IMLebanon

ضباب… رواية شِبه فلسفية متخَمة بالحوار اللامُجدي

كتبت نسرين البلوط في صحيفة “الجمهورية”:

يحاول الكاتب والفيلسوف الإسباني ميغيل دي أونامونو في روايته «ضباب»، أن يغوص في فلسفة الوجود متلهّياً عن جذوة السرد السلِس، يقدّم قلماً ويؤخّر آخر، وكأنّ عدة أقلامٍ قد اجتمعت لتكتبَ أكثرَ من موقف وتغوصَ في حوارٍ غير مجدٍ في شيء، ولا يضيف للنصّ إلّا ملءَ الفراغ الأجوف الذي يشيع ظرفه في ثنايا الرواية مكبوتاً محصوراً في بروازٍ قاتم من قصّة حبّ من طرف واحد، تتنازع فيها أنواء العشق والإدراك المأسوي للحياة، وهي نظرية تشبَّث بها الكاتب في كلّ مفاصل حياته الهامّة، وهو الذي يتلاطم بين نظرية الإيمان والعقل، ولطالما ناشَد أنّ البحث عن الحبّ فضيلة كبرى.

نراه في روايته هذه يتقمّص شخصية بطلها البرجوازي أوغوسطو والذي تربّى يتيمَ الأب يرتع من حنان الأم تربّيه وتسهر على راحته وتموت بعد أن بلغ مرحلة الشباب وأكمل تعليمه، لترسخَ صورتها في ذهنه وتصبح جزءاً من يومياته بتفاصيلها.

ويلتقي ذات يوم بالصدفة بفتاة أحلامِه «أوخينيا» ليقعَ في غرامها من النظرة الأولى، فتعرض عنه لأنّها مغرَمة بشاب آخر، وتتركه يقتات من بذور خيبتِه، فيقرّر أن لا يكون أنانياً ويدعها لحبّها، ويحاول البحثَ عن فتاة تحبّه يتلهّى بها ولكن عبثاً.. فالحب ملكٌ لا سلطانَ فوقه يدّخر كلّ قوّته وأعصابه ليجلده بنار الحنين.. وتتطور الظروف لصالحه في تقاطعٍ من الرواية فتتشاجر أوخينيا مع حبيبها وتوافق على خطبته لها ولكنّها لا تلبث أن تتراجع عن قرارها فتفرّ مع عشيقها يوم خطبتِها بأنانية راكدة عمياء، تاركةً لأوغوسطو رسالة اعتذار تفضي به إلى حتفِه حيث تجده الخادمة ميتاً في اليوم التالي وتحت قدميه يجثو كلبُه الوفي بارداً كالموت أيضاً.. هنا تبرز فلسفة بلّورية تتمحور حول أنّ الكلب كان أوفى من الحبيب ولم يترك صاحبَه إلا ليرافقه نحو حتفه الأخير.

الرواية تعجّ بحوارات طويلة ممِلّة لا تفيد تطريزَ الحبكة، ونلمح تأثيرات رواية «آلام فرتر» للكاتب الألماني غوته في دهاليزها بشكلٍ ملفِت، حيث يكون الحبّ من طرف واحد ويودي ببطله إلى التهلكة.

التنامي السردي عبر التعتيم والتفلسف لم يتناغما مع بعضهما البعض في الرواية، فلم تأتِ المزاوَجةُ بمكنوناتٍ فنّية تنفح الخطاباتِ السردية بروح الحيوية، بل انعكسَت باردةً خابية، يختصرها القارئ صفحاتٍ بكاملها بمللٍ واضح.

المنظورات الفلسفية الوجدانية للكون والوجود من منظار الكاتب تأتي مشوَّشة غيرَ واضحة لا تبثّ الرسالة بشكل جليّ، أو بمفهوم أيدولوجي بل لا تكاد تمسّ العمقَ الإنساني، الذي نجَح غوته في غربلته وإظهارِه حيّاً من غير لين.

واستلهامُ المعنى المجازي للحبّ كان جميلاً، قدَّم ظلاّ لمرآة الجمال الملازمة له، فقد تناوَب الكاتب على التحايل على الوصفِ ليأتيَ أكثرَ وهجاً واشتعالاً لتسريب الفضاء الإيهامي لسقف الرواية.

وهنا نرى أنّ الكاتب ميغيل يطبّق نظرية الحب التي آمنَ بها إيماناً مطلقاً، فقد اعتبَر ضمن فلسفته بأنّ الحبّ يشبه غزْلَ الشمسِ لخيوط الربيع، يتربّع في صدارة الكون، منه أتينا وإليه نعود.

لم يحكم الكاتب سلطاناً في روايته إلّا قليلاً، فقد كان سيّداً في الوصف متفرّداً بتلابيب معانيه ولكنّه فشلَ في تدوير الرواية وتهيئتها «تخديريّاً» للقارئ، لتكون عصاً ثاقبة تغوص في رمال لا تتحرّك من بادية كثيرة الغموض بتقلّبات النفوس البشرية، وكلّ كاتب مهما بلغَت ذروة قوّتِه الإبداعية ينزلق بسرعةِ الريح عندما يضيع منه خيطٌ من خيوط التحكّم البنياني للنص.

«ضباب» هي رواية الوصف «الفوق المستوى» للحبّ، تبرز معاصيه ومواطن ضعفه، ولكنّها كانت جرفاً للأحداث الدراماتيكية اللازمة التي نأى بها الراوي عن مناطق الحدث ليستعيض بالكثير من السرد العبثي والخطابات السطحية في سبيل سدّ الثغرات الناشئة عن تماهيه غيرِ المنطقي في عالم الوصف الذي منَح الرواية روح الجمال وجرَّدها من روح المغامرة والتشويق.