IMLebanon

عن ديما صادق وخطاب الكراهية (راجي كيروز)

أصبحت الإعلامية ديما صادق، في السنوات القليلة الماضية، من الشخصيات الأكثر إثارةً للجدل في الوسط الإعلامي. ذلك ليس على خلفية أدائها الإعلامي، بل بسبب مواقفها “الجريئة” على مواقع التواصل الاجتماعي. هذا “الجنون” الجماهيري الذي تواجهه صادق عند أي تغريدة تنشرها، يستدعي التعمق في خلفياته، لا مجرد التضامن معها، في حال كنا من المؤيدين لأفكارها.

خطاب الكراهية يتصاعد بشكل متواصل أخيرًا، وهو يتجلّى بشكل كبير منه ضد صادق. فهي تتبنى، إجمالًا، المواقف المعارضة للتوجّه العام (لا أدّعي أن ذلك مقصود)، كدعمها اللاجئين مثلًا، أو حرية الرأي والتعبير، أو المساواة بين المرأة والرجل… مواقفها دائمًا ما تستدعي ردود فعل عنيفة، تتخطاها في أحيان كثيرة لتطال أشخاصًا يخصّونها، وهذا أقسى.

للتعليقات على تغريدات ديما مستويات عدة. في المستوى الأول، هناك عدد كبير من التعليقات الذي يتّهمها بأنها تستدعي ردود فعل مماثلة عن قصد، أي بغية إثارة الجدل، لدرجة أن البعض يقول إنها “عايشة عالبهدلة”. عندما أقرأ تعليقات كهذه، فقبل أن أستاء حقًا من انحطاط مطلقيها، أعود لقراءة التغريدة الأصلية، ودائمًا ما أتساءل: “ما الذي يستدعي كل هذه الكراهية تجاهها؟ ما الذي قالته حقًا؟”. غالبًا ما يكون رأيها عاديًا، وإن استدعى المعارضة، فلا يستدعي كل هذا الحقد. وفي هذا السياق، إن آراء صادق بديهية بحق، فهي لا تطرح مسائل فلسفية، ولا تغوص في الماورائيات، ولا حتى تطرح أفكارًا غريبة عن المجتمع، بل تعبّر عن أفكار بديهية: الدعوة إلى اعتماد لغة التسامح مع اللاجئين مثلًا. الدعوة إلى عدم هدر دم فرقة موسيقية. الدعوة إلى احترام حقوق المرأة… وهذا يقود إلى مستوى آخر: عمق الأزمة الثقافية التي يعيشها هذا المجتمع حيث تستدعي أفكار “سوبر” بسيطة كهذه (في أي مجتمع متقدم آخر) كل هذا الكم من الجنون غير المنطقي. فصادق نفسها أقرّت، في إحدى مقابلاتها، بأن آراءها بديهية، مبديةً استغرابها لهذا الهجوم المتواصل عليها عند كل موقف.

في المستوى الثالث، ثمة تناقض مخيف لدى الكثيرين ممن يهاجمون صادق (لا ممن يعارضونها، فالاختلاف والنقد وحتى السخرية ضمن النطاق حقوق مشروعة). غالبًا ما يكون الهجوم عليها من الغيارى على الدين والمجتمع والعادات والتقاليد و”الأخلاق”. وهنا نسأل: ألا تستدعي هذه الغيرة نفسها حدًّا أدنى من الأخلاق في التعاطي؟ في النقاش؟ في الاختلاف؟ إلى أين كان هذا الحقد ضد المختلف قد يودي لو كان موجّهًا ضد من يستحقه، أي السلطة؟

ديما صادق كسرت الهالة التي يحاول الإعلامي رسمها حوله بإعطائنا صورة عنه تقتصر على الشاشة فقط. بل هي معنا خارج الشاشة أيضًا، تشارك الكثيرين آراءهم، وتدعمهم بمجرّد التعبير عن آرائها، لأن “حظّها” أنها عُرفت كإعلامية على مستوى واسع محليًا.

لا نقاش حول جرأة ديما الكبيرة، ليس بسبب آرائها، بل بسبب استمرارها بقول ما تريد رغم كل الخوف الذي يُبث في داخلها بسبب الهجوم المستمر ضدها. وهنا لا أقصد إظهارها في موقع الضحية، ولا داعي لأؤكد أنني لا أدافع عنها شخصيًا، بل أدافع عن الصورة التي تمثّلها، كما غيرها، في مجتمع بات يضيق بنا جميعًا، من دون استثناء. كما إنني لا أضع ديما في خانة المثال الأعلى لحرية التعبير الذي يجب على الجميع الاقتداء به. فلا أحد مثال أعلى لحرية التعبير، إذ إن حرية التعبير حقنا جميعًا، ويجب أن نحافظ عليها لأنها الملجأ الوحيد اليوم، والاستغناء عنها انتحار.