Site icon IMLebanon

لماذا لا يوجد «اقتصاد سياحي» في مصر؟

Ahram
رانيا حفني

تم إنشاء شركه «مصر للسياحة» على يد طلعت حرب سنه 1934 لتصبح أول وأقدم شركة سياحية في مصر والشرق الأوسط وأصبحت لها فروع تغطى جميع محافظات مصر. هذا بالاضافة الي المكاتب الخارجية وتأسيسها قرية مجاويش التي تعد أول منتجع سياحي في الغردقة. الغريب هو أنه منذ عهد طلعت حرب وحتى الآن لا توجد دراسة اقتصادية لتقييم العائد علي رأس المال المستثمر في مجال السياحة,
إلا وتمت علي أيدى رجال متخصصين في مجال الاقتصاد لأنه لا يوجد لدينا حتى الآن ما يسمي «بعلم الاقتصاد السياحي» . واكبر دليل علي ذلك مقارنة اغلب الدراسات لمصر بدول مثل اسبانيا وفرنسا وغيرها من الدول في حين أنه لا يوجد أي مجال للمقارنة من الأساس لأنه لا يوجد بلد آخر لديه حضارة فرعونية وبالتالي فإن اغلب الدراسات بنيت علي أساس غير حقيقي. والمفاجأة الأكبر هي ان اغلب القرى والمنتجعات السياحية تم بناؤها علي أيدى مهندسين أو مستثمرين ممن يعملون في مجال الاستثمار العقاري في حين ان هناك مواصفات عالمية في البناء الخاص بالمنشأت السياحية يجب الالتزام بها ويعرفها فقط المتبحر في النشاط السياحي والدارس له. وبما أنه لا توجد لدينا الشخصيات الدارسة لعلم الاقتصاد السياحي, أهملنا أيضا ملف الاستفادة من القصور التاريخية في الأنشطة السياحية. لذا كان هذا التحقيق.

رغم أني قمت بتغطية نشاط وزارة السياحة بهيئاتها واتحاد الغرف السياحية علي مدار 11 سنة كاملة من 1992 وحتى 2002 ,وبالرغم من أني عضوة في جمعية الكتاب السياحيين وعلاقتي بالوسط السياحي وطيدة جدا. إلا أنني سمعت كلمة «اقتصاد سياحي» لأول مرة من السيدة رحاب زكي, مساعدة الرئيس التنفيذي لشركة «ديفكس جروب» والتي قابلتها هي أيضا لأن لديها ملفا مهما تريد ان تخدم من خلاله بلدها بل وتريد عرضه علي السيد وزير السياحة بنفسها. ولقد باغتتني في البداية متسائلة « هل تعلمين أنه بالرغم من مرورنا بثلاث سنوات عجاف منذ 2011 إلا ان الأتراك والطلاينة قاموا بافتتاح سلسلتين للفنادق في مصر وكان يدار بشكل جيد جدا؟ وهل تعلمين ان الحجرة كانت تباع ب 150 دولار في عز الثورة؟ وهل تعلمين ان هناك فندقا في الواحات لا توجد به شبكة اتصالات أو كهرباء ورغم هذا مملوء بالسواح طوال العام؟» . وأكملت: «والسوءال هو كيف؟ في حين ان الوضع كان سيئا جدا. والإجابة هي لأنهم يفهمون معني الإدارة ولديهم متخصصون في مجال النشاط السياحي وليس مرتزقة مثلما الحال لدينا». وحول نشاط شركتها تحديدا أوضحت ان شركتها تقوم بإدارة رأس المال المستثمر في مجال السياحة, فالعائد علي رأس المال يجب ان يكون بنسبة 65% وإلا فإن صاحب المنشأة سيكون خاسرا.

كل مشروع يحتاج إلى «هوية»

وأكملت رحاب زكي: «هل تعلمين ان احد المستثمرين قام بإنشاء فندق في مرسي علم بقيمة 35 مليون جنيه ويعاني حاليا من خسائر فادحة, والسبب أنه قام بالصرف وبسخاء علي البيزنس ولكن بدون خطة. فأغلب المستثمرين يلجئون الي وزارة السياحة لشراء الأرض من هيئة التنمية السياحية ثم يقومون بتحضير الرسومات الهندسية من خلال مكتب هندسي كما قلنا من قبل ثم يتوقف المشروع المهول المصروفة عليه ملايين. وهذا لأن كل مشروع يحتاج الي «هوية» خاصة به, يحتاج الي دليل استثمار لهذا المشروع, يحتاج الي ان يتم البناء وفقا لما يريد السائح وليس وفقا لذوق السوق, يحتاج الي «مناعة» لمنع تقليده…وكل هذا علم يدرس وليس اختراعا. فلنا ان نتخيل ان الغالبية العظمي يستثمرون دون ان يقرروا أساسا هل منشآتهم ستكون أربعة أو خمسة نجوم. وأضافت: المستثمر الواعي والذي يفهم جيدا في مجال السياحة, يعي أنه يجب ان يمر بمراحل معينة حتى يضمن نجاح مشروعه. أولها ان يختار اسم المنشأة ثم السوق الذي يستهدفه لاستجلاب السواح وبعدها يقوم ببناء المعادلة الخاصة به من خلال خطة تسويقية ومن خلال القيمة المضافة أو الماركة أو «البراند» كما يطلق عليها والتي تضمن لي كواليتي أو مستوي خدمة ممتازا وواحدا. باختصار شديد, يجب ان يعمل بالسياحة من يفهم ويعي تفاصيلها جيدا, فتفاصيل التشغيل يجب ان يدركها ويقوم بها ويشرف عليها صاحب المنشأة نفسه وليس المحامي والمحاسب والمهندس والأشخاص القائمون بأعماله. واكرر ان الميزانية والإدارة الخاصة بأي مشروع تحتاج الي متخصصين في مجال السياحة لضمان عدم التوقف في أي مرحلة من المراحل وللأسف لا توجد أي شركة متخصصة في هذا المجال مطلقا حتى الآن. وللأسف ميزانيات أي مشروع سياحي يقوم بها مكتب محاسبي, والرسومات يقوم بها مكتب هندسي, في حين ان السياحة هي «شغلانة تفاصيل التفاصيل», ولذا فإن حتي المكتب الهندسي عليه ان يتعلم من المحترف في مجال السياحة كيف يبني لأنة توجد معايير ومقاييس واشتراطات للبناء والارتفاعات خاصة بالتأمين والسلامة. والموضوع برمته لا يحتاج الي صرف وإنما يحتاج الي «فكر». ولذا فأنه لا يوجد مكتب سياحي واحد في مصر قادر علي ان يقوم بحملة تسويقية ناجحة لفندق ولا يوجد مكتب مبيعات واحد قادر علي بيع إسكان سياحي خارج مصر.

ملف القصور التاريخية في الرئاسة

ونأتي الي معضلة القصور التاريخية..فمصر لديها كم لا يعد ولا يحصي من القصور ومن المباني التاريخية المهملة بطول محافظات مصر والتي تحولت إما الي خرائب مهجورة أو الي مدارس أو مبان حكومية أو وزارية. واكبر مثال مجسم علي ذلك قصر «البارون امبان» بمنطقة مصر الجديدة والذي لا يستفاد إلا من حديقته التي يتم استئجارها لعمل حفلات دون المستوي تقضي هي ومرتادوها علي الأخضر واليابس وتشوه جدران القصر. في حين ان القصر يمكن ان يتحول الي فندق ضخم في منطقة حيوية لا يوجد بها أكثر من خمسة فنادق من فئة الخمسة نجوم بأقصى تقدير. ومن جانبها أوضحت السيدة رحاب زكي, مساعدة الرئيس التنفيذي لشركة «ديفكس جروب», ان تحويل القصور الي متاحف لم يعد له أي جدوى ولن يرتادها احد. وحتى نستفيد من هذا الكم الهائل من القصور التاريخية قمت بتقديم ملف الي الرئاسة منذ شهرين حول خطتي لتحويل تلك القصور الي فنادق علي اعلي مستوي, علي غرار فنادق موسكو واسبانيا التاريخية. وقد أعطيت مثالا لقصر تاريخي بمنطقة إسنا وأخر بمدينة الإسكندرية ومازلت في انتظار الرد بالقبول أو الرفض أو إفادتي بالجهة التي يمكنها مساعدتي دون مماطلة. وأضافت: ان القصر الواحد يحتاج الي دراسات من 800 ألف الي مليون و200 ألف دولار ولدي استعداد لاستجلاب من سيقوم بالدراسة لتحويل تلك الأماكن الي فنادق محترمة ولدي أيضا التمويل ولا احتاج مليما من الدولة بل وسأديره لصالح الدولة.

ومثال آخر علي اهمالنا, قصر عزيزة فهمي بنت عبد العزيز فهمي باشا وزير الحربية في عهد الملكية والذي يطل علي كورنيش الإسكندرية بمنطقة جليم وتشغل مساحته 14.980م2 يعتبر مهجورا مع أنه تحفة معمارية تستحق ان تتحول الي فندق عالمي وليس الي متحف لا يزوره احد.

فلنا ان نعلم ان العائد من تحويل 11 قصرا تاريخيا الي فندق سياحي علي اعلي مستوي سيكون قرابة أل 30 مليار جنية سنويا. المشروع بالفعل مهم وقادر علي تشغيل الآلاف وقادر علي إدخال ملايين الدولارات الي البلاد. وعلينا ان ننتبه الي الموْامرة التي تحاك في هذا الصدد..فللأسف الكثير من الأمراء العرب يقومون حاليا بشراء قصور تاريخية مملوكة لعائلات كبري في كل من منطقتي الزمالك وجاردن سيتي ونحن نيام. فهل من مجيب؟