اللقلوق…قطعة من لبنان يجهلها الكثيرون (تقرير آية يونس)

laqlouq

 

 

تقرير آية يونس: كنت أحسبني أعرفه، اطوف في أرجائه، ألعب في طبيعته، أتنعّم بطقسه وأشتمّ هواءه النقي. عرفت القليل وجهلت الكثير فكانت العودة الى المراجع والكتب القديمة وابناء اللقلوق كبار السنّ، الذين حكوا لي عن هذه البقعة اللبنانية وكأنهم يتكلمون عن ولد من اولادهم، يسافر في الشتاء، فينتظرون عودته على أحرّ من الجمر قائلين: “اللقلوق لو الو امّ بتبكي عليه”.

اللقلوق، ماذا يعني اسمه؟

يقسم اللقلوق بين قضائين: قضاء جبيل وقضاء البترون، كون اراضيه تمتدّ بين جرود العاقورة وجرود تنورين. لم يعرف معنى اسمه حتّى اليوم، الّا ان بعض الكتب ذكرت ان كلمة “اللقلوق” مشتقّى من كلمة اللقلق أو اللقلاق، أي الطائر الطويل العنق، ويقول امين الريحاني ان “اللؤلؤ” هو مصدر الكلمة. وجاء عن “لسان العرب” انّ عبد الملك كتب الى الحجّاج يقول له: “لا تدع خقاً ولاقاً الا زرعته”. وتعني كلمة خقّ “حفرة في الأرض” وجاء في شرح كلمة لقّ “الأرض المرتفعة” فمعنى اللقلوق اذاً هو اللّق. وهناك مصادر تقول انّه مشتقّ من فعل “لقلق” اي عندما يذوب الثلج، تتلقلق المياه في ارضه.

طبيعة اللقلوق

يرتفع اللقلوق عن سطح البحر بين 1850 و 1950 متر،فهو اذا منطقة يطغى عليها البرد، تكثر أمطارها وتكثر ثلوجها، وتغزر ينابيعها لتعطي تربة وارضاّ خصبة صالحة لزراعة البقول والثمار كالتفاح والكرز والإجّاص والخضار من بندورة وكوسى ولوبيا وفول وملفوف وبزيلّا وقرنبيط وخسّ وغيرها… تتعدد مصادر المياه في اللقلوق من ينابيع وعيون وخزّانات ترابية فتجد السكان يهتمون بالأرض التي تشكّل لهم مصدر رزق يكفيهم أحيانا لسنة كاملة.

صيفه حارّ لافح، وهواؤه خفيف ونقيّ مع نسيم ليليّ يجعل الجسم يرتعش شوقاّ الى ذكريات جميلة تعود، لاسيّما عند النظر الى جمال القمر، فما أدناه وما أصفاه في فلك تتناثر فيه النجوم وتحمل أسرار هذه “الضيعة” الصيفيّة التي يطمرها الثلج في الشتاء ويطمر معه حكايات الطفولة وسهرات الشباب والصبايا.

الثلج

صحت السماء وعلت الشمس، فهرع الأهالي ليصطحبوا اولادهم الى اللقلوق فيتراشقون بطابات الثلج قرب المنزل المغطّى بالضيف الأبيض فيما الاباء يحاولون بالرفوش سُدى انتشال الثلوج المتراكمة حول البيت لعلّهم يساعدون الطبيعة في اذابة الثلج وتقريب موعد “الصيفيّة” التي تعني لهم “العودة الى اللقلوق” وليست الصيفية اي فصل الصيف. اما الجدّة والجدّ فيجمعون قطعا من الثلج في كؤوس ويصبّون فوقها الدبس أو شراب التوت!

منطقة بيضاء في الشتاء تلمع تحت الشمس فتبهر العيون. بيوت خالية من الناس. فالقديمة منها مخفيّة تحت الثلج فيما الجديدة يبيّن سطحها القرميدي الأحمر.

مراكز التزلّج تستقبل رواد ومحترفي الرياضات الثلجية والمتزلجين فيلهون ويلعبون، يقعون ويقومون..

الخشع

“في الصخرة تغفو منحوتة” (نيتشه). هذا هو الخشع اللقلوقي، صخور ومنحوتات طبيعية متفاوتة الأحجام، متباينة الأشكال، تخالها قصّة تسردها الطبيعة للأنسان. فوضى في المناظر فيها من ملامح الانسان أو الحيوان، هنا أسد او كلب او خروف وهناك يد رجل أو جسم امرأة. جميعها صخور صلبة متمسّكة بالأرض كما يتمسّك أهل اللقلوق به.

معبد زويلا وعين الذهب في اللقلوق

زويلة أوعشتروت آلهة الحياة، وتقابل عشتروت لدى اليونان، أفروديت. Zoe): الحياة وايلا هي مؤنث إيل اله الفينيقي). رأى الفاتح اليوناني ان يبني معبداً لعشتروت وأفروديت معاً لأنهم الهة واحدة فاختار كلمة يونانية- فينيقية تعني هذه الوحدة وذلك لاستيعاب اهل البلاد الفينيقيين. “فصار المعبد الواحد يكرّمه اليوناني والفينيقي معاً، وكلّ منهما يعتقد أنه يكرّم معبوده الخاص”. (من كتاب جبيل في التاريخ). فبني معبد زويلا في القديم لكنّه هدّم مع الحضارات التي جاءت الى لبنان ولم يبقه منه سوى مربّع صغير من الحجارة في الخشع غير أنّه أقيم اعماره السنة الماضية ليصبح كنيسة يصلي فيها أهل المنطقة.

كنيسة عين الذهب هي ايضا كنيسة تهدّمت مرارا لأسباب غامضة ومازالت حتّى اليوم تتهدّم كلما اعيد اعمارها. ويبقى ذلك لغزا يجهله اهل اللقلوق فمنهم من يقول انّ السيدة العذراء لا تريد ان يدنّس الانسان هذه الأرض المقدسة وآخرون يقولون انها أرض “مرصودة”. وهم خائفون ان تتهدّم كنيسة زويلا الحديثة كما كان يصيبها في القديم.

سكانه يعشقونه، متمسّكون به كما تتمسّك الأشجار بالأرض، فتلوح مع العاصفة يميناً ويساراً لكّنها من الصعب ان تقتلع من جذورها، فمتر أرض في اللقلوق يساوي عندهم قطعة من الجنّة لا تستبدل بمال العالم.