بصعوبة تبنّى حزب “الكتائب” في أيار 1982 ترشيح الشيخ بشير الجميّل، ولكنّ الشيخ بيار فضّل عدم إعلان القرار. انتخاب بشير أعطى أملا للبنانيين بأن يكون لديهم دولة لا مزرعة. ولكنّ “اغتياله قطع ظهرنا” كما قال الدكتور إبراهيم نجّار. إلى بكفيّا انتقلت القيادة الكتائبية. بينما كان الموفد الأميركي موريس درايبر يفضّل أن يتمّ ترشيح الرئيس كميل شمعون للرئاسة فضّلت قيادة “الكتائب” أن يكمل الشيخ أمين ما كان تعهّد به الشيخ بشير، وعلى هذا الأساس تم ترشيحه وانتخابه. مرحلة ما بعد بشير وقصة ترشيح أمين واللقاءات مع درايبر يرويها الدكتور إبراهيم نجّار في هذه الحلقة من “نداء السنين”.
توحيد البندقية المسيحية سرّع قضية وصول الشيخ بشير إلى رئاسة الجمهورية؟
لما شفنا شو صار بالصفرا استهولنا يروح لهذه الدرجة ضحايا ويكون الجاني من جماعتنا. أتذكر اجتمعنا مع أصدقاء في المكتب السياسي أنا وأنطوان جزار وأنطوان معربس ومنير الحاج وصلاح مطر وأنطوان أيوب حول طاولة المكتب السياسي، وقلنا كيف بدّنا نطلع من هالقصة؟ ساعتها فكرت بعبارة وقلت: فلنقل إنّ العملية كانت لتوحيد البندقية. وإذ دخل علينا الشيخ بشير. كانت غرفته قرب غرفة الشيخ بيار. قلنا له إنّنا نفكّر بذلك. تلقّف هذا الأمر. كان عنده ذكاء فوق العادة. ذكاء سياسي رهيب. بشير الجميل أكثر من حيوان سياسي. كان نابغة في السياسة.
مع ذلك كانت لديه مشكلة في ترشحه لرئاسة الجمهورية في المكتب السياسي. كيف تجاوز هذا الأمر في أيار 1982؟
لم تقطع بالهيِّن أبدًا.
كانت هناك منافسة بينه وبين الشيخ أمين؟
لا. الشيخ أمين لم يَقلْ ولا مرّة أنا مرشّح. ولكن أتذكر صديقيّ كريم بقرادوني وجوزاف أبو خليل وبعض الذين كانوا مقرّبين من الشيخ بشير. عقدنا اجتماعًا تمهيديّا في منزل بقرادوني في الأشرفية وفي اليوم التالي ذهبنا إلى المكتب السياسي الذي كان منعقدًا كهيئة عامّة بكامل أعضائه. كان الشيخ بيار والشيخ أمين وكل الأعضاء والقيادات العسكرية والسياسية. كان اجتماعًا مهيبًا. صاروا يحكوا. انطرح موضوع الشيخ بشير بدّو يترشح لرئاسة الجمهورية. كان عندي علاقة حلوة مع الشيخ بشير كان يتردّد لعندي لأسباب متعدّدة. أشياء تتعلّق بحياته الخاصة، بعلاقته مع الشيخ بيار، أسباب تتعلّق بدراسته. أشياء تتعلّق بفكره. كان يزورني ويقول لي: بدّك تعاوِنّي. كنت أقول له: شوف يا بشير. أنا معك. بس أنا ما بقدر آخذ الـmenu كما هو. بشتغل معك a la carte لأنّو ما بعرف يمكن بكرا تتصالح مع بيّك وتتصالح مع خيّك. نحن حزب. ما بقدر آخد الـmenu وأمشي ضدّ الحزب. هذا الأمر على الرغم من كل شيء جعل بيننا نوع من الودّ والصداقة مع أنّه كان أصغر منّي في العمر. بعدما حكى كريم وجوزاف أبو خليل وغيرهما ووافقوا أن يترشّح الشيخ بشير كان الشيخ بيار ساكتًا. وأمين ساكت. الشيخ بيار ما كان حابب يقول أنا بدّي رشِّح أمين. ما كان بدّو. ناطر ليشوف إذا نحنا رح نقبل أولا. بقرارة نفسه يفضّل ما تطلع منو، تطلع من المكتب السياسي. على مضض. ما بدّو إنّو هو يشجع إبنو يخرق الصفوف وبعدو بعمر 33 -34 سنة وبعد بكّير. أتذكّر كأنّه اليوم. أخذت الكلام ومشيت بترشيح بشير وقلت بكلام معبر بدّنا نخلص بقا من دولة المزرعة. بدّنا لبنان يصير عندو دولة. بدّنا نخلص من الزعامات التقليدية. بدّنا نبني مؤسّسات. لبنان المزرعة لازم يزول إلى الأبد. بدّنا رئيس يحكم ويكون على قدر هذه المهمة التاريخية. وهكذا كان. أعتقد هذا الكلام كان مثل كلام غيري، شدّدت على فكرة التخلص من المزرعة والارتقاء إلى لبنان الذي نتمنّاه. وقتها توافق الجميع وقبلنا بترشيح الشيخ بشير.
لماذا بقي هذا القرار غير معلن؟
كان هذا الأمر بيد الشيخ بيار. كان ضابط الإيقاع. لا أعرف لماذا تنسى الناس كم كان هذا الرجل كبيرًا ومؤثّرًا وقائدًا نادرًا في تاريخ الأحزاب السياسية في لبنان. كان ماسك كل شي. ماسك الحزب الذي وصل ليكون فيه مئة ألف منتسب. أكبر حزب في الشرق الأوسط.
كان الشيخ بشير عنده تحفّظ على الدور الذي سيلعبه الشيخ أمين؟
لا لا. هذه من خصوصيات العلاقة بين الشقيقين. ما بدّي أدخل فيها. ولكن أكيد توجّه الشيخ بشير كان مختلفًا إلى حدّ ما عن توجّه الشيخ أمين.
انتخاب الشيخ بشير رئيسًا للجمهورية كم أعطى أملا للبنانيين بالخروج من الحرب؟
عملية انتخاب الشيخ بشير كانت أشبه بالعملية القيصرية. انتُخب رئيسا لكل لبنان مش رئيس لشقفة من لبنان. للجمهورية بكاملها. لسلطة مركزية قوية لا علاقة لها باللامركزية السياسية. ولا بالتقسيم. طلع رئيس بدّو يوحّد لبنان ويعطي حقوق لكل الطوائف ولكن بدّو يجعل من الوطن دولة. وهكذا تصرّف. كان خطابه واضحًا وقاسيًا. ولكنّه كان مثل الرمح. كان يريد أن تشتغل المؤسّسات. الموظّفون يأتوا في الوقت المحدد. يعطون كل ما لديهم من كفاءات لنبني دولة لبنانية بكلّ ما للكلمة من معنى. ما يكون حدا شاعرًا أنّه إبن جارية والآخر إبن ستّ. كان يريد أن يدخل اللبنانيون إلى المنطق المؤسّساتي. هذا كان حلم الخلاص من المزرعة وبناء دولة مركزية قادرة وعادلة.
هذا الحلم انتهى باغتيال الشيخ بشير. كيف تمّ الإنتقال إلى ترشيح الشيخ أمين؟
اغتيال بشير قطع ظهرنا. كارثة. قضى على أحلام اللبنانيين من كل الطوائف. كلّهم استبشروا أن يأتي شخص قوي وقادر وفاعل. كانت تأتي وفود من الأئمة والمشايخ إلى بيتنا في بعبدات من كل الطوائف حتى يهنئوا بانتخاب الشيخ بشير الجميّل. العالم كلّه استبشر خيرًا من السعودية إلى الولايات المتحدة الأميركية. لمّا انقتل انطرح الموضوع مين بدّو يجي مطرح الشيخ بشير. كان في لبنان موفد أميركي، موريس درايبر. المأتم كان مفروض يصير في بكفيّا. كنّا نتردّد كلّنا على بكفيّا. كل المكتب السياسي لأنّنا كنّا نريد أن نبقى حول الشيخ بيار مع القيادة الحزبية. الأميركان كان بدّهم يجي الرئيس كميل شمعون رئيسًا للجمهورية. موريس درايبر كان يهمّه أنّو كميل شمعون يكفّي الوعود التي كان قطعها على نفسه وعلى العالم بشير الجميّل. نحن خفنا إنّو الرئيس شمعون قمّة وقامة في الخدمة الوطنية ولكن كان عمره متقدِّمًا، 82 سنة. ونحن نفضّل يجي الحزب ككل يحكم. أذكر حكيت مع موريس درايبر مطوّلا في بكفيّا إنّو نحن حزب فيه مصالح مركزية ومصالح شعبية ومنظّم فيه كل الكفاءات وإذا استلمنا الحكم هذا ممكن أن يؤدّي إلى بناء دولة في لبنان، ويمكن أن نؤسّس لها بشكل عقلاني وفقًا لقناعاتنا الوطنية، ونعمل مؤسّسات، وهذا الأمر لا يمكن أن يعمله “حزب الوطنيين الأحرار”. لأنهم كانوا تيارًا أكثر من حزب. شعبية رائعة حول الرئيس شمعون الذي كانت له علاقات مع كل الأطياف اللبنانية من مسلمين وشيعة ودروز. اقتنع موريس درايبر. قلنا له إنّ الحل الوحيد أن يأتي أمين الجميل. وأمين رح ياخد على عاتقه كلّ الإلتزامات التي كان تعهّد بها بشير الجميّل وهذا ما حصل.
بعد انتخاب الشيخ أمين حصل تعاون معه في البداية. كنت من بين الذين كتبوا خطاب القسم؟
خطاب القسم موضوع عم تفوت فيه شويّة بأروقة الإشكالات. أتذكّر كنّا اتفقنا أنا ومنير الحاج وصلاح مطر وأدمون رزق نعمل صياغة لمشروع خطاب القسم وسهرنا عليه للساعة 2 الصبح. في اليوم التالي فضّل الشيخ أمين أن يتلوَ خطابًا آخر. أعتقد كتبه أو ساعده فيه الدكتور مناف منصور.
كيف ابتعدتم عن الشيخ أمين لاحقًا؟
لا بالعكس. كنّا فريق عمل صغير. كنا نطلع عالقصر الجمهوري. كانت تربطني به علاقات مميزة. صديق.
أنطوان فتال كان صديقك؟
بعدين باتفاق 17 أيار.