، بحسب المعلومات، أن يضم حزب الله وسكاف إلى هذه اللائحة، من دون أن يكون هناك أفق لتمنياته. فإضافة إلى الخلافات السياسية بين القوى، لا يُمكن التعامل مع سكاف بعزلها عن خيار والدها جبران طوق في بشرّي، الأقرب إلى التحالف مع النائب سليمان فرنجية. عكس الدورة السابقة، «نحن قادرون على أن نكون مع كلّ القوى»، يقول النائب العوني السابق سليم عون. لم يُحسم شيء على مستوى التحالفات، حتى بالنسبة إلى حزب الله. ورداً على سؤال كيف لا يكون «التيار» قادراً على حسم التحالف إما مع حليف استراتيجي كحزب الله، أو الحليف الآني تيار المستقبل؟ يُفرّق عون بين «الخيارات السياسية والتحالفات الانتخابية. بإمكان كلّ الأطراف أن تترشح وحدها، شرط أن لا يُستهدف أحد».

لا يلحظ احتمال تحالف المستقبل والعونيين وجود القوات معهما على اللائحة. الأخيرة غير مُتوجسة من ذلك بقدر «نقزتها» من التقارب بين الكتلة الشعبية والمستقبل: «هل يتركنا الحريري الذي سيستفيد منا في دوائر عدّة من أجل سكاف؟»، تسأل مصادر القوات. ينتظر القواتيون «قرار المستقبل لنبني على الشيء مقتضاه. هناك احتمال أن نُشكل لائحة غير مُكتملة مع مُستقلين»، خاصة أنه بعد «تصريح الوزير باسيل بإمكانية عدم تحالف القوات والتيار في دوائر عدّة، وتسميته زحلة، تراجعت آمالنا بعقد تفاهم انتخابي».

غياب المرشحين الملتزمين لدى القوات، دفعها إلى البحث عن مستقلين. وعلى الرغم من أنّ المصادر القواتية تُشدد على أنّ الأسماء لم تُحسم، يؤكد ابن شقيق النائب نقولا فتوش، الطبيب ميشال فتوش، لـ«الأخبار» أن «ترشيحي مع القوات حُسم». وقد وصل الخلاف بين ميشال وعائلته، حد تنظيم كلّ منهما، على حدة، عزاءً لوالد ميشال قبل أسابيع قليلة. أعادت القوات كذلك إحياء التواصل بينها وبين الوزير السابق سليم وردة، الذي استُقبل في معراب مع المُرشح المحتمل في كسروان نعمة افرام ورئيس بلدية جبيل زياد حواط. يقول وردة إنّ «الاجتماع لم يكن سلبياً ولا إيجابياً. أنا أدرس قرار ترشحي، وبكير أن نحسم».

سكاف تتجه أيضاً لتشكيل لائحة منفردة، إن لم تتحالف مع تيار المستقبل (الذي لا تنفك تُغازله) أو حزب الله. ويُحكى أنّ هذه اللائحة، ستضم إليها المستقلين، وحزب الكتائب، صاحب الخيارات الضيقة في زحلة. إلا أنّ ذلك يعني أنّ النائب إيلي ماروني، الذي تضع سكاف «فيتو» عليه، لن يكون مُرشحاً. وسيرسو الخيار إما على رئيس الإقليم السابق رولان خزاقة (المقعد الكاثوليكي) أو مستشار رئيس حزب الكتائب وعضو البلدية شارل سابا (المقعد الأورثوذكسي). وتدرس سكاف خيارَي الوزير السابق خليل الهراوي والصحافي جوني منير للمقعد الماروني.

حزب الطاشناق مُحرج بين حلفائه، ووضعه الانتخابي ليس مُريحاً لدرجة حسم إنجاح مُرشحه، إلا إذا توافق الجميع على ترك المقعد الأرمني للطاشناق. يقول الوزير هاغوب بقرادونيان: «لم ندرس زحلة بعد، والتحالفات غير واضحة. ولكن إذا كان هناك تحالف يُساعدنا على إنجاح مرشحنا، فلِمَ لا؟».

في ظلّ القانون الجديد، بات بإمكان أحزاب قوتها التجييرية بسيطة، أن تُطالب بالتمثل نيابياً. كالحزب القومي، والقوى الوطنية واليسارية في بلدات شرق زحلة، والجماعة الإسلامية… بالنسبة إلى نائب رئيس الحزب القومي وليد زيتوني «الأمور مبنية على التحالفات العامة. هناك حلفاء لنا قد نُجيِّر لهم قوتنا في زحلة ونُبادل بمقعد آخر في دائرة أخرى».

الصعوبة في زحلة لا تقف عند حدود التحالفات بين القوى المتداخلة والمتخاصمة. فخلافاً لكل الدورات السابقة، ارتفعت نسبة الكتلة «الحيادية» أو التي لم تحسم توجهاتها بعد، إلى حدود الـ30% كما تُشير استطلاعات الرأي. في ظلّ انكفاء «المجتمع المدني» عن تشكيل لائحة في زحلة، تصبّ الأحزاب اهتمامها على هذه الكتلة لاجتذابها والاستفادة من أصواتها.