IMLebanon

“سيدة بشوات العجائبية” شفيعة المؤمنين وحامية المنطقة

كتب عيسى يحيى في نداء الوطن:

يظلّلُ تمثال السيدة العذراء “سيدة بشوات العجائبية” المميّزة بفستانها الأزرق، والمرّصع بالنجوم الذهبية وهي تحمل في يدها الصليب، قرى وبلدات دير الأحمر والجوار، ويشكّل عند مدخل بلدة بشوات علامةً فارقة ومدخلاً للتبرّك بمقام السيدة الذي يقصده المؤمنون من المناطق اللبنانية كافة ودول الإغتراب.

تطلّ بلدة بشوات على سهل البقاع من على إرتفاع 1300 متر، وتقع غرب مدينة بعلبك وشمال غرب بلدة دير الأحمر، ترتفع على تلّةٍ إزدانت بأشجار السنديان التي يحاكي عمرها الوجود المسيحي وقِدم الكنيسة هناك، حيث أكّد الخبراء أنّ عمر شجرة السنديان التي تشمخُ قرب مقام سيدة بشوات يفوق الألف سنة، حيث جرى العرف أن تزرع الشجرة بالتزامن مع بناء الكنيسة لتحديد عمرها. وتعود تسمية البلدة إلى قديس مصري إسمه أنبا بيشواي، ومنذ أكثر من 300 عام بنيت الكنيسة على يد آل كيروز لتكون مقصداً وقبلةً للمؤمنين من كل صوب ومن مختلف الديانات للتبرّك، وأسميت بالعجائبية لأنها تشفي المرضى وتصنع العجائب.

لم يكن مزار سيدة بشوات حكراً على طائفة أو مذهب، يقصده المسلمون قبل المسيحيين من مختلف البلدات والمناطق لتشملهم عجائب السيدة العذراء، التي أصبحت قديسة المنطقة تحميها وترعى أهلها الموجودين منذ الأزل والصامدين بأرضهم في مواجهة كل الصعاب، وجاء تكريم السيدة العذراء بإقامة عدد من التماثيل لها في المنطقة عربون محبة وإحترام من أهالي بلدات دير الأحمر التي رافقتهم في الشدائد وخلال الحرب، فكانت لهم حاميةً وشفيعة.

يرتبط مزار سيدة بشوات بظهور السيدة العذراء في مدينة بومان عام 1871، وفي المزار المتواضع المصنوع من الحجر على شكل عقد، ووجدت أيقونة “لسيدة الرعاة” بشخص السيدة العذراء واستقدمت إلى البلدة، وبعد تعرّضها للحريق نتيجة الزيوت والشموع وخلال مرور رهبان من هناك، وعدوا الأهالي بإرسال تمثال للسيدة العذراء فكان على شاكلة ظهورها في مدينة بومان الفرنسية، حيث كانت شابة بيضاء طويلة ترتدي حلّةً زرقاء وتغطي فستانها الأزرق نجوم ذهبية.

راعي أبرشية بعلبك ـ دير الأحمر المارونية المطران حنا رحمة أشار في حديث لـ”نداء الوطن” الى أنّ “تسمية البلدة يعود البعض فيها إلى الأب المصري بيشواي الذي تشفّعوا به، والبعض الآخر يقول إنّ التسمية تدل على الأرض المسطّحة والمنبسطة قليلاً”، وأوضح أنّ “قِدم المكان والكنيسة يعود لأكثر من ألف سنة، فالفسيفساء الموجودة تحت الأرض والأعمدة تشير الى أنها من أيام الرومان والحضارات القديمة، والمزار الحالي عمره بحدود الـ300 سنة، وما هو موجود اليوم قد مرّ بعدّة حقبات، والكنيسة القديمة الموجودة حتى الآن قد رمّمت أواخر الـ1700م بمجيء آل كيروز واستلامهم المزار حيث كان يتواجد ما يشبه “الخربة” مع “قبو” صغير وصورة للسيدة العذراء”.

ويرجع المطران رحمة قِدم وجود كنيسة هناك إلى ما قبل الرومان، حيث وجدت المطرانية خلال قيامها بأعمال الحفريات للبناء لوحات فسيفسائية وأعمدة على عمق أكثر من سبعة أمتار تحت الأرض، والطريقة التي نحتت بها الأعمدة كانت موجودة قبل الرومان ولم يستعملوها، ويضيف رحمة بأنّ إسم سيدة بشوات والمزار ظهر مع آل كيروز، وقبلهم كان هناك كاهن ومؤمنون يقدّسون السيدة العذراء، وشرح أنّ تمثال السيدة العذراء الحالي وصل إلى المقام عام 1904 قادماً من فرنسا وهو تمثال عجائبي إضافةً إلى صورة السيدة العذراء “الأيقونة” الموجودة قبل التمثال وهي أيضاً عجائبية، وقد أتى التمثال بعد إحتراق الصورة حيث مرّ رهبان يسوعيون فرنسيون، وبعد ظهورها في فرنسا على شكل تمثال سيدة بشوات اليوم، وأرسلوا التمثال، مضيفاً بأن العذراء ظهرت على الطفل الأردني محمد الهوادي عام 2004 وكان اليوبيل الذهبي، إضافة إلى معجزات عدّة كشفاء مرضى ومنها شفاء السفير خليل الخليل.

وحول السياحة الدينية أشار رحمة الى أنها “ناشطة جداً في سيدة بشوات ولكنها انخفضت اليوم بسبب الظروف الصحية، وهو أمر مهم لأننا نعتبر المزار موقعاً روحياً للمسلمين والمسيحيين والسيدة العذراء هي لقاء واسع للطائفتين، وقبل “كورونا” لم ينقطع الناس عن المزار يوماً واحداً وكان يعجّ بالمؤمنين ليل نهار، والمصلّون أمام العذراء يأخذون نعماً روحية وجسدية، والسياحة الدينية هنا ناشطة لأنها تجمع بين الطبيعة والدين”، مضيفاً بأن القداديس قائمة كل أحد وخلال أيام الأسبوع.