Site icon IMLebanon

أسعد بولس يتذكر مآثر يوسف بك كرم

Assad-boulos-1

كتب جان داية

هل بإمكان جريدة مناطقية أسبوعية محدودة الموازنة أن تحقق سبقاً صحافياً من العيار الثقيل؟ أم أن الفوز في هذا النوع من السباق حكر على صحافة بيروت، وبخاصة الكبرى منها؟ تستطيع الدوريات الرئيسية في العاصمة احتكار جل السباقات الصحافية، لا كلّها.

فمجلة “قب الياس” القباسية البقاعية التي اكتشفت شاعر الضيعة اميل مبارك ونشرت بواكيره، ناهيك بأنها حصلت على رسائل جبران المجهولة إلى هيلانة غسطين، ونشرتها تباعاً، لم تكن الدورية الوحيدة التي فازت بما جرى التعارف على تسميته بالسبق الصحافي. فها هي جريدة “الدفاع” الزغرتاوية الشمالية تحقق سبقاً صحافياً كبيراً أصابت بواسطته عصفورين بحجر واحد: وفّرت معلومات جديدة ودقيقة عن المعركة العسكرية – السياسية التي قادها يوسف بك كرم ضد المتصرف العثماني داود باشا، وجذبت الكثير من القراء وسط مزاحمة الدوريات الزغرتاوية والطرابلسية.

أصدر فريد بولس العدد الاول من جريدة “الدفاع” في غرّة 1932. وفي الخامس من آذار من العام نفسه نشر اعلاناً في الصفحة الاولى عنوانه “مذكرات أسعد بولس المخطوطة”، قال في مستهله: “كان المرحوم أسعد بولس جدّ منشئ هذه الجريدة، اليد اليمنى لبطل لبنان في ثورته المشهورة”. أضاف: “لقد دوّنت تلك الثورة الدموية في مؤلفات عدة، لم يخلُ أكثرها من بعض التحريف في المنقولات الخطية والاسلامية”.

وختم بالمعلومة – البشرى: “وقد عثرنا في مكتبة المرحوم أسعد بولس على مذكرات خطية قيّمة دوّنها بخطّ يده وفور الحوادث التي وقعت ابان الثورة. وقد راعى فيها الدقة والصدق والاعتدال. فآثرنا نشر بعض فصول من تلك المذكرات”.

في 13 آذار 1923، ظهرت الحلقة الأولى على معظم الصفحة الاولى، وهي متوّجة بصورة “الشيخ أسعد بولس المكاري الأهدني” الذي “درس اللغتين السريانية والعربية”، وتفوّق في “علم التاريخ”.

استهل أسعد بولس مذكراته التي نشرها حفيده كما وردت بأخطائها القواعدية، مراعياً بذلك الأمانة في النشر: “أبصرت النور في أواسط شهر تموز سنة 1826 في بلدة اهدن، من أبوين وجيهين هما سمعان بولس المكاري وكتّور ابنة الشيخ بطرس بشارة كرم”. أضاف انه في صيف 1917 توفى والد يوسف بك كرم الشيخ بطرس كرم – وهو غير سميّه جد صاحب المذكرات لجهة والدته – “فاتفق ولداه مخائيل ويوسف على أمر معاطاة العهدة بعد والدهما بوساطة المطران طوبيا – عون – الذي توجه خصيصاً وأجرى ما يلزم للتوفيق بين الأخوين حرصاً على جامعة هذا البيت”.

في الحلقة الثالثة المنشورة في 20 آذار 1932. قال أسعد بولس “كان الشيخ يوسف – كرم سنة 1857 شيخ اقطاعة اهدن. غير انه كان مبغوضاً من القائمقام. وعلى الرغم من ذلك كان نفوذه يرتفع يوماً فيوماً. وصدف ان اختلف مع المرسلين الابروتستان الذين كانوا قد دخلوا اهدن”. في المناسبة، فقد عثرت على وثيقة من محفوظات الخارجية البريطانية تفيد ان الانجيليين أو الببليشيين كما سمّوا في ذلك الوقت، حاولوا تأمين حضور لهم في اهدن، فحال يوسف بك دون ذلك عبر تحريض الاهالي ضدهم والضرب على التنك خلال إلقاء القسيس عظاته، ما أدى الى اغلاق أبواب المركز والعودة الى بيروت. وبالطبع أثار ذلك غضب القنصلية البريطانية في بيروت، كما هو بيّن في أحد تقارير القنصل الذي لم يفصل بين انكليزيته وبروتستانتيته.

كذلك تضمنت الحلقة معلومات عن معركة بين الاهدنيين وأهل بشري الذين حرّضهم “الكولونيل شرشل بك – أو شرشر بك على حد تعبير عامة اللبنانيين وقتذاك – معتمد انكلترا السري رداً على مضايقة يوسف بك للبروتستانت في اهدن.

يقلب أسعد بولس الصفحة في الحلقة الرابعة المنشورة في 31 آذار 1932 على عامية كسروان بقيادة طانيوس شاهين أو “ما يسمّونه ثورة الأهالي”. ويلخّص الثورة أو “العصيان” بأن الفلاحين “أبوا أن يعطوا مشايخهم من حاصلات الأملاك”، بتحريض من البطريرك الماروني بولس مسعد حسب معلومات المشايخ واتهاماتهم. لذلك “توجه جماعة من المشايخ الى بكركي يريدون الاعتداء على البطريرك، واجتمع الفلاحون في بكركي وهاجوا على مشايخهم. وأصبح البطريرك في موقف حرج، فأرسل ينبئ يوسف كرم بالواقع”. أوفد الأخير أسعد بولس وآخرين للاستطلاع، وبسبب خطورة الموقف، رأى الوفد ضرورة تدخل كرم بصورة شخصية، فلبّى الطلب، لكنه فوجئ بالحصار الذي أقامه الفلاحون أمام مدخل بكركي والموجّه ضد المشايخ الموجودين في الداخل. فرأى يوسف بك أن يحلّ العقدة الأولى من المشكلة وهي إنقاذ المشايخ. وبعد جهد “وجدال طويل تفرق القوم عن باب الكرسي، وسرنا والمشايخ الخازنيين حتى أوصلناهم الى بيروت بأمان. ثم عدنا الى بكركي”. خلال لقائه بالبطريرك، لخّص يوسف بك له معلوماته التي سمعها من قنصل فرنسا، حول المشكلة على النحو الآتي: “ما هذه الحوادث إلا مؤامرة دبّرت خصيصاً من الباشا خورشيد والأمير بشير أحمد أبي اللمع قائمقام النصارى، فأقنع المشايخ بأن تخلصوا من البطريرك إذا شاؤوا المحافظة على مراكزهم، وتهييج الأهلين على أن يتخلصوا من المشايخ إذا أرادوا الحصول على حريتهم”.

على ذكر المؤامرة، فإن صاحب المذكرات كرر فعل إيمانه بها، وهذه المرة كان طانيوس شاهين هو المتآمر ولكن ضد يوسف بك وليس المشايخ، وعلى النحو الآتي، وفق ما ورد في الحلقة العاشرة الصادرة في 21 نيسان 1932: “طلبت الحكومة الأموال الأميرية، فـأوعز المبغضون الى طانيوس شاهين الريفوني أن يقف في وجه البك ويحضّ الأهلين على عدم دفع الأموال، حتى اذا تعذر جمعها، تطرق الخلل الى البلاد، فتعرقلت أعمال يوسف وتشوّشت اجراءاته. لذلك قام يوسف بك بمن معه من القوة والرجال الى ريفون. فتصدى لنا رجال طانيوس في الطريق وأطلقوا بنادقهم علينا. فصحنا بهم، فولّوا من أمامنا مدبرين. وظللنا نطاردهم حتى قبضنا على أربعة، واحتللنا منزل الزعيم بريفون. ثم جمع يوسف بك الأهلين ونبههم الى دفع ما عليهم من الأموال، فلم يلبثوا أن جمعوها”.

تتابعت الحوادث لغير صالح يوسف بك وساعده الأيمن أسعد بولس والاهدنيين . سافر يوسف بك الى الاستانة وبقي فيها سبعة أشهر في شبه إقامة جبرية. ثم انتقل الى أوروبا. يقول أسعد بولس في الحلقة 31 الصادرة في 28 آب 1932: “علمنا ان البك جاء بلاد اليونان وفاوض رجال حكومتها بشأن اعداد حملة يتولى قيادتها ويسير فيها الى لبنان. واتفق معهم على أن يسلّفوه النفقات اللازمة. واطلع المطران الدبس – يوسف – على مسعاه. وطلب اليه ارسال 25 رجلاً من نخبة للانتظار في الاسكندرية ليكونوا ضباطاً في الحملة وادلاّء للجيش”. سرعان ما “درت الحكومة بالأمر. فكانت النتيجة ان قبضت السلطة على الرجل الثاني في حركة يوسف بك وهو صاحب المذكرات، ونفي الى اسطنبول. وبعد اربع سنين وعشرة أشهر أُفرج عنه من غير أن يصدر حكم قضائي بحقه باعتبار أن اعتقاله كان لأسباب سياسية. وموضة هذه الاعتقالات المفتوحة كانت ولا تزال دارجة في العالم الثالث.

قبيل وصوله الى زغرتا، بدأ اطلاق النار احتفاءً بأسعد بولس. وعندما خرج من الكنيسة الزغرتاوية واتجه نحو منزله “اشتدّ صوت البارود”. وظل عشرين يوماً يتلقى التهاني من زغرتا وقضائها وعموم الشمال، ثم ردّ الزيارات الى “أفندية طرابلس وأغوات الضنية وبكوات عكار”. كذلك انتقل الى الكورة والجبة والزاوية وردّ الزيارات الى “المشايخ والأعيان والوجوه والكهنة والراهبات”.

ختم اسعد بولس المذكرات في الحلقة 41 الصادرة في 14 تشرين الثاني 1932 بثلاثة أخبار عن يوسف بك كرم، أولها أن “مكاتيبه اليّ صارت بلا انقطاع”. الثاني أن الافرنج أرسلوا “إملين وأخاها الى زغرتا لادارة شؤون أملاكه. فأبدينا عدم موافقتنا لأنهما يجهلان لغة البلاد وعوائدها، ومما قلته له: وسّع فكرك وأرزاقك ليست ثوباً لينقطع، وبكرا متى عدت الى الوطن كل أرزاق الناس تقدم إلك.

فجاوبني أنه موعود خيراً وقريباً يحضر”. أضاف خاتماً بالخبر الثالث المفجع: “بينما نحن بانتظار عودته الينا، اذ بنعيه يبلغنا فجأة. فحزن عليه الوطن حزناً كبيراً لأنه كان كاملاً في صفاته ونموذجاً صحيحاً وقدوة وطنية صالحة ومثالاً قويماً في مبادئه الشريفة”.

تبقى الحلقات المختصّة بالثورة التي قادها يوسف بك كرم ضد السلطة التركية في جبل لبنان ومتصرفها داود باشا، فمن المفيد إعادة نشر بعضها في حيّز هذا التحقيق، وخصوصاً أن كاتبها كان الرجل الثاني فيها.

العودة من الاستانة، بدء الثورة

وانتقل يوسف بك من الاستانة الى مصر بإذن الباب العالي.

ولما عُلم بأن داود باشا تجددت ولايته على لبنان لخمس سنوات سافر الى إزمير ومنها الى أسكلة طرابلس. فصعد من المركب وأبقى أمتعته فيه، فخرج الى البرّ وبودّه لو تصدى له أحد أن يقول: إنني ذاهب لمقابلة قنصل فرنسا. وإذا لم يعترضه أحد يصعد الى زغرتا.

ولما لم يتصدَّ له أحد ركب ومعه رفيقه الخاص بطرس الجر. وبقي رفيق آخر له في المركب مع الأغراض.

وصل البك الى زغرتا. فطلب أولاً مفتاح الكنيسة فدخلها. وكان خبر قدومه قد شاع للحال وتكاثر الناس، فحضرنا وأخرجناه من الكنيسة وحملناه على الأكفّ وهو يقول: اتركوني. لكن لم يكن أحد يسمع له. وما زلنا حتى بلغنا به باب داره، فدخل إذذاك وصار الناس يدخلون ويخرجون، وصوت البارود يملأ الفضاء كل ذلك الليل الى الصباح.

فطلب الى الجماهير أن تتركه يرقد قليلاً فأعطيناه مهلة. ثم بعثنا مَن يحضر الأمتعة من المركب. وكان مراد الحكومة أن تتوقف عن تسليمها لكنها خافت وسلّمتها. وتكاثر الناس حتى لم تعد الطرق تسع، فقلنا له أن يخرج الى الساحة حيث يوجد مكان للقادمين عليه، فخرج وإذا برجال إهدن قد اطلّوا وهم يزيدون على خمسمئة (وضجّ البارود) وبقي إطلاق النار حتى خيّم الدخان مثل الضباب الى أن أقبل الليل. وهكذا ظل الناس يتواردون عليه كل يوم من جهات لبنان وطرابلس والضنية.

ومرت الأشهر الاولى بعد وصول البك على سلام. وسافر داود باشا الى عاصمة السلطنة في حزيران سنة 1865.

وفي (التشارين) الخريف عام 1866 عاد داود باشا من الأستانة على ظهر باخرة حربية أطلق عليها اسم “لبنان”. وتجددت ولايته على 5 سنوات وبدلاً من أن يصرف الشتاء في مركز المتصرفية، أقام بجونيه.

وكان قد دخل طابور عسكر (تركي) الى قرية إيعال، وهي على مسافة قريبة من زغرتا، ونزل طابور آخر في دير بكفتين، فأخبرنا البك بهذا. فقال: إن هذا العسكر إنما هو للتهويل فقط، إذ لا يمكنه أن يقاتل بلبنان. وليس للمتصرف إلا 1500 جندي و400 من الدرغون. وهذه القوة نتمكن من التغلب عليها بقوة الله، إذا أرادت قتالنا.

ولما كان داود مقيماً في جونيه ولديه قوة كافية. فقد قبض على واكيم باخوس وجرجس البواري وأخيه وغيرهم من كسروان، وعرف يوسف بك بذلك وكان في إهدن ومراده يقضي الشتاء فيها. فكتب الى خالي أبي حسون أن يوافيه ببعض الرجال.

فأتاني خالي أبو حسون وقال لي هيئ فرسك لنسير. وقمنا من زغرتا وكنت راكباً فرسي. فالتقينا بيوسف بك على المخلط خارج كفرحاته وحييناه بالسلام فقال: إنني لا أريد الكثرة لأن العسكر قريب من زغرتا. فسرنا معه والناس تتبعنا الى أن بلغنا قلعة المسيلحة، وكان هناك نفر من عسكر داود باشا، فأسرعوا لإنبائه مدبرين. وتابعنا سيرنا الى أن بلغنا البترون. وقد انضم الينا جماعة كبيرة من مشايخ بيت أبي صعب ومشايخ بشراي ومشايخ بيت الضاهر وبيت العازار من الكورة، حتى كان عرضنا (حشدنا) مثل عامية لحفد يوم قاموا على الأمير بشير الكبير.

وقد رحب بنا أهل البترون أيما ترحيب وكان ذلك في 3 ك 2 سنة 1866

موقعة المعاملتين 6 ك2 سنة 1866

ونهضنا ثاني يوم من البترون قاصدين غزير فبلغنا نهر ابراهيم وهناك عبر البك أن المسيو الطاب معملجي العسكر توجه إلى غزير بعشر فرق. فرأينا أن ننزل في دير ما ر دوميط البوار حيث بقينا يومين.

وفيما نحن هناك جاء رجل بشراني من قبل الشيخ خليل أبو شبل، يقول: رجال يا أصحابي، لقد وصل الدرغون. وكان البطريرك كتب إلى يوسف بك أن يخفف حشده وينتظر الجواب الرسمي للاجتماع مع المتصرف والقنصل والبطريرك. غير أن جماعة ممّن لا يحبون الاتفاق هيّجوا الشر ودفعوا فرسان الدرغون فنهضوا من المعاملتين إلى طبرجه. ولما بلغنا الصوت من كشافتنا. أرسلني إلبك أنا وأبي حسون إلى طبرجا لمعاينة النقط، فرأينا الدرغون يتقهقرون، وبطرس توما يصيح بصوت جهوري فأسكتناه وتتبعنا آثار الدرغون إلى الأكمة فرأيناهم يقيمون المتاريس عند الدكاكين. ثم أرسلنا دوميط الحقاني ليأتينا بأوامر البك، وكنا العبد الفقير وبشارة كرم وأبي طن أنطونيوس وغناطيوس معوض وغيرهم. وحذرنا بطرس توما من تحريك الشر، لأن المداولة جارية بالصلح.

لكنه أخذ بطرس نمنوم والكوكو وسار معهما دون إرادتنا. ورأيناهم نازلين إلى الشاطئ وتبادلوا القواس مع الدرغون الذين وجهوا بواريدهم صوبنا فأصبح مركزنا حرجاً وخطراً. فصحت “هجوم” واشتبكنا دون نظام. وكان البك قد أرسل أكثر الرجال البشرانية وبيت بو صعب ورجال تنورين إلى غزير، وتولى هو قيادة رجاله، إذ لم يبق معه من الإهدنيين من يصلح للقيادة. وركب بما بقي معه من المشاة والخيالة من المشايخ بيت الضاهر وبيت العازار ومشايخ بلاد البترون، وسار حتى بلغ دكان أدما.

أما نحن فبقينا منفصلين عنه. وطاردنا العدو حتى اجتزنا نهر المعاملتين فصحنا برجالنا أن لا يهتموا بالدرغون بل بالعسكر القادم لنجدته، ولكن كنت أنا وسمعان صالح وأربعة رجال فقط – حيث خوالي بعدوا عني مع فرقتهم وأصبحوا على ميمنة الدرغون – ولو كان عددنا كافياً لأسرنا الدرغون وصدمنا العسكر الشاهاني.

وإذ ذاك نزل علينا جماعة من أهل غزير فأطلّوا على الشمشار، وهم يحدون باسم يوسف بك. ثم أخذوا يطلقون النار علينا، ونحن نهاجم العسكر الشاهاني، فلم يعد لنا مفر إلا من جهة العدو.

وخرج فرسان الدرغون لمطاردة رجالنا وأخذوا تل المعاملتين عرضياً فخرجنا تحت سيل من رصاص البنادق إلى قمة التل فوجدنا نفراً من رجالنا فصحت بهم: إلينا إلينا.

وعدنا وهجمنا على الجنود الكثيرة التي كانت تتبعنا فأوقفناها قليلاً إلا ان العساكر المنظمة كنا يلحق بعضها بعضاً والنجدة تأتي تلو النجدة. ومع هذا فقد تمكنت من الثبات فوق تلك التلة على الرغم من قلة عدد رجالي.

وأما يوسف بك فكنت مشاهده من على الأكمة وهو على طريق الحافر راكباً ومن حوله بعض الرجال. ولكن أنى له نجدتي ويفصلني عنه العساكر الشاهانية وفرسان الدرغون.

وأخيراً لم يعد بوسعي الصمود في وجه العدو أكثر، ومعظم رجالي فرغ منهم البارود والذخر. فأخذت بالانسحاب بنظام، والعدو يمطرنا بوابل رصاص بنادقه ويطاردنا، حتى بلغنا بلاطة الغرباء. ومن جهة طريق غزير كان البك قد أرسل الرجال بقيادة الشيخ مخائيل طربيه وبطرس غسطين من بشراي، فساروا في تلك الطريق حتى أطلوا على الوادي والعدو مقابلهم في الجهة الأخرى. فأصيب الشيخ ميخائيل برصاصة في جبهته. فتفرق رجال وبعضهم تقهقر.

بعد ذلك اجتمعت أكثر الرجال حول البك عند الجسر واجتاز بعض الرجال النهر، وقد غمرتهم المياه وبقي بانتظارهم إلى أن اجتاز الجميع. وقتئذ أخبرناه ان الشيخ بولس العشي قتل ولا بد من الرجوع لإحضار الجثة فقال: ان الرجال ما عادت تنفع. واضطررنا أن نتفق مع بعض الأهلية فدفنوا الجثة، لأننا صرنا في خوف من مداهمة العدو زغرتا، فعجلنا المسير راجعين ودخلنا زغرتا ليلاً بعد عذاب ومشقة.

موقعة بنشعي الكبرى الاحد في 28 ك2 سنة 1866

أما البك فإنه ما كاد يدخل زغرتا بعد عودتنا من المعاملتين ويأكل لقمة، حتى نهض ودبّر أموره وصعد تلك الليلة الى بنشعي، إذ لا بد أن تلحقنا العساكر الى زغرتا، وقد رأى أن القتال لا يوافق فيها. أما الأهالي فيصعدون بعيالهم الى إهدن. وهكذا فإنهم تفرّقوا في القرى، وقرروا أن يكون ميدان القتال في بنشعي. واذ علم كرم بأن شقيقه ميخائيل باقٍ في زغرتا، انحدر وأتى به مخافة أن يستقبل قائد العسكر ويسلم له. مما يكون له تأثير سيئ.

وفي 21 ك2 1866 دخل أمين باشا زغرتا بجيش كبير ونزل في دار يوسف بك. ولما لم يجده عاد أدراجه. وقد نهب العسكر بعض المنازل وأحرق بعضها وترك الخراب يجرّ ذيوله عليها.

وتوسط جماعة من أعيان البلاد وسيادة المطران بولس موسى بأمر الصلح، وتبادل يوسف بك وأمين باشا المفاوضات الخطية. بعد ذلك تقرر الاجتماع في مار يعقوب كرم سدة كرسي رئيس أساقفة طرابلس يوم السبت في 27 ك2.

وفي الوقت المعين اجتمع كرم والقائد العثماني والمطران بولس وفريق من الأعيان وبعد الأخذ والرد اتضح أن البك لم يكن متمرداً على السلطة، وطلب اليه أن يوقّع تعهداً خطياً بطاعته فوقّعه للحال. ووضع سيفه دلالة على احترامه السلطة العسكرية لا داود. طالباً جلاء العسكر التركي عن الجبل فوعد أمين باشا بذلك بعد مفاوضة المتصرف.

وكان البك قبل ذهابه الى مار يعقوب كلّفني أن أتوجه بفرقتي المؤلفة من ثمانية وأربعين رجلاً الى قرية عرجس على مفرق طريق الكورة والزاوية لأقطع اتصال العساكر ببعضها. وأرسل خالي أبي حسون وفرقته الى جهة مرح الكفرصغابي ووجّه بطرس توما الى كفرياشيت.

ولما كنت في كفرفو اتنقل لمعاينة نقط فرقتي شاهدت الدرغون وبعض العساكر الشاهانية يقتربون من الدير.

فطلعت الى الدير برجلين وأوصيت فرقتي أن تكون على استعداد. فما كدت أصل الى مار يعقوب حتى تعالت الصرخة. إذ بلغ يوسف بك أن فرسان الدرغون طوقت الدير، والعساكر زحفت من زغرتا ومن إيعال الى بنشعي لأخذه أسيراً، فلفت نظر القائد الى ذلك فأجابه بالتركية “ظرر بوق” (أي لا ضرر) وأن اجتماع العساكر هو لإجراء السلاملاك المألوف، وأوصل من ساعته من أوقف تقدم العسكر. ولكن الهياج أخذ في الازدياد. وانفرط عقد الاجتماع، وسار القائد الى زغرتا وعاد يوسف بك الى بنشعي وأنا عدت الى فرقتي المرابضة على مفرق طريق عرجس.

وبقيت كل تلك الليلة ساهراً وأتفقد النقط المنتشرة من فرقتي في قرى عرجس وكفرفو وشمشار بو علي.

ولما كان صباح يوم الأحد خرجت فرق العساكر الشاهانية واللبنانية التي في زغرتا ولبثت الفرق التي في بكفتين وإيعال في مراكزها. وبلغت العساكر دير الجديدة وعسكرت الى جانبه وكانت كشافتنا منتشرة في كفرياشيت ونحن في عرجس نترقب، ولم يمض أكثر من نصف ساعة حتى تبادل الفريقان إطلاق الرصاص. فنزلت بـ8 من رجالي من عرجس وبقي الأربعون الباقون يناوشون العدو في طريق داريا وكفرفو، وانحدرت الى سهلات الجديدة وفي طريقي شاهدت أهالي القرى ينهزمون أمام عيني فانتهرتهم. وناديتهم أن لا يفرّوا وبهذه الصورة مخافة أن يظنّهم العدوّ من رجالنا. فيطمع فينا وتقوى شكيمته وشوكته. وإذ ذاك كان قسم من الأتراك يقاتلون رجالنا في كفرياشيت وقسم يهاجم فرقتي في عرجس. وكنت أنا الوحيد مع الثمانية في سهلات الجديدة مشاهداً الموقعة وعلى الرغم من موقفي الخطر في تل السهول الجرداء وقلة رجال لم أرَ بدّاً من مهاجمة العدو المسرع الى عرجس للقضاء على فرقتي الخاصة. فأصليناه ناراً حامية، وأطلقت وحدي خمس عشرة طلقة وكنت راكباً جوادي الذي اشتريته من أمير حرفوشي وما زلنا حتى أرجعنا العسكر فاتصل بخط كفرياشيت ولم نعد قادرين على الاتصال برجالنا الذين كانوا هناك. فسرنا الى عرجس ومنها الى بنشعي ونحن نسمع صوت الرصاص وضجيج الأبطال لأن المعركة قد اشتدت.

وصلنا بنشعي فرأينا خطّ العسكر ممتداً منها الى الخرائب التي قرب مفرق طريق سبعل. فأطلقنا عليهم بنادقنا ودهمناهم بالهجوم الشديد والصراخ المخيف حتى ضعفت عزائمهم. وكنا قد عدنا الى بيوت شبشول وهاجمنا متاريسهم فانهزموا شر هزيمة.

ثم هجمنا بخطّ عريض كأسنان المشط فنزل الفشل بالعسكر وتشتت في أرض كفرياشيت.

ثم عاد فجمع قواه وأخذ يطلق علينا الرصاص بانتظام، إلا أنه فشل ثانية وتشتت في كلّ واد، تاركاً صناديق الذخائر الحربية، واستولى عليها رجالنا فزادتهم قوة. وغابت الشمس ونحن نطاردهم الى نهر جوعيت، وظل بعض رفاقنا يتتبع آثارهم الى نهر جوعيت فنهر رشعين، وبعضهم الى حارة نوفل عند أبواب طرابلس.

وبعد هذا الانتصار عدنا الى بنشعي، وقد خسرنا ثمانية من رجالنا منهم ستة من إهدن وهم: يوسف الحلبي المكاري ومخايل جبور سعاده من (فرقتي) ومخايل حبيب دحدح وبطرس موسى فرنجيه وبطرس اسحق معوض ويوسف الصوص (من باقي الفرق).

أما خسارة العدو فزادت على 400 رجل من القتلى، وشيء لا يحصى من البنادق والذخائر.

ورأينا ثاني يوم أن نواصل الزحف على نقط إيعال، زغرتا ومن هناك نواصل الزحف الى مركز المتصرفية ونستولي على الحكومة العسكرية والملكية فيها ونوطد دعائم الاستقلال المنشود. ونستريح من داود ومداخلة الأجانب في أمور الجبل لكن البك أبى ذلك قائلاً: ليس من حقنا الاعتداء على قوة الدولة، وما علينا إلا أن ننتظر ما يدبّرنا به الرب.

أما المعركة فقد دامت نحواً من 12 أو 13 ساعة وكان عدد العساكر أكثر من سبعة آلاف عدا الدرغون والجند اللبناني وعلى رأسها أمين باشا وثلاثة بشوات غيره والمسيو الطاب معلمجي الجند اللبناني ومراد بك التركي. وكان الضابط اللبناني الباسل سليم بك طرابلسي الذي اصبح في ما بعد أميرالاي الجند اللبناني. وعلى ذكر سليم بك طرابلسي لا بد لي من التعرض لسرد قضية ولو كانت شخصية وقعت لي معه وكانت سبب صداقة دائمة بيننا واليكها.

انفردت صباح الأحد في أول معركة بنشعي عن رجالي وذهبت الى كرم زيتون فوق عرجس لحاجة في النفس. واذذاك نفدت فرقة الدرغون وعلى رأسها ضابط تركي والضابط سليم طرابلسي اللبناني. ولم يكد يقع عليَّ النظر حتى سمعت سليم طرابلسي يقول للضابط التركي:

إن هذا الرجل إن لم يكن يوسف كرم فهو من قوّاده النافذين. فمر ليقضي عليه. سمعت ذلك ولم أتزحزح من موقفي. أما الضابط التركي فلم يجب بل ظل سائراً الى أن بعدوا عني كثيراً فانسليت وعدت الى رجالي.

مرت الأيام وتعاقبت الحوادث والمواقع بيننا وبين عساكر الدولة الى أن كانت موقعة وادي مزيارة التي سيأتي تفصيلها وأُخذتُ اسيراً فيها وساقوني الى بيت الدين. دخلتُ السجن وما هي الاّ دقائق وإذ بضابط يدخل عليَّ ويُخرجني لمقابلة سليم بك طرابلسي. قابلته فأحسن معاملتي وأخبرني أنه طالما تشوق لمعرفتي ومقابلتي بعد موقعة بنشعي وسألني: لماذا لم تحاول الهرب يوم داهمناك في كرم الزيتون بعرجس.

أجبت – لم أهرب لأنني لو فعلت ذلك لكنتم طمعتم بي. لذا قررتُ الثبات.

فقال – حقاً بعدما بعدنا عنك عاتبتُ القائد التركي لعدم سماحه لنا بإطلاق النار عليك. فكان جوابه: لا يوافق عسكرياً فعلى ما يظهر أن الرجل شديد لدرجة أنه لم يخف من كثرتنا وهذا دليل على أنه سوف لا يستسلم بل إنه مستعد أن يقاتل وربما أكون أول من يُصرع برصاصة.

ولبثنا في بنشعي بعد الموقعة. وصارت الدولة تحشد جيشها. ونحن لا علم لنا بشيء من ذلك وأوشكت المؤن أن تنفد. وفرغ بيت يوسف بك وأكثر بيوت أهالي إهدن من الحبوب بسبب نهب العساكر لها وحرق بعضها. فكلّفني البك أنا وأبي حسون أن نتوجه لجهات بلاد البترون لجلب المؤن. ثم أردف قائلاً: اذهبا الى بلاد جبيل مخافة أن تصطدما بالعساكر اللبنانية والدرغون الذين ذهبوا اليوم الى البترون. اما أنا فسأصعد الى سبعل حيث العساكر بدأت تتحرك من زغرتا وإيعال الى بنشعي.

هذا ونحن سرنا الى الكورة والبك صعد الى سبعل. وصلنا الكورة واجتمعتُ الى خالي الشيخ بشارة كرم الذي جاء لأجل المحافظة.

موقعة سبعل الخميس 1 آذار سنة 1864

وإذ ذاك نشب القتال بيننا وبين العسكر اللبناني وكان منبثاً في تلك الجهات، في كوسبا وأميون. وتمكنّا من تشتيت شمل عسكر القائمقام ففر الى طرابلس لا يلوي على شيء، وكان عدده 200 بقيادة أحمد آغا عبد الواحد الذي كان خصماً للزغرتاويين وكاد الخصام يقع بين رجالنا والبعض من أهالي الكورة الذين دخلوا في الخدمة العسكرية، واذا بأمر يوسف بك يشهر على الرجال وفيه يوصي بالمحافظة من كل اعتداء اهلي.

وقبضت السلطة على الشيخ أبي قبلان العازار بحجة أنه من حزبنا وساقته الى طرابلس فبيروت.

بعد ذلك تابعنا سيرنا الى بلاد البترون وعسكرنا في قرية عبرين.

وفي اليوم التالي وجهت فرقة بمعية سمعان صالح ترابط في جسر المدفون وفرقة ثانية في قلعة المسيلحة. وطلع العسكر الشاهاني واللبناني وجرت بيننا وبينه في دكان فدعوس وجسر المدفون وسمار جبيل (25 و28 شباط) مناوشات شتتنا فيها شمل العسكر على الرغم من أن أكثر الرجال كانت تجهل حركات وخطط القتال ومنهم كثيرون لم يحسنوا إطلاق بنادقهم وكان بلغنا أن العسكر يحشد جمعه ليصعد الى سبعل ويقاتل يوسف بك. فأرسلنا ساعياً للاستفهام عما اذا كان يوافق ترك موقعنا والحضور اليهم فجاء جواب يوسف بك بوجوب البقاء في بلاد البترون.

وثاني يوم سمعنا إطلاق العيارات النارية بصورة متتابعة وعقد الدخان فوق أراضي سبعل وبنشعي فأيقنّا ان العسكر هاجم البك. فنهضت أريد الذهاب مع بعض رجالي للاشتراك قي موقعة سبعل. فأمسكوا عليَّ فرسي أهالي البترون ولم يتركوني أعود ومما قالوه لي: الآن وقد تهيّج العسكر وأصبح موقفنا خطراً تتركنا وتذهب فهذا لا يوافق فعدت أبقيت خالي أبي حسون للمحافظة على الأهالي. وسرت وحدي وفي الطريق انضم اليَّ بعض الرجال وبلغت طرزا حوالى الساعة 2 ليلاً. فرحب لنا مشايخ بني الياس أيما ترحيب. وحاولتُ أن أتابع السير الى حيث يوسف بك. فخبروني أن البك ربح موقعة سبعل. وصعد الى إهدن فسكن روعي نوعاً. ومع بزوغ فجر اليوم الثاني نهضتُ بالرجال وسرنا الى كرسي مار يعقوب كرم سده فطلع لملاقاتنا الخوري بطرس سعاده ومعه جماعة.

وأبلغوني أن البك طلع لإهدن والمخابرة جارية بالصلح، فنستحلفك بمروءتك أن لا تحرك ساكناً مخافة أن يقع ضرر جديد على البلاد والعباد. فامتثلنا لإرادتهم. وظللنا سائرين حتى بلغنا إهدن بطريق ناووس أيطو.

وصلنا الى إهدن فرأينا أهلها يخبئون أمتعتهم وأغراض بيوتهم من نحاس وفراش الخ… ولم أكد أرتاح حتى نفد خالي أبو حسون من عبرين واستحضر لي فرسي معه وغب السلام سألني عن حالة الأهالي فأجبته أنها حالة غير حسنة.

وفي المساء نزلتُ الى دير قزحيا حيث والدتي وثاني يوم طلعتُ الى قرية بان ثم الى عين بقره ومن هناك شاهدتُ – ويا هول ما شاهدت – شاهدت العساكر تدخل إهدن من جهة المطل وفي المقدمة الخيالة ومعهم كهنة من إهدن ومن الكرسي الأسقفي وقد طوقوا البلدة بالعساكر مخافة أن تكون رجالنا كامنة لهم. ومكن ثم دخل القواد ونزلوا في حارة يوسف بك. وفي اليوم التالي ودعتُ أهلي وتركت إهدن بفرقة من رجالي وسرت متتبعاً أثر البك الى أن بلغت كفور العربي فالبصة فدير ميفوق حيث تركنا البك هناك. ولما أشرفنا على الدير حَوربنا فعرف صوتنا فنهض لاستقبالنا (وأخذني مصافحة) وبعد التحية أخذ يسألني عن أحوال الأهالي ودخول العسكر الى إهدن فأخبرته لما أصابهم من الضيق والشدة وتشتت الشمل خاصة في ذلك الطقس البارد. فكان يقول: الله يفرجها علينا وعليهم.

موقعة إهمج

وعرفنا أن الحكومة درت بوجودنا فنهضنا الى جاج ثم دعينا الى مشمش وتناولنا الطعام في بيت الياس شحاده، وسرنا من هناك الى جاج فترتج فبشعله. وكان المسيو الطاب قد جاء بعسكره الى ميفوق وذهب الى إهمج، وشدد النكير على أهلها بحجة التفتيش عن البك اذ نسب القتال بينهم وبينه بجوار اهمج (4 آذار) وطلبوا الى يوسف بك أن يساعدهم فأرسلني اليهم على رأس ثمانية رجال منهم الكوكو وبطرس نمنوم وسمعان صالح. ولما وصلنا وجدنا الأهالي كالغنم النافرة، فصحنا بهم تشجيعاً لهم وأخذنا بإطلاق الرصاص على “الشلاشة” حتى أرجعناهم على أعقابهم، وقد كادوا يدخلون القرية، وانهزم العسكر ونحن نطارده مسافة 4 ساعات حتى مار مارون عنايا حيث فصل الظلام بيننا وبينهم ودامت هذه المعركة 11 ساعة ذهب فيها بعض القتلى. ورجعنا الى البك فوجدناه موقد ناراً فارتمينا بجانب النار وأحضروا لنا كام رغيف خبز فأكل كل منا رغيفاً واسترحنا مدة قصيرة من الزمن.

موقعة عيناته أو وادي النسور

ونهض البك ونهضنا قاصدين قرطبا في ذلك الثلج ويرافقنا القس ارميا نجيم من الرهبانية الحلبية. فسألته هل تقدر يا أبت على السير في هذا الثلج فأجاب: الله يعين يا ابني أسعد. فسرنا وكانت البغال تحمل جبخانة وسيسنة وحصار، وبتنا تلك الليلة في قرطبا. وعند الصباح أفطرنا في الدير وسرنا من هناك الى العاقورة وأهلها معروفون بالشجاعة وخرجوا لاستقبالنا وعرضوا علينا أن يسيروا معنا الى مناوءة العسكر فشكرنا لهم علوّ همتهم. وأقمنا في ضيافتهم ثلاثة أيام.

وبلغنا ونحن في العاقورة أن المتصرف ودرويش باشا بعد أن أقاما في دار يوسف بك أمراً بنهبها وإضرام النار في جوانبها وظلا واقفين على شرفة ينظران إليها حتى احترقت. فساء البك ذلك وقال “ليست هذه أعمال وزراء، يحرقون داراً قاموا فيها مكرمين، إن هذا عمل شائن”.

انحصرنا في العاقورة ولم يعد بوسعنا الرجوع الى الزاوية أو الجبة لما فيها من العساكر الواقفة لنا بالمرصاد.

أخيراً قرر البك أن نتوجه الى عيناته وهي مزرعة بعيدة ومنقطعة عن العمارة في أعالي الجبال بين بعلبك والأرز. وبالرغم من إلحافي عليه بأن توجهنا الى بلاد كسروان يكون أوفق فلم يقبل. ومررنا بطريقنا الى عيناته ببحيرة اليمونة المشهورة التي يفيض ماؤها شتاء ويفيض صيفاً. وكان يرافقنا الشيخ خليل شبل عيسى الخوري فبلغنا عيناته بعد الغروب بساعتين. وكان الجوع قد أضنانا فقسم البك الذهبة (المؤن) فأصاب كل نفر رغيفاً. وما كدنا ننتهي من الطعام حتى أخذ الاهالي بالعويل وصاروا يتذمرون لخوفهم من قدوم العسكر. وسمعنا الأهالي يقولون الى الشيخ خليل أتيت تقصد خراب بيوتنا ولولا ذلك لما أحضرت لنا يوسف بك. سمع يوسف هذه الكلمات فقام وقال لهم لا تخافوا يا اخوان. واصبروا ريثما ينتهي الرجال من مناولة الطعام ونرحل عنكم. فسكنوا قليلاًً ثم عادوا. تعالى الصراخ من جديد فنهضنا وفي يد كل منا رغيف من الخبز وسرنا في تلك الجبال المقفرة الجرداء والثلوج تغمرنا فدخلنا وادياً هناك يُعرَف بوادي النسور في منعطف لبنان من جهة بعلبك وفيه كهف، فرأينا أن نقضي ليلنا فيه مخافة أن يبيدنا البرد والصقيع فلم يوافقنا الأمير سليمان الحرفوش على هذا الرأي لخوفه من مجيء العسكر. وكان تخوفه في محله لأننا سمعنا نباح كلب، لكن لم يخطر ببالنا أن بعلبك القريبة منا يربطها التلغراف بسائر ولايات الدولة.

فقمنا نمشي على الثلج والبغال تتساقط ونرفعها، وتتساقط ونرفعها كأنه لم يكفنا تعبنا. تابعنا السير مسافة ظننا بعدها أننا أضحينا بمأمن من مداهمة العسكر، فأضرمنا ناراً وقضينا ذلك الليل في العراء. فكنا ندفئ يدينا فتجلِّد أرجلنا. الخلاصة كانت ليلة شديدة قاسية.

وقبل أن نترك عيناته أعطى البك رجلاً عشر ليرات افرنسية ذهباً ليشتري طعاماً ويلحقنا إلى الجبل. لكن أصبح الصباح ولم يصل أحد الينا بالمؤن. فقمنا وصرنا ننتقل من مكان إلى آخر الى أن أصبحنا فوق الهرمل. فرأينا رعاة بقر وعرفنا منهم أن خيالة الدايباشية في عقبة الرطل القريبة وكلف الأمير سليمان الرعاة أن يذهبوا الى قريتهم ويأتونا بذبيحة وشيء من الحنطة، فقالوا أمرك. وأعطاهم البك أربع ليرات ذهباً، ليرتين قيمة الثمن وليرتين على سبيل الإكرام. وعند نصف الليل وبعد أن كدنا نقطع الأمل من عودتهم، عادوا الينا ومعهم كيل طحين وثني ماعز، فأخذ كل منا قطعة لحم وحفنتين من الطحين عملناها مسلة وسدينا جوعنا.

وعند الصباح قال الأمير الحرفوشي: يا مشايخ لقد سُدّت الطرق والمنافذ في وجوهنا، والرأي يا بك أن ترجع إلى جهات إهدن وتختفي مع أبو حسون وأسعد بولس وخادمك، فإذا نزلت بك لا سمح الله مصيبة كنت قريباً من أهلك. أما أنا فإنني أختفي في مغارب جباع بجبل اكرم، ومتى صارت الأرض تحمل راجلها أعود إليك. والآن قبل أن اودعك أقول: لقد شاع انني تبرطلت على قتلك، وكتب اليّ بعضهم يقول إنك تريد تسليمي الى الدولة، فلست أصدِّق أنك تغدر بي ولا مفر لي من يديك. فأجابه كرم: إن هذا الكلام لا نصدقه لا نحن ولا أنت. ثم ودعنا وانصرف وهو يبكي حتى أبكانا. وسار شمالاًً.

ونحن سرنا قبلة غرباً فنفدنا على أرض السواح ودخلنا وادي النسور. وكنت ذهبت وبعض الرفاق في ذاك الوهد وباقي الرفاق والبك من ورائي يسيرون. فسأل البك أبو طن عني: أين ابن اختك أسعد وقل له لا يبعد عنا لئلا يداهمنا العدو ونحن متفرقون فطلع أبو طن الى شمشار وناداني بوجوب انتظار البك فانتظرنا. وجلسنا على الحجارة في الشمس ونزعنا أحذيتنا. وإذا بنا نسمع صهيل الخيل، فقلت: ما هذا فأجابني بعض الرفاق: ربما يكون خليل بو شبل أتانا بالذخيرة والمؤن. فأشرفت من أكمة فرأيت فرسان العساكر قد ملأت الوادي. فصحت بالرفاق: دهمتكم الخيل، وهجمنا على العسكر هجمة شديدة والعدوّ يصيح بأرضكم… وتساقط الرصاص علينا كالمطر فقابلنا العدوّ بالمثل. وسقط من العسكر أول وثاني خيال. وزاد عدد الفرسان وتدفق الرجال علينا من كل جهة وصوب. لكننا لم نحفل بكثرة العدو بل رددنا هجوم الفرسان ودحرناهم عن الأكمة واتخذناها مركزاً لنا. وإذا بالرصاص يأتي من خلفنا والتفتنا لفتة اليائس، فرأينا أبا حسون ومعه اثنان من رفاقنا، فتشددت الرجال وضربنا الخيالة والمشاة ضربة عظيمة وكنا كلما زاد توالي القوات زدنا حماسة وجرأة. وأسفرت النتيجة عن انهزام العسكر وتشتت شمله وأدبر لا يلوي على شيء.

وبعد المعركة اجتمع الرجال ما عدا طنوس نصور كرم واسطفان يمين فعدنا الى جوار عيناته نفتش عليهما. وأرسلنا أنطون غزاله وديب البتروني لعند البك. وقلت لهما ربما تجدانه على عيون أرغش. فإن وجدناه فلا تعودا الينا. بل ليطلق أحدكما طلقين رصاص. وأفهما البك أننا بعد أن نلتقي بالمفقودين سنتوجه إلى إهدن بطريق الأرز وننتظره في دير مار سركيس إهدن.

وهكذا كان فذهبا ووجدا البك على العيون وأجريا العلامة المعهودة. ونحن عدنا إلى شمشار عيناتة نفتش على الرجلين. فالتقينا بهما. وكاد الجوع يقتلنا، إذ لم نكن ذقنا طعم الأكل بعد ان فارقنا الأمير الحرفوشي، وفي عيناته لم نأكل كفاية وفي العاقورة كان الإفطار خفيفاً، فبثلاثة أيام ثلاث “وقعات” غير كاملة، فرأينا أن نوجه بطرس نمنوم وطنوس نصور ويوسف دحدح إلى عيناته ليأتونا بطعام. فعادوا إلينا فارغي اليدين. وقالوا إنهم لم يجدوا في القرية لا سكانا ولا عسكرا. فقلت لهم أما قدرتم على الحصول على شيء من الحمص أو الذرة والشعير. فأجابوا أنهم لم يظفروا ولا بشيء من أنواع المأكول أو الحنطة.

فأسفنا جداً وتكدرنا وصارت الرجال تئن جوعاً. ولما أصبح الصباح قمنا لنسير إلى اهدن، فخارت قوى البعض من الجوع، فصرنا ننشط بعضنا البعض ومشينا، وشاء الله أن لا نسير مسافة قصيرة حتى التقينا بجماعة من بشراي، فأعطونا كمية من الخبز فتوزعناها بيننا، وتابعنا السير إلى أن نفدنا فوق نبع اهدن، وانقسمنا إلى فرقتين، فرقة مؤلفة من خالي أبو طن، يوسف بولس دحدح، يوسف أنطون فرنجيه، اسطفان يمين، يوسف بركات، أنطون غزاله، الياس القرطباني، طنوس نصور كرم، ديب البتروني، جبرائيل فشخه، طنوس لحود. سارت إلى إهدن.

وأنا وخالي أبو حسون عرجنا على كرم الدير واسترحنا هناك وأُعلم رئيس الدير الأب انطانيوس رفول بوصولنا فلاقانا بالطعام.

موقعة كفرفو أو قرن ايطو

وبعد أن استرحنا مدة وجيزة ذهبنا إلى الدير وسار الرئيس إلى حرج إهدن يفتش عن يوسف بك اذ لم يكن بعد وصل إلى الدير.

وبعد مضي أكثر من ساعتين عاد الرئيس وقال: لقد طلعت إلى جور الذباب وعين يحموره فعين قرنه ونزلت عليّ مغارة الزفر ولم أقف للبك على أثر. فاضطربت أفكارنا وهممنا بالرجوع إلى حرج إهدن للبحث عن البك وكانت الساعة الثالثة ليلاً. وإذ ذاك نفد البك ومعه الخوري يواكيم يمين وشقيقه رومانوس يمين وجماعة غيرهم.

فقمنا والرهبان واستقبلناه بالترحاب وقدموا له الطعام فما قدر تناول شيئا أخيراً ذبحوا دجاجة وقدموا له خلاصتها ومكثنا في الدير ثلاثة أيام فعرف الاهلون بوجودنا فصاروا يفدون إلينا زرافات وانتقلنا من الدير إلى منزل انطون بك رفول بإهدن حيث بقينا كم يوم متحاشين الظهور حيث تعهد الإهدنيون إلى داود أن لا يقبلونا في منازلهم. لكن إن كان لداود أن ينفذ له الإهدنيون أمراً ضد أنفسهم.

لكن على الرغم من اللامبالاة التي أظهرها الإهدنيون حيال أوامر الحكومة لم نشأ أن نثابر على البقاء في إهدن فانتقلنا إلى نبع جوعيت حيث نصبنا ثلاثة شوادر (خيام) وأخذت الناس تفد إلينا من إهدن والزاوية والجبة وبلاد الكورة والبترون. وبلغ داود خبر ظهورنا بإهدن فسار إلى البترون وأرسل قوة من الدرك اللبناني إلى إهدن، وكانت العساكر الشاهانية قد تركتها لشدة البرد وعسكرت في حدث الجبة.

وأقمنا في بيت رجل من بيت نمنوم يوماً واحداً. ثم نزلنا إلى بستان أبي أنطون خاصة البك. وهناك تكاثر الجمع علينا وورد الأصحاب من كل حدب وصوب، وكانت الحكومة تضيّق على الاهالي، وتجمع جيشها وترسل الذخيرة من طرابلس إلى إهدن بطريق زغرتا، وفي 22 أيار وجّه حنا معوض ويوسف العشي والبدوي فرنجيه لمصادرة تلك الذخيرة. وصعدنا نحن إلى كفرفو. وفي اليوم التالي عادت إلينا الفرقة التي أُرسلت لمصادرة الذخيرة بعد أن ضبطوا قسماً كبيراً منها.

بعدئذ صارت الحكومة ترسل الذخيرة بطريق الكورة يخفرها 50 جندياً نظامياً فضلاً عن الفرق الأخرى التي كانت تشرف عليها إلى مسافة بعيدة. علم البك ذلك. فوجّهني إلى سرعل بعشرة رجال ووجّه أبا حسون إلى قرن ايطو بعشرة رجال أيضاً، وسمعان عقل وجرجي العشي إلى مقلع قزحيا وأقام هو وأكثر من عشرة رجال في كفرفو. ولدى وصولي إلى سرعل سألت بعض الأهالي: هل مرّت الذخيرة فأجابوني لقد مرت البارحة. وقريباً تصل اليوم. وأخبروني أيضاً أن قوة تزيد على 50 جندياً تخفرها: فتبيّن لي أن عشرة رجال غير كافية لمصادرتها فأرسلت من أخبر البك بذلك وطلب منه نجدة. فأرسل اليّ عشرة وبعث يقول: لم يبق لديَّ سوى خمسة رجال. فهذه القوة التي أستطيع أن أنجدك فيها. فتدبّر أمرك. ولما وصلتني النجدة شكرت الله تعالى. وقلت للرفاق لقد أصبح بمقدورنا المقاومة وما كان غير قليل حتى نشب عقل وجرجي العشي فاسرع أبو حسون برجاله من مركزه، وخفيت برجالي من سرعل. وكان البك ترك كفرفو وأصبح قريباً من أيطو فأسرع إلى ميدان القتال.

حمي وطيس المعركة وتألبت العساكر من إهدن علينا. فقمنا في وجهها وما زلنا بها حتى أرجعناها الأرض الملولة. وكان كل واحد منا يقاتل عشرة وعشرين من العسكر. ومع هذا كان النصر حليفنا. وغابت الشمس ونحن نطاردهم حتى إرجعناهم إلى إهدن بطريق الكروم.

وإنفصل القتال. وفي الصباح جمع أهل إهدن جثث القتلى. والعساكر جمعت جثث قتلاها. وقد خسرنا في تلك الموقعة ثلاثة من رجالنا.

أما أنا فبتّ تلك الليلة في عينطورين مع بعض الرفاق.

وفي صبيحة الغد أتاني رسول البك يدعوني لمعاونته إلى أيطو.

فوصلنا أيطو وحيينا البك بالسلامة وهو حيّانا واسترحنا ردحاً ثم سرنا ووجهتنا بلاد البترون فمررنا بدير حينطورة وبتنا ليلة فيه ثم تابعنا سيرنا إلى بلاد البترون.

موقعة الحدث

لبثنا عدة أيام في بلاد البترون (وكانت أيام قطاعة الرسول) ومن هنالك توجهنا الى مرج البساط حيث أدركتنا العساكر الشاهانية واللبنانية، فصعدنا من المرج على سلسلة الجبال حتى بلغنا قمم فم الميزاب فوق الأرز الخالد، وصارت أمام أنظارنا كافة القرى، ثم جدّينا بسيرنا الى قمة عش الغراب وانحدرنا الى خشع الفار في جرد إهدن، فنزلنا ضيوفاً على عرب الرحال غنامة أهل إهدن فذبحوا لنا ثاني غنم، فأكلنا واسترحنا ردحاً، وصادف لدى وصولنا وجود امرأة جبور حنا فنزلت الى إهدن وأخبرت عن وصولنا الى خشع الفار، فبلغ الجيوش المرابضة في إهدن ذلك، فأخذوا الحيطة اللازمة لمقاومتنا وطلبوا نجدات من طرابلس واستدعوا الجيوش التي كانت تتعقبنا في بلاد البترون. وطلعت قوى البترون وعسكرت في حدث الجبة. ونحن توطينا الى أرض أفقه قرب حرش اهدن، وإذذاك جاءنا رومانوس الخوري جرجس يمين وبلغ البك، أن المسيو الطاب معلمجي العسكر اللبناني متوجه الى بشري برفقة نفر واحد، فأمرني البك فوراً أن أذهب بعشرة رجال وأقطع عليه الطريق وأقبض عليه.

وقبل أن أفارق البك قلت له: أرى أن أكمن في جور عين الشوك تحت أرض العوجه.

أجاب: هذا الصواب ولو لم تقل هذا لكدت أقوله لك.

ثم قلت له: لا يخفى أن هذا الرجل افرنسي وشجاع، لذا أعتقد أنه يفضل الموت على الاستسلام، فهل تود أن يقضى عليه إذا مانع.

فقال: إفعل ما تشاء وما يحلو لك.

فسرت بفرقتي بسرعة غريبة وكمنت في جوار عين الشوك. وما هي برهة قصيرة مرت حتى شاهدنا رعاة من بان يقتربون منا، وما كادوا يصلون الينا حتى بادرونا القول: إن كنتم بانتظار الطاب، فلم يعد ينفعكم الانتظار لأنه رجع الى إهدن من الحير قرب دواليب اهدن.

فعدنا أدراجنا والأسف يشد على الصدور وغب وصولي الى البك أخبرته فقال: ما في نصيب فانهضوا لنسير الى مزيارة، حطينا في قرية مزيارة زمناً قصيراً تكاثرت خلاله الإشاعات والأخبار والتكهنات عن خطط العساكر وما تنويه من الإجراءات ضدنا. وتألبت القوى وحشرتنا العساكر في نواحي مزيارة فولّينا وجهنا شطر الصرود، فصعدنا الى وادي العرايش فحرف البقر حتى بلغنا أرض العلالية وهناك أُخبرنا أن العساكر تلاقينا من جهة عين الحجل، فبعثنا بكشافة لتقف على حقيقة الحال، فعادت الكشافة ونفت وجود العساكر في تلك الربوع.

وعندئذٍ قال يوسف بك، أرى أن نكبس في هذا الليل عسكر إهدن فأجبناه – لا يوافق مطلقاً محاربة العساكر في داخل إهدن مخافة أن ينتقم العسكر بدوره من الأهالي والأطفال والنساء.

قال: هذا صحيح: إذن يجب أن نضرب عساكر الحدث.

فوافق الجميع على هذا الرأي.

هذا ونحن في أرض العلالية وكانت الساعة 3 عربية ليلاً، فكلفني يوسف بك أن أذهب بقوة الى الحدث وأصلي العسكر ناراً.

فذهبنا بعشرة رجال من إهدن منهم شقيقاي يوسف وبولس وسبعة رجال من بلاد البترون وسمعان صالح وسمعان عقل وفارس راشد ومعهما رجلان ووجهتنا حدث الجبة.

ولما أقبلنا على كفرصغاب قال سمعان عقل: إن القوة التي معنا غير كافية، فأرى أن أنزل الى قرية كفرصغاب وأستدعي بعض رجالها لمرافقتنا. فقلت: حسناً. شريطة أن تعود الينا سريعاً.

وتابعنا سيرنا الى أن بلغنا وادي قنوبين فداهمنا بزوغ الفجر في ذاك الوادي، فاضطررنا أن نلبث هناك الى الليل التالي إذ لا يمكننا بقوتنا الحقيرة أن نهاجم في رابعة النهار عساكر يربو على 6000 جندي.

قرعنا باب شركاء البطريركية ففتح وكيل الكرسي. واستقبلنا ولبثنا ذاك النهار بطوله ولما أمسى المساء نهضنا الى الحدث. ولما أقبلنا عليها انصرت الرجال كلغنم النافرة لدى مرأى العساكر التي كانت تكسي تلك المنطقة.

سرت أمام الرجال في توت الحدث، وقسمنا الرجال الى قسمين: رجال إهدن ورجال كسروان بقيادتي توجهنا على ميمنة العساكر حيث يقيم قائد العسكر. ورجال بلاد البترون بقيادة فارس راشد وسمعان صالح ذهبوا على ميسرة العسكر حيث يقيم القائمقام واتفقنا على أن تبدأ فرقتهم بإطلاق النار ثم نتبعها وهكذا بالتتابع. أطلق الرفاق بنادقهم وكان ليل حالك الظلام. فبوغت العسكر وهبّ مذعوراً من رقاده. وأخذ يطلق بدون انتظام ويضرب بعضه بعضاً وحمي وطيس القتال وأخذ العسكر بإطلاق المدافع الضخمة “فصار المتراس جمرة نار مدورة” حتى بتنا نهتدي بنورها على مكان العساكر فسددنا بنادقنا إليها.

وكنت تقدمت ببعض الرفاق نحو معسكر الجيوش فشعرتُ بطلقات نارية متتابعة تصوَّب إلينا من الوراء. فأرسلت من يستعلم عن الأمر: فأصيب الرجل برصاصة في رأسه وهو من بلاد البترون. وقد أسرعتُ إليه ونهضته عن الأرض لكنه أصبح جثة هامدة.

تقهقرنا الى الوراء من حيث تخرج الطلقات “وردّينا الضرب” وأصليناهم ناراً حامية انتقاماً لرفيقنا.

هذا ولم يعد يفصلنا وبزوغ الفجر سوى القليل من الوقت وأنهك التعب الرجال فأعطيت نباءً بوجوب الانسحاب مخافة أن يطبق علينا العسكر على وضح النهار. جمعنا رجالنا ورجعنا بالطريق الذي سلكناه في المجيء. ولم نخسر في هذه المعركة سوى الرجل الذي ذكرته أعلاه. أما العساكر فقد تركناهم تجمع شملها وأشلاء قتلاها الكثيرة وتتساءل عن القوى العظيمة التي داهمتها في ذاك الليل وهي لو أدركت حقيقة عددنا وقوّتنا لقضت علينا بلحظة وتركت جثثنا مأكلاً للنسور والغربان. آه.

بلغنا وادي طرزه في طريقنا الى محل إقامة البك فالتقينا بسمعان عقل وتابعنا سيرنا من واد الى واد ومن وهد الى وهد حتى وصلنا الى مزيارة. فسألنا عن البك، أجبنا أنه في عين الجوز قرب مزرعة بحويته.

وصلنا عين الجوز وما كدنا نطل على الرفاق حتى هبّوا وفي مقدمتهم يوسف بك لملاقاتنا وحيّانا البك والرفاق بالسلامة. وأبدى لنا انشغال باله علينا. فقلت له: ليس ما يشغل البال.

استرحنا ردحاً وكان قرب وقت الظهر. فمدّ طبقان أكل وجلس البك وجلسنا من حوله نتناول الطعام.

بعد الغداء حضر أحد الكشافة وقال للبيك أن العساكر داهمتنا من جهة الضنية. فأمره البك بالعودة الى رفاقه وبوجوب الصمد في وجه القوة لبينما نصل إليهم.

ذهب الكشاف. وتهيأنا نحن والبك للهجوم. وكنا نحو 60 رجلاً وما كان يغيب عن بصرنا الكشاف حتى “ضج البارود” وتعالى صوت الرصاص وتصاعد الصراخ والصياح. ونحن نتقد للوصول الى ميدان القتال. والبك يوقفنا عن ذلك.

موقعة اهدن السبت 15 ك1 سنة 1866

لبثنا في ظلمات سجن بيت الدين نرقب على أحر من النار أخبار البك وحركات الرفاق الأعزة. وإذ ذاك بلغتنا الأخبار بأن يوسف بك ظهر فجأة في اهدن. وللحال وجّه القائمقام قوة كبيرة على رأسها مدير بشراي وقوامها 200 من الضابطة للتفتيش عليه. وكان يوسف بك قد سرّح معظم رجاله. ولم يبقَ برفقته إلا أربعة شبان هم ساسين غسطين وانطانيوس يزبك وجبرائيل فشخه وديب البتروني. ومعلوم أن يوسف بك بعد أن توارى عن الأنظار مدة 40 يوماً بعد أن قبض علينا في وادي مزيارة خرج من مخبأه وانتقل علانية إلى حارته في اهدن وكان معظمها محروقاً.

درت الحكومة بوجوده في داره فخفّ المدير والعسكر للقبض عليه. ولما بلغوا تلك الدار ناداهم الحارس قائلاً: ما لكم ولهذا البيت المحروق، فلم يحفلوا بكلامه، وظلوا هاجمين.

درى البك بهم لأن كلبه سنكو نبح عندما احس بالحركة وحاول بعض الرجال الخروج إلى المدير والقوة فمنعهم يوسف بك وخرج وحده وأطل من أعلى السلّم وصاح بصوت شديد، بالرجل الذي دخل أولاً من قبل المدير قائلاً: هل لك رجلان تسعيان إلى هذا المكان، فسقط إلى الأرض حالاً من الخوف. وفرّ الباقون وهم يلتفتون ذات اليمين وذات الشمال مخافة أن يُقبض عليهم.

وعندئذ تحمّس رفاق البك وما عاد قدر على إيقافهم. فخرجوا أثر الأعداء وطاردوهم بالسلاح الأبيض مسافة طويلة عادوا بعدها بثلاثة أسرى وجريح من جيش المدير. فتلقاهم البك وأطلق سراح الأسرى وعهد إلى كاهن الاعتناء بالجريح الذي كان من بشراي ووبخ الاسرى قبل أن أطلق سراحهم ومما قاله لهم ألا ترون انه من العار عليكم أن تعاونوا الأجنبي داود على أبناء وطنكم وأخوانكم أو تساعدوه على قتل استقلال وحرية بلادكم. ولما ذاع خبر قدوم البك في الجهات الشمالية، أخذ الناس يتوافدون عليه، لكنه تفادياً من الإجتماعات والتظاهرات، وهرباً من حلول نكبات ومصائب جديدة بالناس ونشوب مواقع، عاد ليلاً إلى مكان عزلته مع ثمانية من رفاقه وخاليه الشيخ بشاره كرم وأبو طن.

وكان داود ساهراً على حركات يوسف بك. ولم يترك وسيلة شريفة أو غير شريفة إلا وحارب البك بها فأرسل ليتمم عمله الممقوت. فأرسل عساكر إلى بعض القرى الشمالية فأرغمت أهلها على مساعدتهم في هدم ما تبقى قائماً من بيت يوسف بك.

وجاء العسكر والأهالي المذكورون ودكّوا المنزل من أساسه.