بعد 29 عاماً على اغتيال رينه معوّض… ما أشبه الأمس باليوم! (رولان خاطر)

تحقيق رولان خاطر

250 كيلوغراماً من المواد الشديدة الانفجار، كانت كافية لقتل مشروع المصالحة الوطنية والوفاق. 250 كيلوغراماً من المتفجرات قتلت رينه معوض، شهيد الاستقلال.

القرار الحرّ!

عُرف عن رينه معوّض نزوعه نحو استقلال القرار اللبناني، خصوصاً انه من المدرسة الشهابية. يجمع السياسيون على أنه من الزعماء الموارنة المعتدلين. حافظ على علاقة ودية مع الجميع في الداخل والخارج. سمته الاساسية شهابيته. كان يعرف المعادلات التي تحكم لبنان، فشكل نقطة تلاق بين السياسات الاقليمية والدولية في لبنان.

“هو رجل الوساطات والتسويات” يقول عنه كريم بقرادوني. “حيث تكون هناك وساطة هناك بصمة لرينه معوض وحيث تكون هناك تسوية هناك فكرة ما من رينه معوض”.

بعد انعقاد مؤتمر الطائف، والتوافق على انتخاب رئيس للجمهورية، بحلول عامي 1989 و 1990 لتثيبت الحجر نحو اعادة بناء الدولة، عبر تطبيق عملي لاتفاق الطائف، حصل توافق اقليمي على انتخاب رينه معوض في 5 تشرين الثاني 1989 رئيسا للبنان. مهمة معوض كانت خلق دينامية داخلية لتطبيق الطائف.

كشف الرئيس معوّض قناعاته في الحكم، “لا وطن ولا دولة ولا كيان من دون وحدة الشعب، ولا وحدة من دون وفاق، ولا مصالحة من دون تسامح وتضحية، ولا شيء من كل هذا من دون ايمان ومحبة”. فلم يستطع تنفيذ هذه القناعات بشأن المصالحة اللبنانية. فاغتاله مشروع احتلال لبنان.

لماذا اغتيل؟!

تلقى رينه معوّض تحذيرات كثيرة ونصائح بعدم حضور احتفال الاستقلال. فلم يقتنع. أصرّ على أن يعطي اللبنانيين بارقة امل انه يمكن إخراج الدولة من تحت الانقاض، ولو كان الثمن حياته. أما لماذا اغتيل رينه معوض. يقول كريم بقرادوني: “من قرر قتل رينه معوّض، قرر قتل الطائف وقتل نتائج الطائف، وبالتالي يجب التفتيش على من له مصلحة بإسقاط الطائف”. وهذا يعني أن اغتيال معوض هو اغتيال سياسي بامتياز. هو اغتيال لمشروع المصالحة الوطنية والوفاق.

بعد 29 عاماً!

بعد مرور 29 عاماً على عملية اغتيال، التاريخ يعيد نفسه، أوجه الشبه بين تلك المرحلة والتي نمر بها اليوم سياسياً كبيرة، ومحاولات وضع اليد على القرار اللبناني مع اختلاف الجهات بين المرحلتين.

مارس الرئيس الشهيد اقصى درجات الاستقلال في القرار الوطني في وجه النظام السوري. آنذاك كان هناك شدّ حبال بينه والنظام السوري على موضوع تشكيل الحكومة الأولى بعد الطائف وحيث كان السوري آنذاك يحاول فرض شروطه، فرفض الرئيس معوض الرضوخ وأفهم السوري ان تشكيل الحكومة مسألة سيادية لبنانية وان الحكومة يشكلها الرئيس المكلف بالتعاون مع رئيس الجمهورية من دون تدخل خارجي.

واليوم شبيه بالأمس، السيناريو ذاته يتكرر مع “حزب الله”، الذي يتعدى على الدستور ويضرب التوازنات وأسس الشراكة من خلال فرض شروطه في موضوع تأليف الحكومة، فماذا تقول القوى السياسية بعد 29 عاماً على استشهاد رينه معوض؟

عضو “كتلة المستقبل” النائب محمد الحجار اعتبر في حديث لـIMLebanon أن ما يحصل اليوم هو ان هناك ادوارا يريد “حزب الله” ان يلعبها على الساحة الداخلية، فهو يريد القول للجميع “أنا أعلم بأن اتفاق الطائف يقول بأن رئيس الحكومة السني هو الذي يؤلف الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية المسيحي الماروني، ورئيس المجلس النيابي الشيعي والمجلس يقوم بالرقابة ويشرّع القوانين التي يراها المجلس مناسبة، لكن التوقيع الأخير هو لي في تشكيل الحكومات، فانا اشكل الحكومات، هذا ما يريد “حزب الله” قوله للجميع، وهذا الأمر لن نخضع له، ونقول لحزب الله ونقول للجميع: “لا لتعديل الطائف ولا لتعديل الدستور”.

وعما اذا كان أي موقف قد يتخذه اي شخص اليوم مشابها لموقف الرئيس معوض آنذاك قد يؤدي إلى مصير مشابه لمصير الرئيس معوض، قال الحجار: “الضريبة التي دفعها الرئيس رينه معوض دفعها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل قادة الاستقلال، وهذا قدر على القادة أن يدركوه، ان ثمن تعديل القناعات المتأصلة السيادية والوطنية سيكون دمهم وروحهم، مع ذلك يذهبون اليه لأن الانسان يعيش مرة واحدة بحرية وكرامة”.

الحجار حيا ذكرى استشهاد الرئيس معوض الذي وضع دمه مقابل قناعاته. وقال: “اراد من اغتاله ان يغيّر في هذه القناعات وعندما عجز لجأ الى الاقصاء الجسدي كما فعل مع العديد من قادة ثورة الأرز ولا احد يعرف متى يتوقف مسلسل الاغتيالات”.

عضو تكتل “لبنان القوي” النائب ماريو عون اعتبر أن لا تشابه بين مرحلة الرئيس معوض وتلك التي نمر بها اليوم على صعيد تشكيل الحكومة، ووجود فريق سياسي يريد ان يصادر الصلاحيات ويضرب التوازن، وقال لـIMLebanon: “نمر بمرحلة فيها الكثير من التجاذبات الداخلية بعضها خاضع لتدخلات خارجية التي تتضح أكثر فأكثر وتؤدي بالوضع الى الجمود على صعيد تشكيل الحكومة وهذا وضع صعب، معرباً عن أسفه لأن هناك بعض اللبنانيين يرون البلد على شفير الوقوع اقتصادياً فيما تتوقف قضيتهم على مسألة حصولهم على وزير في الحكومة، مشيراً في الوقت نفسه الى أن الرئيس معوض لم يتسنَّ له في عهده الانطلاق بمسيرته في الجمهورية خصوصا أنه ممن ساهموا ببناء فترة ما بعد الحرب.

وعما اذا كان “حزب الله” يحاول فرض شروطه وضرب التوازن والشراكة والصلاحيات الدستورية، قال عون: “هناك مسؤولية تقع على الاحزاب السياسية التي من المفترض ان تكون تشارك في حكومة وحدة وطنية في هذا الظرف، لكن يجب أن نشير أننا مررنا أولا بالعقدة المسيحية ثم العقدة الدرزية، وجاءت اليوم العقدة السنيّة، وكأن هناك شيئا ما يحرك العقد امام تشكيل الحكومة، واتأسف ان الدور الذي يضطلع به بعض الفرقاء اللبنانيين هو دور معطل وهو ما يستدعي منّا ان نفكر ان هناك اياد خارجية تحرك الواقع الذي نحن فيه من اجل مكاسب سياسية واقليمية معينة”.

وفي ذكرى رحيل الرئيس معوض، قال عون: “نحيي ذكرى الرئيس معوض رغم الاختلاف السياسي معه في حينها، لكنه رجل فكر ودولة من الطراز الأول رحمه الله، وتحية لروحه خصوصا انه استشهد يوم الاستقلال. ونتمنى ان يتمثل السياسيون الحاليون بطريقة عمل السياسيين في المرحلة الماضية التي أوجدت سياسيين من طينة مختلفة مفقودة اليوم، على ان تعود لهم حرية القرار في كل ما يفعلونه.

النائب السابق أنطوان زهرا قال لـIMLebanon: “نفتقد في ذكرى استشهاد الرئيس رينه معوض فرصة تاريخية لتحقيق السلم الاهلي وتحقيق دولة المؤسسات في لبنان وقد تراجعت هذه الفرصة في غيابه. ولعل من ابرز الأسباب التي ادت الى اغتياله محاولته تطبيق الطائف بخلاف الارادة السورية، التي بدأت تمارس دورها في لبنان بمعزل عن هذا الاتفاق، بمعنى محاولة فرض الوصاية السورية خلافا لما جرى الاتفاق عليه في الطائف وقد تبين فيما بعد ان هناك تساهلا دوليا مع هذه الوصاية”.

ورأى زهرا أن هذه المرحلة على مستوى تشكيل الحكومة شبيهة الى حد ما بمرحلة الرئيس معوض عندما حاول تشكيل حكومة الطائف الأولى، عبر محاولة فرض الاملاءات الخارجية على لبنان من اجل وضعه في محور اقليمي لا يناسب تطلعات شعبه. فعند اغتيال الرئيس معوض كان هناك وصاية خارجية واضحة واليوم هناك وصاية خارجية بأدوات محلية. وشدد من أجل الحفاظ على التوازن والصلاحيات والدستور على تمسك رئيس الحكومة بدوره وعدم الانصياع للضغوط والاملاءات.

النائب السابق جواد بولس قال لـIMLebanon: “إن الرئيس معوض كان من عداد الرجال الذين توفرت فيهم المقومات السياسية والطاقات القيادية والميزات الشخصية المناسبة لمواكبة لحظة تاريخية معينة واستغلال ظروفها والتعامل مع الأطراف الموثرة أثناءها بهدف قيادة لبنان نحو برّ الأمان لولا اغتياله. وقد أدرك القتلة هذه الحقيقة، وهم العارفين بشؤون لبنان أكثر من القسم الأكبر من اللبنانيين، ورأوا في شخصه تهديدا لمشروعهم وضع اليد على لبنان واستعباد شعبه وهدر مقدراته وتغيير نظامه المبني على احترام الحريات الفردية والجماعية ضمن إطر ديموقراطية برلمانية حقيقية وفريدة في الشرق”.

اضاف: “الرئيس معوض قتل لأنه بات، في لحظة انتخابه، يجسد السبيل إلى إخراج لبنان من المحنة التي كان يتخبط فيها والعقل القادر على حماية ثقافة لبنان الدستورية والاقتصادية والاجتماعية والمجتمعية المميزة التي جعلت منه الوطن الرسالة بالمعنى الذي قصده البابا القديس يوحنا بولس الثاني”.

وتابع بولس: “مع مرور الزمن، نقدر حجم الخسارة التي حلت بنا وبلبنان بسبب اغتياله على ضوء تجربة السنوات ال26 الماضية واستحكام اللاعبين الاقليميين بمصير لبنان وهم ينظرون إلى موطننا على أنه ساحة لا بلد ويهزؤون بطموح شعبنا في العودة إلى حياة دستورية طبيعية ونظام حكم يستند إلى مبادئ سمو القانون، والعدل ومقتضيات العيش المشترك”.

وقال: “ما أشبه مسببات المخاض الحكومي الذي نعيشه اليوم بالظروف التي عاشها الرئيس معوض على أثر انتخابه عندما سعى إلى تحكيم الدستور والاعتبارت اللبنانية الصرفة في بناء حكومته الأولى.  للأسف، اغتيال الرئيس معوض حال دون انتهاء زمن الميليشيات والوصايات وما زلنا ندور في الحلقة المفرغة ذاتها”.

بكل بساطة، ذهب رينه معوّض لأنه أصرّ على احترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها وان يحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه. رحل رينه معوض، تاركاً لابنه ميشال إرث العائلة الزغرتاوي والسياسي والعاطفي. والمسيرة مستمرة.