
شاعت في العقود الأخيرة توصيفات وتسميات متعددة تصبّ كلّها في منحى القول إن العولمة صنعت من العالم الذي نعيش فيه «قرية صغيرة». كان ذلك بعد سقوط جدار برلين ذات يوم من خريف عام 1989 وعلى إثر ذلك انهيار العالم الاشتراكي وتفكك دولته القائدة، الاتحاد السوفييتي السابق.
كانت المقولة التي ترددت وشاعت بداية هي تلك التي أطلقها المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ» وبزوغ فجر جديد يعلن السلام والأمن في العالم بعد الانتصار الكامل والشامل والنهائي للرأسمالية على المنظومة الاشتراكية. لكن سرعان ما أثبت العقد الأول من القرن الحادي والعشرين أن مثل تلك المقولة «باطلة» وأنه من التوهّم تخيّل عالم بلا نزاعات وحروب.
الحاضر الذي يعيشه العالم اليوم محكوم بالعنف كما يرسمه الباحثان «جان هيرفيه لورنزي وميكايل بوريبي» في كتابهما الذي يحمل عنوان «عالم من العنف»، ويرسمانه في أفق سنوات 2015 ــ 2030.
تتوزّع مواد هذا الكتاب بين سبعة فصول، أولها: «التباطؤ الكبير في التقدّم التقني» حيث يبحث المؤلفان المسائل المتعلّقة بالتجديد ويشرحان كيف أن التقدّم التقني يلعب دوراً حاسماً في النمو الاقتصادي. ويكرس المؤلفان الفصل الثاني لما يسميانه «لعنة الشيخوخة في المجتمعات». الفصل الثالث مكرّس لدراسة الآثار التي ستترتب على «مختلف أشكال عدم المساواة».. وفصل رابع يناقش فيه المؤلفان مسألة «سياسات التصنيع».
ويناقش الخامس، ما يسميه المؤلفان «السمة المالية السائدة» في الاقتصاد وغياب الضبط بالنسبة لعمل الأسواق. وعبر فصول هذا الكتاب يصل المؤلفان إلى تحديد عدد من العوامل التي سيكون لها، برأيهما، دور حاسم فيما ستؤول إليه مسارات الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة. ويمكن تحديد هذه العوامل بثلاثة عوامل جديدة هي تلك التي تتم معالجتها في ثلاثة فصول، فصل لكل عامل حاسم، وتخص «شيخوخة السكان» و«تباطؤ التقدّم التقني» و«نقص الوفورات المالية».
المثال الذي يتم تقديمه للدلالة على انتقال النشاط الصناعي هو أنه في عام 1970 كانت البلدان السبعة الأكثر تصنيعاً في العالم تنتج 65 بالمائة من مجمل الإنتاج الصناعي العالمي بينما كانت البلدان السبعة الأكبر من بين تلك التي يطلق عليها اليوم توصيف «الصاعدة» لا تنتج سوى 10 بالمائة. لكن منذ عام 2012 أصبحت المجموعتان المشار لهما تنتجان، كل منهما نسبة 30 بالمائة من الإنتاج الصناعي العالمي.
وعامل يتعلّق بـ «إعطاء الصفة المالية بلا حدود للاقتصاد» وما ترتب على ذلك من دور كبير وحاسم للأسواق المالية في مختلف النشاطات الاقتصادية. ويشرح المؤلفان هنا أن فقدان التوازن بين الاستثمار والتوفير قائم على الصعيد الكوني كلّه. الأمر الذي ستكون له آثاره السيئة بالضرورة في مجال الاستثمار.
ثم عامل «الانفجار الكبير في أشكال عدم المساواة» في إطار العولمة الليبرالية الجديدة السائدة في عالم اليوم. وتحديد القول بهذا الخصوص أن مثل هذه الظاهرة تطال قارّات العالم أجمع دون استثناء. والإشارة أن ظاهرة تعاظم «الهوّة» في مستوى المعيشة تزيد من حدّة الصراع بين الأجيال.
هذه العوامل كلّها قد تدفع العالم نحو «نزاعات كبيرة وتحمل معها الكثير من الدمار». هذا العالم الذي تتداخل فيه أكثر من أي وقت مضى، كما يصفه المؤلفان، الاقتصاد والمال والتكنولوجيا والديموغرافيا والأيديولوجيا. وفي المحصّلة قراءة متشائمة فيما يخص المستقبل لاقتصاد العالم… وللعالم.
