IMLebanon

ليس رغيف الخبز وحده “اللي بيوجّع”! (راجي كيروز)

يعم المشهد اللبناني عدد من الاعتصامات والإضرابات يقوم بها موظفو القطاع العام، على خلفية ما يطرَح عن بنود في مشروع الموازنة ترمي إلى اقتطاع أجزاء من رواتبهم والمس بتعويضاتهم وصناديق التعاضد خاصتهم… كلها أمور وضعت جزءًا من الشعب اللبناني “على سلاحه”، فآخر ما يريده أي لبناني هو اقتطاع راتبه، المنخفض أصلًا في كثير من الحالات – مع تسجيل مفارقة أساسية، وهي أن كثيرين من المتظاهرين هم أصحاب الرواتب المرتفعة والامتيازات الخاصة، وليسوا من ذوي الدخل المحدود! (متقاعدو الجيش، موظفو “أوجيرو” ومصرف لبنان…)

ولكن فلنفترض أن الأزمة مرت على خير، وأقرّت الحكومة الموازنة من دون المس بأي من رواتب موظفي القطاع العام وحقوقهم المادية، ماذا يحصل؟ الكل يفك إضرابه، ويغادر الشارع، ويعود إلى منزله وينام على سريره مرتاحًا لأن راتبه لم يُمس، متناسيًا أن حقوقه أكبر بكثير من مجرد الحفاظ على راتبه، الذي لا يكفيه حتى نهاية الشهر في معظم الحالات!

مشكلة المواطن اللبناني مع السلطة لا تقتصر على هذا الأمر، لأن السلطة المستعدة حاليًا للمس برواتب الموظفين، تمس بالفعل بصحتهم وصحة أولادهم، وتمنع عنهم أبسط مقوّمات الحياة الكريمة، وتعرّضهم للخطر نتيجة الأمن المتفلت والطرقات الكارثية، وتنهبهم يوميًا، وتضيّق عليهم… هذه السلطة لم تترك شيئًا من شرها، وليست الرواتب إلا آخر مظاهر شرها، إذ إن وقاحتها ولامبالاتها لم يمنعاها من التفكّر قليلًا قبل مناقشة المس براتب الموظف العادي علنًا ومن دون حياء.

المشكلة مع هذه الحكومة، والسلطة التي أنتجتها، أعمق بكثير من مشكلة اقتطاع رواتب. هي أزمة بنيوية تحتاج إلى تحرّك يومي في الشارع، من دون كلل وملل، وليس عند الاقتراب من جيبة المواطن فقط!

في أي حال، “رغيف الخبز بيوجّع” كما قال أحد المعتصمين من العسكريين المتقاعدين، هذا صحيح، هو “بيوجّع” فعلًا. لكن ليس رغيف الخبز وحده “اللي بيوجّع”، وإن لم تكن هذه التحركات بدايةً لحركة شعبية تلامس الجوهر، فإن شيئًا لن يكون، إذ إن السياسيين سينامون قريري العين مجددًا، منتشين بـ”تعطّفهم” على شعبهم المسكين، يقولون: “لم نمس برواتبهم! ما أحلانا!”.