IMLebanon

لبنان: هي بداية العهد أم نهايته؟

عندما انتخب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية بعد سنتين ونصف السنة على الشغور الرئاسي، سادت أجواء من الارتياح في الأوساط اللبنانية. وعندما تألفت حكومة الرئيس سعد الحريري وبدأت العمل، وبعدما استأنف مجلس النواب عقد الجلسات التشريعية، ارتفع منسوب التفاؤل لدى اللبنانيين وساد اعتقاد بأن المؤسسات الدستورية استأنفت مهماتها وأدوارها.

لكن الأجواء التفاؤلية تقلصت في الآونة الأخيرة بعد بروز الكثير من العقبات أمام التوصل إلى التفاهم الوطني حول بعض الأمور الحساسة. ومن أبرزها قانون الانتخاب، وسلسلة الرتب والرواتب وفرض ضرائب جديدة مقابل تأمين الموارد لتمويل السلسلة.

ومن وحي تطورات الأيام والأسابيع الأخيرة، ليُسمح لنا بطرح السؤال الآتي: هل نحن في نهاية عهد الرئيس ميشال عون أم في بدايته؟ والداعي إلى هذا التساؤل أن بروز بعض الأزمات والتحديات يتزامن عادة مع اقتراب ولاية رئيس الجمهورية من نهايتها، لكن ما حدث ويحدث يؤشر إلى قيام بعض المواجهات بين بعض الكتل السياسية والبرلمانية وقصر بعبدا. ولعل دقة المرحلة تستوجب عرض الأمور بالصراحة والوضوح الممكنين، وهذا هو نهج رئيس تكتل التغيير والإصلاح الذي أصبح على رأس الهرم في الجمهورية.

إن قانون الانتخاب الذي يُسعى إلى صيغة مقبولة عنه ترضي النواب الحاليين والطامحين إلى الترشح، قد انقضت المهلة الدستورية الأولى لإصداره، والخلاف على أشده بين مختلف الكتل والفصائل والتجمعات المذهبية والطائفية.

ومع استمرار الخلافات المستعرة على غير جبهة واتجاه، بات في حكم المؤكد أن الانتخابات النيابية لن تجرى في موعدها وأن التأجيل بات في حكم المؤكد بسبب المنازلات المتعمدة حول رفض القانون الحالي، واسم الشهرة الذي بات شهيراً «قانون الستين»!

إن الأسباب المعلنة لعدم التفاهم (حتى كتابة هذه السطور) على القانون الانتخابي الجديد المؤمل منه تمثيل منطقي وعادل بين سائر القوى الشعبية، يندرج تحت عنوان عريض: النسبية والمختلط أو ما يجمع بينهما. ويسعى كل فريق إلى تفصيل القانون الجديد بما يحفظ له مصالحه في الكم والنوع.

وفي سياق المصارحة يجب أن يقال: ليس من قبيل التأثر بنظرية المؤامرة، بل من منطلق الواقعية السياسية سنحاول أن نفهم ما يحصل في التركيبة اللبنانية! فهل من البراءَة في شيء اندلاع الخلاف على ترتيب سلم الأولويات: بين سلسلة الرتب والرواتب وبين إقرار الموازنة العامة للدولة الغائبة والمغيبة منذ أكثر من عشر سنوات؟ وهل الضرورة تحتم فرض ضرائب جديدة تطاول العاديين من الناس وتبرئ أصحاب الثروات؟ بل أكثر من ذلك: من مع من؟ ومن ضد من؟

يقال داخل الجدران وفي الغرف المقفلة كلام ممثل هذا الحزب أو ذاك، ثم يخرج النواب أنفسهم للإدلاءَ بالتصريحات التي تناقض ما سبق أن قيل داخل الجلسة؟ هل في هذه الازدواجيات عملية ذكاء أو تذاكٍ؟ أو المضي في الاستخفاف بعقول اللبنانيين؟

وتندلع أنواع جديدة من الحروب على شاشات التلفزة، وما أدراك ما مسلسلات الثرثرات السياسية، وأين منها الإنتاج المكسيكي قديماً، والإنتاج التركي حديثاً!

إنه التخبط والاشتباك مع الذات حيث تضيع الرؤى وسط الأزمات المتراكمة وفي غياب مرجعية قادرة على فرض إرادتها واحترامها. لذا، فالوطن فقد الكثير الكثير، ومن ذلك الصوت المرجعي المسموع الذي يلتف الجميع حوله.

ما سمة المرحلة؟

إنها السمة الفاجرة: أنا أُعطل إذاً… أنا موجود! وهو انعكاس لحال التنافس على التعطيل وليس على التفعيل. وتأتيك فوق هذا وذاك: محاربة الفساد! وهل يكفي تعيين وزير دولة لشؤون الفساد كي نطمئن إلى القضاء على هذا الوحش الكاسر؟ مع الاحترام لشخص الوزير.

إن الكثير من التحديات، وفي الطليعة الفساد، يواجه عهد الرئيس العماد ميشال عون، وهو صاحب الحملة الأشهر على الفساد وعلى الفاسدين والمفسدين. لكن يدرك الرئيس عون من دون شك صعوبة العثور على آلية فاعلة لخوض الحرب على الفساد. كما لا يجب أن يغيب عن البال أن «تيار الفساد» المستشري في كل مكان سيدافع عن نفسه بشتى الوسائل المتاحة وغير المتاحة، وستكون معركة «تنازع بقاء ووجود» بالنسبة إلى أنصار هذا التيار الذي أصبح له كثرٌ من الأنصار والمنتفعين.

وبدرجة أعلى في سياق المصارحة:

بقطع النظر عن كل المشاريع الإصلاحية وعن نتائج «المعارك» التي يجرى الإعداد لها، هناك «أم الأزمات» التي يعبّر عنها عامل انعدام الثقة كلياً ونهائياً بين مختلف الأطراف على الساحة اللبنانية.

أيضاً وأيضاً من الصراحة نكتب:

كفى مهزلة… باعتماد النفاق الوطني تحت مسمى الوفاق الوطني، فليس بانعدام الثقة واعتماد الكيدية يُبنى «لبنان الجديد». لقد أدى «التكاذب المشترك» قسطه للعلى بعد كل هذه التراكمات الطويلة! ولم يعد يجدي نفعاً نفي وجود أزمة في صيغة العيش المشترك وأن وحدة اللبنانيين بألف خير!

إنه التحدي الأكبر والأخطر الذي يواجه العهد.

لا يحتاج الرئيس العماد ميشال عون إلى من ينظّر عليه في شؤون التغيير والإصلاح ولا في كيفية إنقاذ الوطن مما هو فيه وعليه، لكنه يدرك أكثر من غيره أن الشعب اللبناني يطالبه بالكثير الكثير من الإصلاحات والتغييرات. والسؤال: هل الوسائل متاحة لإحداث التغيير المنتظر؟

إذ لا يجب الإكثار من الوعود حتى لا تصاب الشعوب والفصائل اللبنانية بالمزيد من الخيبات!

… وماذا عن صلاحيات الرئيس؟ لقد طرح البعض هذا الأمر في وقت مبكر جداً، واستند إلى بعض التصريحات الأخيرة التي أدلى بها عن الجيش اللبناني ودور «حزب الله» والعلاقة بين الجيش والحزب، واستطراداً بروز العتب العربي من جديد على قول الرئيس عون أن الجيش اللبناني بقدراته الحالية ليس قادراً على حماية لبنان بالأسلحة المتوافرة لديه، وأن عناصر «حزب الله» تركز مقاومتها على إسرائيل، وهي داعمة الجيش اللبناني.

ولدى رئيس الجمهورية فرصة مهمة لإيضاح الصورة في الخطاب الذي سيلقيه في مؤتمر القمة العربية بعمّان بعد أيام وسيكون رئيس الحكومة سعد الحريري إلى جانبه فيها، وهو الذي عمل خلال زيارته القاهرة على إيضاح بعض الأمور التي دارت حولها الالتباسات، مشيراً إلى أن كلمة الرئيس عون ستمثل جميع اللبنانيين.

لكن ماذا بعد؟ هل يحتاج رئيس الجمهورية إلى «إذن» للإعراب عن آرائه في بعض شؤون البلاد والعباد؟

وسأنقل لرئيس الجمهورية ما سمعته ولو «كره الكارهون». هناك فريق يطالب بـ «المستبد العادل»، ونعلم أن البعض سيُبدي تحفظاً على هذا التعبير، لكن هذا هو لبنان حيث لكل واحد مكان… لأن الإجماع غاية لا تدرك في بلد كلبنان!

وإضافة إلى كل ما تقدم، وما سيتأخر، تجب الإشارة إلى رائحة النفط التي انتشرت وهي تزكم الأنوف، بخاصة في ضوء الممارسات الإسرائيلية التي سارعت بانتهازيتها إلى الاعتداء على المنطقة البحرية الاقتصادية اللبنانية حيث يوجد النفط والغاز.

وإذا ما اختلف اللبنانيون على كل شيء، لا يجب أن تكون الثروة الدفينة تحت الأرض بحراً وبراً مصدر خلاف بينهم بعد التوافق على «تقسيم المصالح»، إذ لا حل لكل ديون لبنان إلا بدخول المرحلة العملية للتنقيب عن النفط واستخراجه وتسويقه. ولو تدارك اللبنانيون من «ولاة الأمر» في حينه الظروف لكان الوطن ينعم بخيرات وهبها الخالق له ولأهله. وهنا لا وجود للتمييز ولا للتفرقة بين 8 و14 الراحلين.

وبعد…

نطرح السؤال مجدداً: هل لبنان بواقعه الحالي وطن موحّد فعلاً ويجب العمل على منع تقسيمه؟ أم إن لبنان بواقعه الحالي فعلاً مقسم ويجب العمل على استعادة وحدته؟

لم يعد يجدي الكلام العام، ولا صيغة العيش المشترك بألف خير. هذا الكلام ينبع من الحرص على الوطن، لا من التشكيك فيه، لكن المريض إذا لم يعترف أنه كذلك فكيف تمكن معالجته.

إن العهد هو في بدايته الأولى ومن غير المنطقي «محاسبته» الآن على التقصير. إن إلحاح اللبنانيين على استعجال الحلول والمراحل مفهوم من بعض النواحي والجوانب، لكن الحمل الرئاسى ثقيل جداً، ولا مجال لاقتراح المعجزات. والمطلوب في هذه المرحلة بالذات بعض الواقعية وبعض الصبر.

أما ما يتعلق بالعقبة الكأداء التي يمثلها القانون الجديد للانتخابات، فعلى رغم كل الأجواء القاتمة التي تحجب الرؤية، يقول خبير عتيق في الشأن الانتخابي اللبناني أن قانوناً جديداً سيولد في ربع الساعة الأخير يقوم على الآتي:

لا يموت ذئب النسبية والمختلط، ولا يفنى غنم الستين!

يحاسب رئيس الجمهورية بعد حين، وكما يعلم الجميع فهو ليس في القصر إلا «من امبارح العصر».