Site icon IMLebanon

رامي العلي: بين ريادة الأعمال وتصميم الأزياء

RamiAlAli
لم تكن رحلة رامي العلي إلى النجاح بالرحلة السهلة حيث استغرقه بعض الوقت للاقتراب من حلمه. إلا أن طول الرحلة لم يثبط من عزيمته بل زاده شغفاً واصراراً حتى اقترنت تصاميمه بأسماء أكبر مشاهير هوليوود وانضم إلى نخبةٍ من المصممين العرب ليلمع على ساحة الموضة العالمية.

من قال إن الحصول على شهادةٍ في إدارة الأعمال والشركات شرطٌ أساسي لإنشاء عمل ناجح ومدر للأرباح هو مخطئ. كل ما يحتاج إليه ريادي الأعمال هو رؤيةٌ واضحة، شغفٌ حقيقي، وإصرار وعزيمة. رامي العلي هو مثال حي على ذلك. معظم الأشخاص لا يتضح لهم ما هو مجال العمل الذي يريدون دخوله حتى نهاية المراهقة والعلي ليس أحد هؤلاء. هدفه كان واضحاً منذ نعومة أظافره. أحب الموضة وانبهر بالأقمشة والألوان وأراد أن يكون مصمم عالمي للأزياء الراقية أو Haute Couture.

الرحلة الطويلة

بدأ رحلته في مدينة دير الزور في سوريا حيث كان محاطاً بوالدته وأخواته الأربعة. شعر بانجذاب إلى عالم الأزياء والموضة إلا أن هذا العالم كان غريباً لأهالي مدينته الصغيرة حيث كانت تعتبر المجالات الإبداعية مجرد هواية لا تدر الربح ولم يكن هناك في ذلك الوقت دور أزياء ناجحة في العالم العربي. كما لم يكن الأهل من مشجعي هذا التوجه، حيث أرادوا ابنهم الوحيد أن يسير على خطى والده، وأن يدخل مجال الهندسة.

وضع العلي خططه قيد الانتظار حتى أخذ الخطوة الأولى باتجاه حلمه عندما انتقل إلى دمشق عام 1991 لإتمام دراسته الجامعية حيث تخصص في كلية الفنون الجميلة بدراسة الاتصالات البصرية. طور مهاراته الإبداعية من خلال التركيز على مواد التصميم الجرافيكي والتصميم الداخلي. وفي عام 1995، أظهر أولى مواهبه لمحيطه عبر مشروع تخرجه والذي كان عرض أزياء من أعماله. هنا تمكن من إقناع الأهل بأن هذا الشغف هو أكثر من هواية بل هو مشروع ذا إمكانيات عالية.

انتقل إلى دبي عام 1997 حيث بدأ ببعض العمل التدريبي لدى دور الأزياء. وفي عام 2001، أسس “رامي العلي كوتور” على نطاق ضيق مع 3 موظفين فقط. يرى العلي أن التوقيت كان مناسباً جداً لافتتاح دار الأزياء حيث بدأت دبي في ذلك الحين بالانفتاح على السوق العالمي وكانت تشهد تحولاً في الذوق وبدأت بالابتعاد عن الأسلوب الخليجي التقليدي وتبني أزياءً تدمج ما بين الحداثة الغربية والعراقة الشرقية. كما تزامن إطلاق الدار مع قدوم أبرز الماركات الراقية ومجلات الموضة العالمية إلى المنطقة وبدء الثورة الإلكترونية ودخول مصممي الأزياء الراقية العرب ساحة الموضة العالمية. ويقول العلي: “لم أشاء أن أكون جزءاً من دور الأزياء الموجودة في ذلك الحين التي كانت ما تزال تتبع التصاميم التقليدية والتي لا تتماشى مع رؤيتي وتصاميمي. وكل ما كانت تشهده دبي جعلها سوقاً خصباً للأزياء الراقية وساعدت على تثقيف المستهلك وتحضير السوق لاستقبال أعمالي.”

النجاح

توسعت الأعمال بشكلٍ عضوي ونمت شهرة دار الأزياء ببطء وثبات. 2006 كان العام الذي بدأت خلاله أصداء إثم رامي العلي تتردد في مجال الأزياء حيث لفتت تصاميمه انتباه المؤسسات العالمية وتحديداً وكالة “لا مود انيماج” (La Mode En Images) التي اختارت رامي العلي كوتور للمشاركة إلى جانب عدد من المصممين العالمين البارزين في الألعاب الاولمبية الآسيوية التي أقيمت في قطر سنة 2006. ومن هنا تتالت الفرص، حيث اختارته شركة “شواروفسكي” (Swarovski) ليكون جزءاً من كتابها Unbridaled، إلى جانب أسماء رائدة في عالم الموضة مثل جورجيو آرماني، فيفيان ويستوود وجون غاليانو وغيرهم.

عام 2007 حمل معه المزيد من النجاحات حيث كان المصمم العربي الوحيد الذي لعرض تصاميمه في أسبوع الموضة في أبو ظبي الى جانب المصمم العالمي فالنتينو. أما في عام 2009، فبدأت وسائل الإعلام تلاحظ صعود نجمه حيث حل في المرتبة 17 من ضمن العرب الأكثر تأثيراً في مجلة الشرق الأوسط. وفي العام ذاته، حقق العلي حلمه الذي لطالما انتظره وهو المشاركة في أسبوع الموضة AltaRoma الذي أقيم في روما حيث كانت تلك المرة الأولى التي تطل تصاميمه أمام وسائل الإعلام الأوروبية. وفي يناير 2012، تحقق حلمٌ آخر حيث ظهر العلي للمرة الأولى في أسبوع الموضة بباريس حيث عرض مجموعة ربيع وصيف 2012، وسط نخبة الأسماء في عالم الموضة.

مشاركة العلي في هذه المناسبات وضعته في قلب الحدث ووضعت تصاميمه بمحاذاة أبرز الأسماء في عالم الأزياء والموضة. وفي الفترة الماضية، تهافت مشاهير هوليوود والعالم العربي لارتداء تصاميم العلي منهم بيونسيه، كيلي رولاند، كيري واشنغتن، شانيل ايمان، كارلا جوجينو، ناتاشا بدنغفيلد، فانيسا مي، ايفانا ترامب، يسرى، ديانا حداد، لطيفة وغيرها من الاسماء البارزة.

فريق من 42 موظف

يتحدث العلي عن البدايات بابتسامة وشيء من الحنين. يتذكر صعوبة الحصول على التمويل، الأمر الذي أبطأ من انطلاقته إلى عالم الموضة بعض الشيء. “أنا فنان ومصمم وأكره التفكير بالأرقام فهي تقيدني وتمنعني من حرية الإبداع. ولكن، هذه التجربة علمتني الكثير حيث أصبحت أكثر واقعية وبراغماتية في مقاربتي للتصاميم والسوق فلم أعد أصمم أشياء يصعب بيعها وارتداءها.” وعند سؤاله عن النمو السنوي الذي تشهده مبيعات “رامي العلي كوتور”، يردد العلي أنه ليس من محبي الأرقام إلا أنه متأكد أن النمو مستمر منذ العام 2009.

كبر فريق العمل ليضم أكثر من 40 موظف ومعه كبرت تحديات الإدارة. ويقول العلي: ” إدارة فريق من 42 شخص أمرٌ صعب جداً ولا يخلو من التحديات. ولم تكن البداية سهلة حيث لم أمر بهذه التجربة من قبل ولم يكن لدي أي خبرة في التفاعل مع عدد كبير من الموظفين. ولذلك كان من الضروري جداً أن أحيط نفسي بالأشخاص المناسبين أثق بهم وبقدراتهم كي أتمكن من توزيع المهام والتركيز على العمل الإبداعي.”

في الحديث عن الأزمة المالية التي شهدتها دبي، يقول العلي بثقة رجل أعمالٍ متمرس: “لم نعاني خلال الأزمة إطلاقاً بل قمنا بتطوير أفضل خططنا المالية واللوجستية والاستراتيجية. خلال عامي 2006 و2007 ووصولاً إلى الأزمة، كان هناك الكثير من الفوضى حيث دخل العديد من الناس إلى مجالات لا ينتمون إليها بهدف الربح والحصول على المزيد من المال. وانتشرت دور الأزياء والملابس الراقية. وكان هذا أمر محبط للزبائن ومزعج للمصممين الحقيقيين. كانت كل ما يجري عبارة عن ضوضاء لا نتيجة لها. وخلال الأزمة، كل هذه الدور التي ركبت الموجة اختفت ولم يبقى سوى دور الأزياء الحقيقية. وهذا الأمر انطبق على جميع القطاعات في عالم الأعمال في الإمارة. فرأيي، كانت الأزمة ضرورية لتصحيح السوق ولتخليصه من الفوضى والضوضاء. خرجنا من الأزمة أقوى من أي وقتٍ مضى وكسبنا ثقة زبائننا.”

ويضيف العلي أن الأزمة في الخارج ساعدته على الحصول على أسعار تنافسية من الموردين والمصنعين مما انعكس إيجاباً على أرباحه. كما يقول إن الزبائن لم يتوقفوا عن شراء الأزياء الراقية بل أصبحوا أكثر وعياً وحرصاً على طريقة إنفاقهم.

الشرق الأوسط وحب الأناقة

للعرب شهيةٌ كبيرة للموضة الراقية أو Haute Couture حيث تظهر الإحصاءات أن الشرق الأوسط له حصة الأسد من هذا السوق مع أكثر من ثلث مشتري الملابس الراقية من الشرق الأوسط الذي شهد ارتفاعا بنسبة 41.7% في هذا المجال وحوالي 8 مليار دولار أميركي في مجال السلع الفاخرة. ويقول العلي أن تواجده في المنطقة وقربه من الزبائن ساعده على النمو. “90% من زبائني هم من دول التعاون الخليجي وذلك بفضل قدرتهم الشرائية المرتفعة ونمط الحياة.”

وبالحديث عن إطلاق خط للملابس الجاهزة (Prêt-à-Porter)، يرى العلي أن هذا الموضوع هو ضرورةٌ لداره خاصةً مع ارتفاع الطلب عليها. ويقول: “إن الأزياء الراقية أكثر حصرية مما يجعلها غير متوفرة بمتناول الجميع لعدة عوامل أهمها البعد الجغرافي والأسعار الباهظة. وبما أن الطلب على علامته التجارية آخذ بالارتفاع فمن الضروري أن يجعلها أكثر توفراً.”

دبي: وجهة الموضة العالمية الجديدة

لا شك أن خيار العلي في جعله من دبي المقر الرئيسي له هو خيار صائب فإمارة دبي أصبحت عاصمة الموضة في الشرق الأوسط وهي في طريقها لأن تصبح عاصمة موضة عالمية على غرار باريس ولندن وميلانو. سجلت دبي أكثر من 5.8 ملايين سائح خلال النصف الأول من 2013 وشكل السياح السعوديين أعلى رقماً فيما نما عدد الصين بنسبة 26%.

تتمتع دبي بجاذبية سياحية مدفوعة بشكلٍ كبير من المجمعات التجارية الضخمة ومهرجانات التسوق وتواجد 55 في المائة من إجمالي الماركات العالمية بالإضافة إلى عددٍ كبير من العلامات التجارية الفخمة. كما أظهرت احصائيات أجرتها مؤسسة بيزنس مونيتور الدولية أن قيمة سوق التجزئة في الإمارات ستصل إلى حوالي 151 مليون درهم بحلول العام 2015. وأما أبرز أسباب هذا النمو فيعود إلى نمو سوق المنتجات الفاخرة في دبي بنسبة 12% في هذه الفترة. وتقدر قيمة إنفاق السياح على العلامات التجارية العالمية الفاخرة بنسبة 40% من إجمالي إنفاقهم. هذا الأمر دفع حي دبي للتصميم إلى التركيز على جذب أهم دور الأزياء العالمية والمنتجات الفاخرة ومنافسة أكبر عواصم الموضة وأن تطيح بلندن لتصبح أول مقصد للبيع بالتجزئة في العالم.

ويقول العلي: “دبي لا تحكم على ماضيك ولا تميز بين الجنسيات. هي بلد الفرص والمساوة وتنظر إلى الأفراد بناءً على نجاحهم وإبداعهم وإلى القيمة المضافة التي يوفرونها للإمارة. كلما قدمت لها شيء تقدم لك بالمقابل. موقعها الجغرافي ممتاز فهي صلة الوصل بين الشرق والغرب مما يضعنا بين الموردين والزبائن ومكاتب العلاقات العامة والمشاهير. كما أن التركيبة الاجتماعية ملهمة إلى حدٍ كبير من حيث تعدد الجنسيات والحضارات والثقافات. كل هذه يخلق بيئة تشجع الإبداع والتطور لي كفنان وكريادي أعمال.”

مشاريع قياسية

مشاريع دبي التي تهدف إلى تشجيع قطاع التجزئة كثيرة أهمها مول العالم الذي تم الإعلان عنه مؤخراً والمجهز لاستقبال أكثر من 180 مليون زائر سنوياً. والمشروع عبارة عن مدينة مكيفة بالكامل ومقامة على مساحات تتجاوز 48 مليون قدم مربع وسيضم أكثر من 8 ملايين قدم مربع من مساحات التسوق مما يجعله أكبر مساحات للتجزئة على مستوى العالم مع أكثر من 100 منشأة فندقية تضم 20 ألف غرفة. كما أعلنت شركة ماجد الفطيم مؤخراً عن البدء بالمرحلة الثانية من مشروع التوسعة والتطوير (التطوير 2015) لمول الإمارات والتي ستضيف ما مجموعه 25,000 متر مربع إلى المساحة القابلة للتأجير.

وكانت قد أطلقت دبي “حي دبي للتصميم” أوDubai Design District المعروف بـ d3 وهو مشروع عملاق تتجاوز مساحته الـ 4.7 مليون متر مربع والذي سيكون المنطقة الحرة الثالثة والعشرين للإمارة. ويسعى إلى استقطاب العلامات التجارية العالمية الفاخرة والمصممين المحليين على حد سواء وحشدهم في عالمٍ إبداعي ومتنوع والذي يجمع ما بين الفن والتصميم والمنحوتات والموضة. أحد أهم أهداف d3 والتي تقع تحت سلطة منطقة دبي الحرة للتكنولوجيا والإعلام (Dubai Technology and Media Free Zone Authority) هي دعم المواهب وتمكينها من الوصول إلى أكبر عدد من الأشخاص والحصول على الاهتمام الذي تستحقه.

ويقول العلي: “ما يفعله القائمون على حي دبي للتصميم أمرٌ رائع. وهو حلم كل مصمم من البيئة الإبداعية إلى توفير الدعم اللوجيستي. أنا من أكبر المشجعين لهذا المشروع ومعجب إلى حد كبير بالفريق المسئول عنه. نحن في وسط محادثات الآن للتوصل إلى صيغةٍ نهائية نستطيع من خلالها أن نتعاون في المستقبل.”

وكانت حكومة دبي قد أطلقت في العام الماضي Dubai Fashion 2020 بالتزامن مع d3 وهي استراتيجية واضحة والتي تسعى إلى جعل دبي مركزا للأزياء، بما في ذلك من دعم وتشجيع وإطلاق الموضة المحلية المعاصرة والأزياء الإسلامية. كما تتضمن هذه الاستراتيجية تعزيز برامج التدريب لتصميم الأزياء والمناسبات.

يقول العلي: “لا أستطيع أن أعبر كفايةً عن شعوري بالامتنان كوني في قلب الحدث أشهد على صنع التاريخ في دبي مع الإكسبو 2020 وDubai Fashion 2020. وكما شهِدت هذه الإمارة نضوج قطاع العقارات والأعمال. أنا مستمتع إلى حدٍ كبير خلال هذه المرحلة كأنني أشهد على ظاهرةٍ كونية لا تتكرر إلا كل 100 عام. ما يجري في دبي الآن مثير للدهشة والإعجاب ويجعلني أشعر بالإلهام.”

ويقول أخيراً بالكثير من التفاؤل: “لقد بدأ الكثير من المستثمرين بالتوجه إلى المنطقة للاستثمار في أعمال مصممين من المنطقة، الأمر الذي سيغير المعادلة في المنطقة. فقد اعتدنا على استيراد كل شيء من السيارات الفخمة والإلكترونيات إلى المفروشات والأزياء وحتى الأرضيات. ومع ارتفاع عدد المصممين في المنطقة ودعم المستثمرين لهؤلاء المصممين وازدياد ثقة المستهلكين بالمنتجات المحلية ووضعها في نفس مستوى مع المنتجات العالمية، فسنبدأ نحن بتصدير الموضة إلى العالم.”