IMLebanon

الوهن الإيراني اليوم

أياً كانت درجة «سريّة» الخِلافات الإيرانية- الروسية بشأن سورية، إلا أن شيئاً كثيراً من عدمِ التوافق بينهما بات يظهر بالتقادم. إذ غدت الاستراتيجية الروسية في سورية ترتكز على الإيمان باستحالة تحقيق النِظام السوري انتصاراً عسكرياً شاملاً على معارضيه، وعودة سورية إلى ما كانت عليه قبل 2011، فقبول النِظام بـ «حلٍ سياسي» ما، بات واجباً لا مفر منه.

ترى إيران ذلك المسعى وكأنه موجهٌ ضدها بشكلٍ موضوعي، لإدراكها العميق أن طبيعة النِظام السوري وتركيبته لا يمكن أن يتقبلا أي تحولٍ سياسي، أياً كانت درجته، وأن ذاك النظام مُهدد بالانهيار فيما لو حصل ذلك. وثانياً لمعرفة إيران أن ذلك الاتفاق لا يمكن أن يبرم من دون توافقٍ وتحاصُصٍ روسي/ تركي على النفوذ في سورية المستقبل، والذي سيكون على حساب ما كان لإيران من نفوذٍ في سورية.

مقابل ذلك، تدرك إيران استحالة استمرارها في حض النِظام السوري على متابعة ما قد يناقض الخيار الروسي بشكلٍ واضح، أو أن تفعل هي كذلك، عبر الميليشيات الطائفية التابعة لها في سورية، وأن قطاعات غير قليلة من «قادة» الجيش والأجهزة الأمنيّة السوريّة موالية ضمنياً لروسيا، وتخشى من سطوة الميليشيات الشيعية بمقدار درجة خشيتها من الجماعات الدينيّة السُنيّة، والأمر ذاته ينطبق على جزء واسع من أبناء الطائفة العلوية السورية.

يُدرك القائمون على السياسة الخارجية الإيرانية أن هذا المسار السوري في ما لو جرى بسلاسة ما، فإنه قد يجر إلى ترتيبات سياسية «استراتيجية» في بقية دول المنطقة، التي تخوض فيها إيران، غالباً بالواسطة، حروباً أهليّة وإقليميّة، دفاعاً عن مصالحها الاستراتيجية واستقرار نِظامها الحاكم، ينطبق هذا بالذات على العراق واليمن ولُبنان.

فالقوى السياسية العراقية الشيعية التي تملك استقلالاً سياسياً نسبياً عن النفوذ الإيراني، قد تخلق مع نظيرتها السنية والكردية نواة لتكتلٍ سياسي وطنيٍ عراقي «عابرٍ للطوائف» في برنامجه وسلوكياته السياسية التي ستسعى إلى تجاوز ما جرى في مرحلة داعش، وهي ستكون ضد النفوذ الإيراني بالضرورة. وهذا شيء شبيهٌ لما حدث في لُبنان عقب صدور القرار الدولي 1559، والأمر ذاته قد يحدث في اليمن، بضمانات خليجية وأميركية للقوى الحوثية والجنرالات التابعين للرئيس السابق علي عبدالله صالح. ذاك أن أساس تمسُك الأطراف بالسطوة والفروض الإيرانية في هذه الدول، كامنٌ في إيمانها وثقتها بأن إيران قادرة وتستطيع أن توفر لهذه القوى المحلية سيطرة مُطلقة على خصومهم الداخليين. لكنهم ما أن يكتشفوا انتفاء تلك القدرة الإيرانية، سيعودون لعقد مساومات داخلية، وإن على حِساب المصالح الإيرانية وبالتضاد معها.

لدى إيران العديد من الأدوات التي تمكّنها من إفشال هذا المسار، لكنها تواجه تحدياً جدياً وجديداً قد يعرقل مساعيها هذه، فالإدارة الأميركية الجديدة، وبكل جديّة، تكاد تساوي وتوازن بين عدائها للتنظيمات الإسلامية المتطرفة والمتفلّتة «السُنيّة»، وعدائها للتطرف الإيراني المُنضبط، فالاستراتيجية الأميركية الجديدة تجاه إيران، بعد سنواتٍ من «تغنيج» الإدارة الأميركية السابقة إياها، قد تكون إيران أهم التحديات أمامها، إن لم تكُن التحدي الأصعب. فتلاقي وتوافق الخيارين الروسي والأميركي، ومعهما الكثير من الدول الإقليمية، سيصب خلال السنوات القليلة المُقبلة، في التوافق على تحميل إيران مسؤولية التوتر في المنطقة، واعتبار أن تحجيمها مصلحة مُشتركة.

وتواجه إيران ذلك في ظل مؤشرين داخليين بالغي التركيب، فالوعود الاقتصادية التي عوّل عليها النِظام بنتيجة عودة الأموال الإيرانية المُحتجزة بعد الاتفاق النووي، لم تثمر ولم يتحقق أي تحولٍ نوعي في الحياة الاقتصادية، فحافظت نسب البطالة والتضخم وتدهور قيمة التومان الإيراني على الوتيرة ذاتها التي كانت عليها خلال السنوات الأخيرة. كذلك قد تواجه النُخب الإيرانية الحاكمة مزيداً من التناقضات الداخلية في ما بينها، إذا ما رحل رأس النظام خامنئي، بطريقة تشبه غياب القُطب هاشمي رفسنجاني.

فوق كُل ذلك، فجوهر «الوهن الإيراني» الراهن، كامن في سياسات طهران المُتعاقبة مُنذ أكثر من عقدٍ ونصف العقد، حيث سعت لأن تكون دولة هيمنة إقليمية كبرى، بإمكانات داخلية متواضعة، ومن دون إغراء ذي معنى للجوار يتعدى العصبية الطائفية وتسعير الحروب الداخلية في المُحيط. وهذه الحروب مهما طالت، لا يُمكنها أن تخلق هيمنة مُستدامة.