IMLebanon

بين «إعلان النيّات» و«تفاهم مار مخايل»: انفصام أم التقاء؟

لا يبالغ الجنرال ميشال عون في قوله إنّ الاتفاق بين «التيار الوطني الحر» و «حزب الله» أقوى من التشكيك به، مشدداً على أنّ تفاهم مار مخايل مثال للأجيال المقبلة. لا يمارس المقاتل العتيق سياسة التملّق وتمسيح الجوخ أو حتى التودد مع الضاحية الجنوبية لحسابات ضيقة ولو كانت من الصنف الرئاسي، لأنّها فعلاً قناعته، ولا حاجة لتوكيدها.

في عامه العاشر، أثبت الاتفاق أنّه عصيّ على التحديات والصعوبات، مهما كانت طبيعتها، وأنّ ما تراكم من تجارب وخبرات في العلاقة المشتركة كفيل بحمايتها من العواصف غير المتوقعة. لا داعي لسماع السيّد حسن نصر الله يكرر على مسامع من يهمه الأمر أنّ وقوف الحزب الى جنب رئيس «تكتل التغيير والإصلاح» في معركته الرئاسية لها حيثياتها السياسية والأخلاقية، ولا يمكن التراجع عن هذا الدعم، لو «على قطع الرقاب»، كي تُحسم بالصوت والصورة متانة هذا التحالف العابر للتاريخ والجغرافيا والخنادق الطائفية.

الرهان على انتكاسة هذا التفاهم بفعل تضارب المصالح والاعتبارات، صار ضرباً من ضروب الخيال، لا سيما أنّ الفريقين برهنا على مدى السنوات العشر حرصهما على صيانة هذه العلاقة من «غدرات الاختلاف»، وهي متوقعة في أي لحظة، والعمل على ترميم أي انتكاسة قد تصيبها. وقد أصابتها فعلاً في أكثر من محطة.

ولكن، على اللوح البرتقالي صار هناك أكثر من وثيقة تعبّر عن رؤية هذا الفريق وتطلعاته. الأولى موقعة مع «حزب الله» جعلت منه «حليف يوم الدين» ورفيق درب السنوات العشر. والثانية مع «القوات اللبنانية» ردمت أسفلتَها الفوالقُ الصخرية التي تُبعد بين الفريقين من لحظة النشأة، لتزيد في رصيد الجنرال، من كونه مرشح قوى «8 آذار»، الى مرشح الكتلتين المسيحيتين الأكثر تمثيلاً.

هكذا، صار في جيب العونيين وثيقتان مكتوبتان بخط عريض لا يمكن اخفاؤه أبداً. هذا لا يعني أبداً أنّهما تتمتعان بالثقل ذاته والمناعة ذاتها والقدرة ذاتها على الاستمرار، لكنهما طبعاً لا تصيبان «التيار الوطني الحر» بالإزدواجية ولا بانفصام الشخصية.

في قراءة سريعة لأبرز ما جاء في الوثيقتين، يقول أحد المعنيين إنّ اجراء مقارنة حرفية بينهما فيها شيء من المظلومية بحق الورقتين، لأنّ نقاط التماس بينهما تكاد تكون نادرة، لكن الأكيد أنّ الورقتين لا تتناقضان لا في الجوهر ولا في النص.

فورقة الـ1400 كلمة الموقعة في مار مخايل، جاءت مفصلة في نقاطها، ولم تكتفِ بالعموميات كما تلك اللاحقة. بدا وكأنها تعبّر عن رؤية مشتركة، أو بالأحرى برنامج واحد لمواجهة المستقبل، تمكّن واضعوها من خرق «المحرمات» في القضايا الخلافية التي احتاجت لأشهر وأشهر من النقاشات، وبعضها لم يستوِ الا بتدخل «القياديين» في اللحظات الأخيرة، أي السيد والجنرال.

بكلام آخر، بدا من الورقة الثانية وكأنها تسير في حقل ألغام وتسعى لتجنّب قنابل الخلافات والتباينات، فلهذا اكتفت بالعناوين العريضة والطروحات عن بُعد، علماً بأنّ أهميتها تكمن في كونها «قرينة مكتوبة» تعكس رغبة الخصمين التاريخيين بإقفال صفحة الصراعات العميقة التي أبعدت بينهما لسنوات، وبالإعلان صراحة أنّ امكانية التعاون بينهما متاحة. ولهذا اكتفت بتسمية «اعلان نوايا» ولم ترتقِ الى مرتبة «تفاهم» يعبّر عن رؤيتهما المستقبلية في كل الشؤون الممكن للفريقين أن يواجهاها، كما فعلت الأولى.

هذا في الأساس، أما في المضمون، فتمكن الإشارة الى أنّ الورقتين اتخذتا من الدعوة الى الحوار مدخلاً لهما. وفيما وضع «تفاهم مار مخايل» الإصبع على الجرح من خلال المطالبة بشكل واضح «بقانون انتخاب عصري، قد تكون النسبية أحد اشكاله الفعالة، بما يضمن صحة وعدالة التمثيل الشعبي»، تواضع «اعلان النيات» في دعوته للمطالبة «بقانون جديد للانتخابات يراعي المناصفة الفعلية وصحة التمثيل بما يحفظ قواعد العيش المشترك ويشكل المدخل الأساسي لاعادة التوازن إلى مؤسسات الدولة».

الى ذلك، استفاضت ورقة مار مخايل في شرح رؤيتها لكيفية بناء الدولة وللأطر الكفيلة بمعالجة ملف المفقودين خلال الحرب، ملف اللبنانيين في إسرائيل، المسألة الامنية، العلاقات اللبنانية ـ الفلسطينية، والأهم من ذلك العلاقات اللبنانية ـ السورية، بما في ذلك ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، اتخاذ الحكومة اللبنانية كل الخطوات والإجراءات القانونية المتعلقة بتثبيت لبنانية مزارع شبعا وتقديمها الى الامم المتحدة، وذلك بعد ان اعلنت الدولة السورية لبنانيتها الكاملة، كشف مصير المعتقلين، واقامة علاقات ديبلوماسية.

أما «إعلان النيات» فقد اختصر موقفه من الدولة بالإشارة الى ضرورة تعزيز مؤسساتها، ثم عاد ودعا الى اعتماد اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة والالتزام بأحكام الدستور المتعلقة بالمالية العامة وبأحكام قانون المحاسبة العمومية، بينما اختار مقطعاً كاملاً للتأكيد على أنّ «وثيقة الوفاق الوطني قد طبقت منذ إقرارها وخلال عهد الوصاية وحتى اليوم بشكل معتور مما يوجب تصويب المسار من خلال العودة إلى مرتكزات الميثاق الوطني وأحكام الدستور المتعلقة بالمناصفة الفعلية وصحة التمثيل النيابي…»، الأمر الذي لم تأتِ الورقة الأولى على ذكره أبداً.

كما توسّع «الإعلان» في القضايا ذات البعد الخارجي، حيث دعا الى «ضرورة التزام سياسة خارجية مستقلة بما يضمن مصلحة لبنان ويحترم القانون الدولي، وذلك بنسج علاقات تعاون وصداقة مع جميع الدول لا سيما العربية»، مشدداً على «الحرص على ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية السورية بالاتجاهين وعدم السماح باقامة منطقة عازلة في لبنان وباستعمال لبنان مقرا او منطلقا لتهريب السلاح والمسلحين».

أما في ما يخصّ سلاح «حزب الله» فقد تجنّب «اعلان النيات» تناوله بشكل واضح كونه مسألة خلافية بين الفريقين، ولجأ الى «التعابير الديبلوماسية» إذ دعا الى «احترام قرارات الشرعية الدولية كافة والالتزام بمواثيق الامم المتحدة وجامعة الدول العربية»، و «العمل على تنفيذ القرارات السابقة التي تم الاتفاق عليها في طاولة الحوار الوطني».

في المقابل، شرح «التفاهم» رؤيته على الشكل الآتي: إنّ «حمل السلاح ليس هدفا بذاته وإنما وسيلة شريفة مقدسة تمارسها اي جماعة تُحتَلُّ أرضُها تماما كما هي اساليب المقاومة السياسية». وفي هذا السياق، فإن سلاح «حزب الله» يجب ان يأتي من ضمن مقاربة شاملة تقع بين حدين: الحد الاول هو الاستناد الى المبررات التي تلقى الاجماع الوطني وتشكل مكامن القوة للبنان واللبنانيين في الابقاء على السلاح، والحد الآخر هو تحديد الظروف الموضوعية التي تؤدي الى انتفاء اسباب ومبررات حمله.