IMLebanon

ماكرون في لبنان وضع المسؤولين أمام الامتحان

كتب جورج بشير في “الجمهورية”:

بميزان الفرمشاني البالغ الدقة، دوزَنَ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يحاول معالجة أزمة لبنان المتعددة الوجوه مع فريقه في قصر الإليزيه ووزارة الخارجية وسفارة بلاده في قصر الصنوبر في بيروت، نَسق برنامج زيارته الثانية إلى بيروت كما في زيارته الأولى، بعيداً عن الانغماس في أتون الصراعات السياسية المحلية أو الانحياز لأي حزب أو زعيم أو الانتصار لهذا الفريق الحزبي أو ذاك، فكانت تنقلاته في برنامج عمله أثناء الزيارة الأخيرة كمَن يمشي بين النقاط.

هدفه الأول والأخير من جرّاء هذه الزيارة مساعدة اللبنانيين على تجاوز محنتهم ودعم الخطوات الدولية الآيلة إلى تأمين دعم دولي وإقليمي لهذه المساعدة من دون الانغماس في لجّة السياسة اللبنانية الداخلية والصراع الطائفي والحزبي البغيض بين أطرافه. هذا الصراع الذي اتّسَم في الآونة الأخيرة رغم كارثة انفجار مرفأ بيروت التي حلّت بالعاصمة اللبنانية ونتائجها المدمرة فضلاً عن الفشل الذي سجله الطاقم السياسي اللبناني في السنوات الثلاثين الأخيرة في إيجاد حلول للأزمات المتلاحقة التي يتخبّط بها لبنان وشعبه.

مرفأ بيروت الذي حصل الانفجار في أحد عنابره، مرفق حيوي هامّ في لبنان على شاطئ حوض المتوسط، وهذه ليست نظرية الرئيس ماكرون فحسب بل إنّ الجنرال غورو لدى إعلانه في قصر الصنوبر، مقرّ السفارة الفرنسية التاريخي، دولة لبنان الكبير، حرص أمام ممثلي الفعاليات اللبنانية المشاركين في ذلك الاحتفال أول أيلول 1920، على الإشارة إلى الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية التي يحتلّها مرفأ بيروت للبنان ودول حوض البحر الأبيض المتوسط

لذلك، فإنّ الرئيس ماكرون ركّز في أثناء زيارته الثانية إلى لبنان على هذه الأهمية، فزار مرفأ بيروت وعقد أكثر من اجتماع عمل في هذا المرفأ بحضور معاونيه والمهتمين بإعادة تأهيل منشآته من الفعاليات اللبنانية والأجنبية، حيث أطلعوه على المراحل التي قطعوها في ورشة إعادة التأهيل، وحَثّهم على المضي قدماً في هذه الورشة من خلال تنسيق العمل واعتماد السرعة لإنجازها في أقرب فرصة.

الرئيس ماكرون كان قبل زيارته مرفأ بيروت في زيارة محمية الأرز في بلدة جاج الجبيلية.

في لبنان 15 محمية لشجرة الأرز التاريخي، اختار الرئيس ماكرون منها محمية أرز جاج، أوّلاً لكون العالم تلقّى من جبيل الحروف الأبجدية، وثانياً لأنّ خشب الأرز الذي بُني بواسطته هيكل سليمان تمّ شحنه إلى فلسطين من الشاطئ اللبناني الواقع بين جبيل وعمشيت في المنطقة التي أطلق عليها الجبيليون اسم «جسر الدجاج» واسمها الأصلي «جسر جاج»، نسبةً إلى بلدة جاج.

الشاعر والأديب الفرنسي المعروف ألفونس دو لا مارتين زار لبنان سنة 1832 وكان شغوفاً بالطبيعة والتاريخ في لبنان، حيث زرع شجرة ما زال اسمها محفوراً على جذعها إلى اليوم في محمية أرز بشري. والأرز اللبناني له موقعه تاريخيّاً في قلوب الفرنسيين، وما شجرات الأرز الثلاث التي زُيّن بها مدخل مطار شارل ديغول سوى دلالة على هذه المكانة لأرز لبنان، ويبدو أنّ الرئيس ماكرون أراد من خلال زيارته محمية أرز جاج أن يُبعد هذه المناسبة عن أي مظاهر سياسية أو حزبية لبنانية، لو كانت هذه الزيارة إلى غابة أرز بشري أو إلى غابة أرز تنورين أو الباروك، بحيث أنّ الاحتفال في غابة الأرز لم يحضره أي سياسي أو حزبي أو أي نائب حتى من نواب جبيل، واقتصر حضوره، برئاسة رئيس بلدية جاج المهندس غابريال عبود، على مجموعة مختارة من الجانبين اللبناني والفرنسي لا علاقة لها بالسياسة المحلية، وكانت الكلمة الترحيبية من رئيس البلدية بالرئيس ماكرون معبّرة عن هذا التوجّه وعن سموّ العلاقة اللبناية-الفرنسية.

زيارة الرئيس الفرنسي إلى منزل أيقونة لبنان السيدة فيروز في الرابية كانت بدورها بعيدة كل البعد عن المظاهر السياسية اللبنانية التي درجَ عليها السياسيون اللبنانيون لتعزيز مراكز نفوذهم على مرّ تاريخنا القوي الذي يحفظ الفرنسيون فصوله عن ظهر قلب.

الرئيس الفرنسي ردّ للسيدة فيروز أيقونة لبنان في محبستها التحية التي حملتها فيروز من لبنان إلى الباريسيين والفرنسيين في أيار سنة 1979 عندما صدحَ صوتها الملائكي من على خشبة مسرح الأولمبيا الشهير تحية من لبنان إلى باريس عبر أغنيتها التي خَصّت بها المناسبة: «باريس، باريس، يا زهرة الحرية، يا ذهب التاريخ، يا باريس، لبنان باعتلِك بقلبي سلام ومحبة وبيقلّك لبنان، رح نرجع نتلاقى عالشعر، عالصداقة وعالحق وكرامة الإنسان. يا فرنسا، شو بقلّن لأهلي عن وطني الجريح، عن وطني اللي متَوّج بالخطر وبالريح، قصتنا من أول الزمان، يتجرّح لبنان، يتهدّم لبنان وبيقولوا مات وما بيموت وبيرجع من حجارو يعلّي بيوت، تتزيّن صور وصيدا وبيروت».

هذه الأغنية التي كتبها الأخوان الرحباني ولحّناها خصيصاً لفرنسا وعاصمتها، كان لها، عندما أدّتها فيروز من على خشبة مسرح الأولمبيا في الأوبرا ونقلتها إذاعة مونتي كارلو في أيام عزّها، وقع كبير وجيد بين الفرنسيين وأهل باريس عكسته جميع وسائل الإعلام الفرنسية على مدى أسبوعين عبّر عنها الرئيس جاك شيراك، وكان يومها رئيساً لبلدية باريس، بالإعراب عن نيّته إقامة احتفال للسيدة فيروز في القصر البلدي وتسليمها مفتاح باريس المذهّب، لكنّ المشرفين على إدارة فرقتها أصرّوا على مغادرة باريس في اليوم التالي لارتباطهم بحجز الطائرة والفندق.

ردّ الرئيس ماكرون تحية فيروز لفرنسا ولباريس بمثلها عبر تخصيصه زيارة «محبستها» في الرابية حيث قلّدها أرفع وسام فرنسي في جوقة الشرف، وتناول التبولة اللبنانية التي أعدّتها له بيديها مع العشاء في منزلها وسط حضور بعيد عن الأضواء.

العاطفة الفرنسية نحو لبنان، والتي عبّر عنها الرئيس ماكرون، كان لها وقعها الإيجابي الكبير في نفوس اللبنانيين، ليس نحو تاريخهم ومواقعهم الطبيعية التاريخية ورموزهم الثقافية الوطنية فحسب إنما في تجلّي هذه العاطفة في اللقاءات الهامة والمفصلية التي عقدها مع الرئيس عون ومع رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة وزعماء الكتل البرلمانية والقيادات الروحية. هذه العاطفة عبّرت عمّا يكنّه الفرنسيون من محبة للبنان ولدوره ولوجوده في الشرق أظهَرت الرئيس الفرنسي أمام العالم بأنّ وضع لبنان هام ودعمه من المجتمع الدولي واجب ومسؤولية، مذكّراً اللبنانيين بأنّ نتائج مؤتمر سيدر (12 مليار دولار أميركي لإنمائه) ونتائج مؤتمر روما (9 مليارات دولار أميركي لإنمائه) يتوقف تسليمها للبنان والبدء بإنفاقها على مدى استعداد الطاقم السياسي اللبناني على التجاوب مع هذه الدعوة العالمية والإلحاح الفرنسي بإنجاز تشكيل الحكومة العتيدة المؤلفة من وزراء اختصاصيين يعملون كفريق إنقاذ للبلد من الأزمات التي يتخبّط بها، ويَتحلّون بالنزاهة والرغبة في العمل الجاد وفق برنامج محدد جرى إطلاع الزعماء اللبنانيين على بنوده في اجتماع قصر الصنوبر يعمّر بيروت والمرفأ، ويؤشّر إلى بناء دولة لبنان الكبير في مئويته الثانية لتحقيق طموحات اللبنانيين وبناء مستقبل لهم ولأولادهم.

بانتظار أن يتحقق ذلك فإنّ المجتمع الدولي متأهب لمساعدة لبنان وتقديم الدعم المطلوب له، وسياسيّيه ومسؤوليه تحت مجهر المراقبة والمواكبة الدولية. إنهم أمام الامتحان، وعند الامتحان يُكرم المرء أو يهان.