طغى عنوان الضريبة على البنزين على ما عداه من عناوين سياسية داخلية، لا سيما في ظل موجة الانتقادات والاعتراضات العنيفة التي سُجّلت في الشارع، والتي تنبئ بسلسلة تحركات نيابية ونقابية وشعبية رفضًا لقرارات الحكومة، وخصوصًا أن بعض النواب تحدّثوا عن طعن في قرار فرض ضرائب إضافية، من أجل تمويل زيادة رواتب القطاع العام والعسكريين المتقاعدين.
ويقول النائب “التغييري” ملحم خلف لـ”الديار” إن “رفع الضريبة على البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة في ظرف اقتصادي هشّ ليس قرارًا تقنيًا فحسب، بل قرار سياسي بامتياز. فعلى المستوى الاقتصادي، إن البنزين عنصر كلفة يدخل في كل القطاعات، كالنقل والغذاء والصناعة والخدمات، وأي زيادة عليه تنعكس مباشرة على الأسعار وسلاسل التوريد، أما بالنسبة لرفع الـضريبة على القيمة المضافة، فهو إجراء شامل يتناول الاستهلاك بمجمله، وبالتالي يشمل كل القطاعات وكل الناس دون استثناء، ويُحدث أثرًا تضخميا متسلسلا”.
وعلى الصعيد السياسي يقول “إذا جاء القرار ضمن رؤية إصلاحية متكاملة، مترافقة مع ضبط فعلي للهدر، وإصلاح إداري، وخطة واضحة زمنيا، يمكن إدراجه ضمن مسار تصحيحي، أما إذا أتى منفردا، ترقيعيا، بلا خطة شاملة ولا عدالة في توزيع الأعباء، فإنه يتحوّل إلى عبء إضافي ويعمّق أزمة الثقة، فالمشكلة ليست في الضريبة بحدّ ذاتها، بل في المنهج الذي تُدار به الدولة”.
وعن احتمال العودة إلى حراك الشارع، مع ما يؤدي ذلك من “خربطة” أمنية، يؤكد أن “الشارع لا يتحرك بسبب رقم ضريبي فقط، بل بسبب شعور عام بالانسداد، فإذا اجتمع ارتفاع الأسعار وغياب الأفق وفقدان الثقة وخطاب رسمي منفصل عن الواقع، يصبح الشارع متنفسًا طبيعيًا، لكن الفارق اليوم أن الناس منهكة اقتصاديا واجتماعيا، وأي حراك محتمل قد يكون أقل تنظيما وأكثر غضبا، لأن الخطر ليس في الاحتجاج بحد ذاته، بل في الفراغ السياسي الذي يسبقه، وفي غياب المعالجة الاستباقية التي تمنع الانفجار”.
وهل من إجراء يمكن للمجلس النيابي القيام به لإصلاح ما حصل، يجيب أن المجلس النيابي يملك أدوات واضحة، كتقديم اقتراح قانون معجّل مكرّر لتعديل أو تعليق الزيادة، ومساءلة الحكومة واستجوابها حول الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للقرار، وربط أي زيادة ضريبية بخطة إصلاح متكاملة ومحدّدة زمنيا، كما وفرض رقابة فعلية على الهدر في الإدارات والمؤسسات العامة، فالمجلس النيابي ليس متفرّجا إذا أراد أن يمارس دوره الرقابي والتشريعي كاملا”.
وبالنسبة للانتخابات النيابية وإذا كانت ستحصل في موعدها، يشير إلى أن “المؤشرات الحالية تميل إلى حصولها في موعدها، لأن تأجيلها مكلف سياسيا داخليا وخارجيا، ولأن المجتمع الدولي يعتبرها اختبارا أساسيا للاستقرار المؤسساتي، لكن يبقى العامل الأمني عنصرا حساسا، لأن أي توتر واسع قد يُستخدم ذريعة للتأجيل، وإن كان لا يبدو حتى الآن أن هناك قرارا سياسيا جامعا بهذا الاتجاه”.
وإذا كان “التغييريون” سيخوضون هذا الاستحقاق، ووفق أي تركيبة، يرجّح أن “يخوض “التغييريون” الانتخابات المقبلة، لكن التحدّي الأساسي سيكون في توحيد صفوف القوى التغييرية، وإنتاج برنامج اقتصادي واقعي ومتكامل، إضافة إلى بناء تحالفات مناطقية مدروسة، فنجاح القوى التغييرية لا يتوقف على الخطاب فقط، بل على قدرتهم على الانتقال من الاعتراض إلى بناء مشروع سياسي منظّم وقابل للتنفيذ”.
وعن تقييمه لتجربة “التغييريين” في المجلس النيابي، يعتبر أنه يمكن تقييم التجربة بموضوعية من الناحيتين الإيجابية كما والسلبية، فمن الناية الإيجابية كسر التغييريون احتكار الخطاب السياسي التقليدي، كما ورفعوا مستوى المساءلة داخل المجلس النيابي، وعمدوا إلى فتح ملفات كانت مهمّشة، أما بالنسبة للناحية السلبية، فقد بدا بغياب التنسيق الموحّد بينهم، وفي ضعف إدارة التحالفات، وأيضا من خلال صعوبة تحويل الخطاب المعارض إلى إنجازات تشريعية ملموسة، فالتغيير لا يكفي أن يكون أخلاقيا أو احتجاجيا، بل يجب أن يتحوّل إلى عمل مؤسساتي منظم”.
وعن المرحلة المقبلة التي تنتظر البلد، يقول خلف إن “لبنان أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تتحول القرارات المالية إلى جزء من خطة إصلاح شاملة تعيد الثقة، وإما أن يستمر النهج الترقيعي بما يفاقم التوتر الاجتماعي”.