Site icon IMLebanon

ترامب بين هاجس النفوذ ولعبة «الكل رابح»!

 

تترجَّح المفاوضات الأميركية – الإيرانية بين مدٍّ وجزر. ما أن تلوح بوادر التفاؤل حتى تطيح بها موجة تشاؤم، تدفع بها عوامل التصعيد إلى شاطئ الواقع. الدول المعنية بالصراع لتأثرها به إيجاباً وسلباً، تسعى بكل ما أوتيت من قدرات وما امتلكت من إمكانات لصوغ حل على طريقة مقدِّم البرامج الفرنسية ميشال دروكير: «الكل رابح» أي (Tout Le Monde Gagne). لكنّ هذا الأمر ليس سهلاً ولا في متناول اليد، لأنّ الولايات المتحدة الأميركية تخشى خسارة نفوذها إذا لم تحقق إنتصاراً بأي طريقة سياسية، بإلزام الجمهورية الإسلامية بالانصياع لشروطها السياسية، الاقتصادية والعسكرية، من خلال التفاوض أو عبر الحسم العسكري.

فصورة النتائج السياسية لحرب السويس (29 تشرين الأول – 7 تشرين الثاني 1956) لا تزال ماثلة أمام ناظرَيها، لأنّها أدّت إلى هزيمة بريطانيا والعدّ العكسي لنفوذها في المنطقة العربية التي كانت سدّاحاً مدّاحاً لها. كما أنّها أسست لهزيمتها في العراق بسقوط النظام الملكي فيه العام 1958، وتقلّص نفوذها في المملكة الأردنية الهاشمية. ولا شك أنّ الموقف الأميركي عبر الرئيس دوايت أيزنهاور، كان رافضاً للإعتداء الثلاثي على القناة المصرية أحد شرايين التجارة العالمية، وصوَّتت بلاده في الأمم المتحدة للقرار الداعي إلى انسحاب إسرائيل – بريطانيا وفرنسا، وهذا ما تمّ العام 1957. وكان من نتائج هذا التطوُّر المفصلي:
أ – إنتقال النفوذ الدولي في منطقة الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة التي لم تعتم أن حلّت محل بريطانيا وباريس على نحو واسع.
ب – تشكّل ثنائية قطب دولي – إقليمي مع صعود نجم الاتحاد السوفياتي.
ج – تحوُّل مصر مع الرئيس جمال عبد الناصر من دولة فاعلة عربياً إلى زعامة العالم العربي، واتساع نفوذها إلى إفريقيا وعدد من الدول الآسيوية النهضة. واستطاعت أن تشكّل نقطة استقطاب من خلال الدور المحوري الذي اضطلعت به في منظومة دول عدم الانحياز.
د – إنّ سلطنة عمان برزت كقارئة جيدة ومنطقية لتاريخ المنطقة، ولاسيما منطقة الخليج، وهي خبيرة بتضاريسها وعلاقات دولها وشعوبها، وتعرف نقاط القوّة والضعف فيها، فانبرت إلى دور وسطي ووسيط، ينطلق من خبرة طويلة ومراس وتصميم عُرِف بهما السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور آل سعيد وخَلَفه السلطان هيثم بن طارق آل سعيد. وهذا ما مكّن السلطنة من لعب أدوار بالغة الأهمية في الأزمة المفتوحة بين واشنطن وطهران، والأزمة اليمنية والخلافات التي كانت تنشب بين الحين والآخر مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهذا ما أكسبها موثوقية وحضوراً، وقدرة على قيادة مبادرات.
هـ – إنّ إيران وجدت في القراءة العمانية مدخلاً لخط تواصل مع الديبلومسية، وتبقي الباب موارباً بين احتمالَي الحرب والسلم. ولذلك، فإنّ النشاط المركزي حالاً لمواجهة الأزمة المستشرية، يدور ضمن مثلّث إسلام آباد ومسقط وطهران، ويتفرَّع في اتجاه واشنطن والرياض وقطر، والغاية توليد أفكار ووضع آليات تساعد على وقف الحرب. فللسعودية قراءة واقعية بعيدة من الانفعال، وهي على إدانتها للسلوك الإيراني في المنطقة لاستهدافها دول الخليج والتعامل معها بعنف، ترى أنّه يجب بذل المستحيل لتفادي الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران، والذهاب بها إلى تصعيد غير محدود، يخلِّف الكوارث لا داخل الجمهورية الإسلامية فحسب، والتي ستستخدم حق الردّ، بل على امتداد الدول المحيطة التي ستعاني من القتل والتدمير واللجوء الواسع، وما يفرز من مآسٍ إنسانية. وقد قدَّمت إيران بالأمس «عيِّنة» ميدانية من خلال قصفها إسرائيل والقاعدة الأميركية في الكويت، مشركةً هذه المرّة «الحوثيّين» في استهداف الكيان العبري. من هنا، فإنّ للجميع المصلحة – باستثناء إسرائيل – بحل شامل يُعيد الاستقرار إلى المنطقة بأسرها.
لكنّ الولايات المتحدة تعيش مأزقاً سياسياً (ليس عسكرياً بالطبع)، فهي تريد الحرب وتحقيق انتصار نوعي يعزّز أحاديّتها السياسية والعسكرية في العالم، ولا يمكن أن تقبل بأقل من ذلك. أمّا استمرار حرب الاستنزاف القائمة، فلا تلائم واشنطن والرئيس دونالد ترامب، الذي يواجه استحقاقات داخلية تجعله مرغماً على السعي للحسم إذا استطاع، وإذا لم يتمكّن لأسباب معيّنة (وهذا الأرجح)، فقد يوافق على تسوية يتقاسم فيها: «النصر» مع سائر اللاعبين على مسرح المنطقة المثخنّة بآثار الحرب، وفوق الأشلاء والدمار، وكأنّهم معاً أنجزوا بحسب اعتقادهم واحدة من حلقات الـ Ecole Des Fans، بعدما أغرقوا الشعوب والدول في المآسي والفواجع، في تراجيديا لم يرَ العالم مثيلاً لها منذ 25 عاماً.

 

 

 

Exit mobile version