انعكاسات سلبية للإرباك النيابي والحكومي حول الرواتب والانتخابات
ارتكبت الحكومة بقراراتها رفع الرسوم والضرائب خطأً جسيماً مضاعفاً، الأول انها زادت الأعباء على المواطنين، والثاني وهو سياسي مهم، انها وضعت نفسها بمواجهة من النواب الموالين والمعارضين لها في زمن الانتخابات، الذي يتطلب أعلى قدر من الخطاب الشعبوي لدى المرشحين من أحزاب ومستقلين. فكان من الطبيعي أن ينبري النواب الحاليون والراغبون بالترشح من شخصيات جديدة، لرفض الزيادات وتقديم الطعون والتلويح بعدم إقرار مشروع قانون الحكومة برفع نسبة الضريبة على القيمة المضافة واحد في المئة.
ولو كان بإستطاعة النواب إسقاط قراري رفع سعر المحروقات ورفع رسوم مستوعبات البضائع لأسقطوهما، لكن هذا أمر بيد الحكومة التي شرّع لها ولغيرها مجلس النواب حق التشريع الجمركي كغيرها من حكومات سابقة، ولعلّ هذا من أكبر أخطاء المجلس ولو كانت بعض القوى السياسية فيه ممثلة بالحكومة، لأن منح الحكومة حق التشريع الجمركي أدّى الى الكثير من القرارات التي أنهكت المواطن، وزادت التضخم، ولم تحقق الايرادات الكافية المطلوبة لتغطية نفقات الحكومة.
وهناك بالتأكيد حسب الخبراء الاقتصاديين الكثير من الخيارات البديلة لزيادة الضرائب والرسوم على المواطنين، واغلبها باتت معروفة ومنها: الضريبة التصاعدية على الأغنياء، الى قمع التهرّب الضريبي لا سيما التهرّب من الضريبة على القيمة المضافة التي يستوفيها التجار ولا يصرحّون عنها كلها، فبلغت قيمتها وحدها حسب بعض الخبراء نحو مليار دولار، إضافة الى زيادة استيفاء كامل رسوم المخالفات البحرية والنهرية. لكن الحكومات منذ التسعينيات حتى الآن، تحاذر اتخاذ هذه الاجراءات لأنها تمسّ بعض المنضوين فيها والحلفاء والمحاسيب والأزلام، عدا السبب الشعبوي للنواب الذي يدفعهم للدفاع عن المخالفات بحجة ان بعضها باب رزق للفقراء!
الإرباكات الحكومية والنيابية ذاتها وأكثر تنطبق على مقاربة موضوع الانتخابات النيابية، الذي يتقاذف الجانبان كرته النارية الملتهبة، فالبرلمان غير قادر على تعديل قانون الانتخاب بأي جهة، سواء لجهة السماح للمغتربين بالاقتراع لكل اعضاء مجلس النواب في الخارج، او لجهة إلغاء الدائرة 16 والنواب الستة للقارات الست، ولا هو قادر على تعديل القانون بما يسمح للمغتربين بالاقتراع في لبنان، فإكتفى بإبقاء الدوائر الست ولينتخب المغتربون نوابهم الستة، برغم التعقيدات التقنية المحيطة بالموضوع أيضا، والتي تتطلب مبادرة وزارتا الداخلية والخارجية الى تحديد آليات الترشيح والاقتراع وتوزيع المقاعد الستة على الطوائف وغيرها من امور إجرائية.
والحكومة غير قادرة على التراجع عن مشروع قانون أقرّته يسمح للمغتربين بالتصويت في أماكن الاغتراب للنواب الـ 128، وغير قادرة حتى الآن على إعداد آليات اقتراع المغتربين للنواب الستة نتيجة الخلاف بين أعضائها. مع انها أكدت في الجلسة الأخيرة لها على إجراء الانتخابات في موعدها ووفق القانون الحالي النافذ برغم قرار هيئة التشريع والاستشارات الذي أفتى بحق المغتربين للنواب الـ 128. فلماذا لا تُصدر الحكومة قرارات آليات تطبيق الإقتراع لنواب الاغتراب الستة طالما انها اعتمدت القانون النافذ؟ وهل هي تتريث وتنتظر تغييراً ما داخليا أو خارجيا قد يطيح بموعد إجراء الانتخابات في أيار ويدفع الى تأجيلها، في ظل التسريبات عن رغبات خارجية بتأجيل الانتخابات حتى الانتهاء من كامل عملية حصر السلاح في كل الأراضي اللبنانية، والرهان على متغيّرات في المعادلات الداخلية تؤدي الى وصول من يريد الخارج وصوله من النواب؟
هذا الإرباك والتعثّر النيابي والحكومي ستكون له انعكاسات سلبية، فبات مُضرّاً ليس للعهد والحكومة الجديدين وللمجلس النيابي فقط، بل هو مضرّ للمواطنين الذين يتخبطون في أزماتهم ويصحون كل يوم على أزمة جديدة، وهو مؤذٍ لصورة البلد وقطاعاته الاقتصادية والإنتاجية، ولا يوفر عامل الثقة المطلوب للنهوض الاقتصادي المنشود.