IMLebanon

معركة الفلوجة والمخاطر التي ترافقها

وسط عراق منقسم على ذاته، ينخره الفساد المعشش في السلطة، ويفتته الصراع المذهبي، وفي ظل تقاسم النفوذ المهيمن عليه بين ايران وامريكا، تدور معركة تحرير الفلوجة من قبضة تنظيم داعش. فالمدينة التي يبلغ تعداد سكانها الـ 100 الفا ترزح تحت حكم التنظيم الارهابي. وتبعاً للخطة التي تعتمدها حكومة حيدر عبادي للقضاء على هذا الجيب السرطاني الذي يراوح بين سيطرته على شمالي غربي العراق وشمالي شرق سوريا، يشكل تحريرها المقدمة المباشرة لأم المعارك الكبرى القادمة لا محالة وهي معركة تحرير الموصل. وقد حشد الجيش العراقي 30 الفا من جنوده تسانده قوات الحشد الشعبي ومجموعات مسلحة من الميليشيات الشيعية يصعب تعدادها في المعركة المرتقبة. وكان قد سبق ذلك اواخر الاسبوع الماضي ان طلبت الحكومة العراقية المركزية من اهالي المدينة اخلاءها مما اثار موجة من الهلع والخوف عند اهالي المدينة ليس من ضراوة المعارك المتوقعة فحسب، بل من الممارسات المذهبية والتصفيات الميدانية والتدمير المتعمد المذهبي لاحياء المدينة وسكانها الذين وقعوا في السنوات الماضية في اسر «داعش». فبين اسر داعش الظلامي وأعماله البربرية وتارات الحشد الشعبي وروح الانتقام التي تسود صفوف مقاتليه ومقاتلي الميليشيات الشيعية الأخرى، فان سكان «الفلوجة» مهددون بسوء المصير.

لقد كان لافتاً جداً ان يحضر الجنرال قاسم سليماني قائد الحرس الثوري الايراني بنفسه ليدير سير المعارك في «الفلوجة» وان يلتقي هناك بنوري المالكي رئيس وزراء العراق السابق، الذي يحمل تبعات تأجيج الأحقاد المذهبية وصراعاتها التي عمقت الهوية المذهبية التي يعاني منها العراق، هذا ما عدا تعميم الفساد وتغطيته الرسمية له.

فسجل المالكي حافل بالفساد والاختلاس، بل تحوم حوله الشبهات بأنه المسؤول الأول عن اطلاق الظاهرة الجهنمية آفة الاجرام التي اسسها «داعش». فلا حاجة لنا هنا للتذكير بمسؤوليته المباشرة عن الهروب الكبير من سجن ابو غريب وعن اخلاء الجيش العراقي مواقعه وتسليم اسلحته في معركة الموصل السيئة الذكر، وعن تحويله العراق الى خط تموين لوجستي متواصل لنظيره بشار الأسد قبل ان يحظى الأخير بالموافقة الايرانية على الاستنجاد بالطيران الحربي الروسي.

ليس هذا فحسب فان لغطاً شديداً يحيط بالمعارك في الفلوجة في ما يتعلق بتزامنها مع معركة الرقة (شمال شرقي سوريا) لجهة تدخل طيران التحالف الأممي في المعركتين فقد قام الاسبوع الماضي قائد القوات المركزية الامريكية بزيارة سرية لشمالي سوريا لاجراء التنسيق الضروري بين قوات سوريا الديموقراطية والفصائل الكردية المحتشدة شمالي الرقة تمهيداً لاقتحامها، ويبعث الروس برسائل الى الطرف الامريكي مفادها استعدادهم لمد يد العون لتحرير الرقة. وبالفعل فان الامريكيين استقدموا 250 عنصراً من قوات النخبة للمشاركة في معركة الرقة. وبديهي ان الروس وهم الذين استبقوا بعضاً من طيرانهم الحربي في سوريا، بل هم في السابق الذين يحظون بتغطية «شرعية» من النظام الاسدي للتدخل المباشر، ان يعتبروا انفسهم معنيين بهذا التدخل الامريكي البري. ولا يغرب عن بالنا قط ان الهدنة المعمول بها في سوريا الآن، رغماً عن هشاشتها قد جرى اعلانها في واشنطن وموسكو في وقت واحد.

يتوجس المرجع الشيعي الأكبر علي السيستاني قلقا من احتمال اقدام القوات العراقية والحشد الشعبي على ارتكاب مجازر او ممارسات انتقامية بحق اهالي الفلوجة كتلك التي جرت في السابق في محافظة صلاح الدين، فتجده يدعو لضبط النفس. الا ان الأمور دائما كانت تسير باتجاه معاكس. ذلك ان الصراع الدائر في العراق وفي سوريا قد اتخذ منحى مذهبياً، ما جعل فصائل ارهابية كداعش وامثاله تنبثق وتترعرع وتنمو من رحم هذا الصراع، لتتحول كآفة وخطر يهدد المنطقة العربية والعالم. وهذا الصراع لم يولد من فراغ فقد ولدته الانتفاضات الشيعية المتكررة ضد نظام صدام حسين حيث جرى يومها قمعها بقسوة بالغة، بل لعب دوراً بارزاً في تعميقه وتشجيعه نظام طهران الكلياني الجديد وكل فصول الحرب الايرانية ـ العراقية وصولا الى الحروب التي استهدفت العراق وما جرى فيها من مآس وويلات وصولاً الى محاكمة صدام حسين واعدامه بطريقة ثأرية مذهبية بشعة يوم تغاضي الاحتلال الاميركي عن تولي مقتدى الصدر وأنصاره مهمة هذا الاعدام.

تلك كانت التربة الخصبة والبيئة الحاضنة والجو المواتي لنشوء «داعش» فيما بعد وبلوغ الحقد المذهبي بين الطرفين السني والشيعي مبلغاً خطيراً. وقد فاقمه بالطبع الأطماع الايرانية التوسعية باتجاه المتوسط وتلك الاستراتيجية الخطيرة التي لم تخضها طهران يوماً ألا وهي اثارة الشيعة في كل بلدان المنطقة العربية وعقد تحالفها الوطيد مع النظام الاسدي في مرحلتين، وكان اخطر ما اقدم عليه باراك اوباما هو بداعي سحب جنوده من العراق التغاضي عن تحوله الى محمية ايرانية، وكان ذلك على وقع المفاوضات بين ايران والغرب (5 + 1) التي افضت للاتفاق النووي.

بل ذهب النظام الايراني ابعد من ذلك عندما قدم السلام المتطور والصواريخ المتوسطة المدى، والمال والدعم السياسي لفتح جبهة خلفية على البحر الأحمر تهدد امن المملكة السعودية وجيرانها في دول الخليج. فمن الكويت الى البحرين الى شرقي المملكة (الخبر) الى جازان على الحدود السعودية ـ اليمنية توالت الضربات وحركات التمرد حتى الوصول الى الانقلاب الحوثي واندلاع حرب اليمن، رغما عن محاولات دول مجلس التعاون الوصول الى حل سياسي بانشاء حكومة وفاقية يمنية وفقاً لقرار مجلس الامن 2216 وعودة الشرعية لتظلل جميع الفرقاء.

قطعاً لم نذهب بعيداً في قرءاتنا للوضع العراقي عند ذكرنا لحرب اليمن والتطرق للمفاوضات المتواصلة والمتقطعة بل المعطلة ثم باعادة الحياة اليها في جنيف والكويت. فالطرف الحوثي يتلاعب على الدوام بسير المفاوضات وطهران هي الملقن له في اتباع هذا السلوك.

السؤال الكبير الذي يتوجب طرحه الآن: كيف بالامكان تحرير منطقة ما من قبضة داعش الارهابي الدموي بقوى مسلحة مشكوك بولائها وبعقيدتها العسكرية كقوات نظامية وبما هب ودب من ميليشيات مذهبية معبئة عناصرها بروح الثأر والانتقام وتصفية الحسابات هي بدورها مستعدة لارتكاب المجازر وطرد السكان ونهب منازلهم واحتلالها؟

ان ما يحدث في الفللوجة الآن هو الوجه الآخر البشع والقمعي لما يحدث في سوريا واليمن والممكن حدوثه في لبنان. ومن العبث بمكان محاولة اخفاء الحقيقة المرة القائمة التي تضرب المنطقة بأسرها وسط تدخل عسكري دولي واقليمي من كل الأصناف حفاظاً على مصالح تلك الدول. فلم يعد الحل بايدينا لدرجة اننا لم نعد نطمح بأي حل منظور، وكأننا نعيش في ظل أزمة عامة لا تطاق ليس من السهل الخروج منها سالمين.