دجاجةُ الفساد وسليمان الحكيم

كتب جوزيف الهاشم في صحيفة “الجمهورية”:

ذلك المرض الذي إسمه الفساد، كلُّهم يتهيَّبون إسمه، إنه كالسرطان يُطلقون عليه ألقاباً رمزية تارةً باسم الهدر والتبذير، وطوراً باسم ذلك المرض.

هذا المجرم الفارّ من وجه العدالة، كلُّهم وعَدوا بإلقاء القبض عليه، فكان هو يلقي القبض عليهم.

رئيس الجمهورية، لم يترك مناسبة إلّا أعلن العزم على استنفار كل أجهزة الدولة لمطاردة هذا السفاح، لدرجة اللجوء الى صيّادي المكافآت في أفلام رعيان البقر الأميركية.

والأمين العام لـ«حزب الله» يستنفر كلّ فصائل المقاومة «لدَحْرِ» هذا العدوِّ التكفيري، ويعلن أنه سيقود هذه المعركة شخصياً، إذاً… تفاءلوا، لأن السلطة هيبة، وللقمصان السود رهبة، وبعض قدماء الملوك كانوا يضعون الى جانبهم أقفاصاً تَظْهر منها الأُسُود وهم يُصدرون الأحكام على الناس، والأمير بشير الثاني كانت لحيتهُ هي الأسد، بخلاف بعض اللِّحى التي تُطلَق هذه الأيام لإخفاء ما تحمل الوجوه من العار.

على أن الفساد عندنا هو فعلٌ معلومٌ لفاعلٍ مجهول خلافاً لكل قواعد النحو والسلوك السلطوي، وإن الرؤساء عندنا والحكام والوزراء والنواب كلَّهم تبارك إسمُهم من الطوباويين والقديسين والأئمَّةِ المعصومين، ومع أنهم قديسون فلم تظهر على أيديهم أعجوبةٌ واحدة خاليةٌ من الدنَس، إلا إذا كانوا من الذين لا تُكرَّسُ عجائبهم إلا بعد الموت.

قديسون… وفاسدون مجهولون:

الدكتور جان علِّية المسؤول عن إدارة المناقصات يكشف عنهم الغطاء ويدعوهم الى احترام نظام المناقصة وعدم إجراء الصفقات من خارج البرنامج السنوي.

النائب حسن فضل الله وعلى رؤوس الأَشهاد ورؤوس النواب يقول في المجلس النيابي: «هناك مستندات ووثائق لو تـمَّ الكشف عنها لأوْدَتْ برؤوسٍ كبيرة في السلطة الى السجن…»

الفاسدون المجهولون تكشفهم القصور الباذخة وقد كان أصحابها يعيشون في الأكواخ، وبفعل الزِنى السلطوي ارتفعت قباب القصور في المناطق كأنها رؤوس العاهرات.

بعض الحكام يوظِّفون حياتهم الشخصية وحتى الحميمة منها من أجل تعزيز واردات الدولة… فيليب الثاني ملك إسبانيا تزوج أربع مرات من أجل إنعاش خزائن المملكة بما يحصل عليه من أموال زوجاته الثريَّات، والحكام المجهولون عندنا ينهبون خزائن الدولة من أجل إنعاش خزائنهم وخزائن زوجاتهم وسائر الجواري في دهاليز البلاط.

إذا كنتم تريدون صادقين مكافحة الفساد وكشف الفاسدين فلا تحتاجون الى الكثير من الأدلَّة والبراهين، وما عليكم في أسوأ حال إلا أن تتشبَّهوا بسليمان الحكيم الذي جاءه رجلٌ شاكياً بأن هناك مَنْ سرق دجاجته، فلما اجتمع الناس للصلاة قال سليمان في خطبته: واحدٌ منكم يدخل المعبد وريش الدجاج على رأسه، فمسَح أحدهم رأسه فقال سليمان: خذوه إنه السارق.

كلُّ كلام على مكافحة الفساد من دون مكافحة الفاسدين هو كلامٌ فاسد…

وكلُ محاولةٍ للتشهير بالجرم وتجهيل المجرم هي محاولةٌ خادعة…

تفضَّلوا… إنهم أمامكم ينتصبون كالعِجْلِ الذهبي، الأصابع تدلّ عليهم… من زوجاتهم تكشفونهم… ومن قصورهم تعرفونهم… وعلى رؤوسهم لا يزال ريشُ الدجاج.