Site icon IMLebanon

الخطاب الديني في لبنان بين التحليل واقتراحات الإصلاح: خطباء مسيّسون إلى تزايد… واستراتيجيات كلامية مؤثرة

muslim praying

 

 

 

 

كتبت هالة حمصي في صحيفة “النهار”:

 

المهمّة اقتضت تحليل عشرات خطب الجمعة والمقابلات مع ائمة لبنانيين. وجاءت النتيجة لتؤكد امرا واحدا: الحاجة الى اصلاح ديني في لبنان. “الفكرة ليست جديدة”، غير انه في ميزان البحث الاجتماعي، الكلام يأخذ أبعاداً اوسع بكثير. “من الضروري اعادة النظر اولا في المناهج التعليمية في كليات الشريعة التي تمثل تدريبا للخطباء، وان ندخل اليها ثانيا ادوات العلوم الاجتماعية وابحاثها. وفي الوقت نفسه، يجب ان يكون هناك توجه لدى البحاثة في العلوم الاجتماعية الى التعامل مع الظاهرة الدينية بجدية اكبر”، يشدد رئيس قسم العلوم الاجتماعية في الجامعة الاميركية في بيروت الدكتور ساري حنفي في حديث الى “النهار”.

 

علنا، ينادي بما يؤمن به: “ارساء فضاء من التلاقح بين افكار الباحثين في العلوم الاجتماعية والسلطات الدينية، اكانوا دعاة ام ائمة ام مفكرين، الخ”. على طاولته، عنوان مثير للاهتمام: “سياسات المعرفة في خطب الجمعة في لبنان”. الدراسة “الاستكشافية” اجراها مع الباحثتين مريم عيتاني ونور التنير، “للتحقيق في العلاقة والتفاعل بين المعرفة الدينية والعلوم الاجتماعية من خلال فاعِلِين رئيسيين في المجال الديني، كالخطباء”.

وقد استوجب ذلك طرح أسئلة عدة: “ما مواصفات الخطباء في لبنان ومؤهلاتهم الاكاديمية؟ ما المواضيع المثارة في خطبهم؟ وما نوع الحجج المستخدمة لاقناع الآخر؟”، وذلك في اطار مقابلات مع 35 إماماً، الى جانب تحليل 88 خطبة جمعة اختيرت انطلاقا من كونها تغطي جمهور 3 جماعات اسلامية سنية كبيرة (نيسان- حزيران 2013)، واستقيت من 3 اذاعات سنية دينية كبيرة في لبنان عمدت الى بثها.

 

تظهر الدراسة ان الخطبة لا تكتفي بتذكير المستمعين بالعبادات والأخلاق الإسلامية، ولكن أيضا تحلل الظاهرة الاجتماعية والسياسية. وقد اهتمت بكيفية تقديم الخطب الظواهر الاجتماعية (الزواج المدني، الفقر مثلا)، والسياسية (الوضع في سوريا مثلا)، والموضوعات المتناولة فيها، من دون استخدام أدوات العلوم الاجتماعية، وبانزلاقات تجاور الطائفية.

 

وما لاحظته ايضا هو ان الغالبية الساحقة من الخطب لا تتناول أي موضوعات تتعلق بالمسيحيين. واذا ذُكروا، فان الكلام يكون ايجابيا أو حياديا. ومن النادر التكلم على المسيحيين بسلبية. غير ان هناك شجبا كاسحا للغرب. والغرب يتضمن احيانا المسيحية، واحيانا اخرى الامبريالية والهيمنة الغربية. كذلك، لوحظ ان معظم الخطب المحللة لا تشير الى اليهود. ولدى الاشارة اليهم، غالبا ما يكون الكلام عليهم سلبيا. وهناك زلل واضح، اذ بدلا من ان يستخدم الخطباء تعبير “الصهيونية” او “الاسرائيليين”، يعتمدون تعبير “اليهود”.

 

الدراسة توصلت الى ان “لا نموذج معيناً او مفهوماً خاصاً للخطيب. ثمة اختلافات كبيرة بين مختلف الجماعات الاسلامية، بما ان الخطباء لا يتفقون بالضرورة على بعض المفاهيم الرئيسية، ويصبحون مسيسين على نحو متزايد. وبينما يتبين ان نصف الخطباء المستجوبين تخرجوا في مدارس وجامعات دينية، نادرون هم من يستخدمون المعرفة في العلوم الاجتماعية وأدواتها، بغية تحليل الظواهر الاجتماعية والسياسية وتشخيصها. وهذا الامر يؤكد اكثر اهمية درس معارف الخطباء وكفاءاتهم وممارساتهم في المؤسسات الدينية”.

 

“التشكيلات الخطابية للخطب وعلاقتها الوثيقة بهيكليات السلطة. وسهولة تأثر المؤمنين بهؤلاء الخطباء التقليديين او ذوي الكاريزما”، في النقاط التي تناولتها ايضا الدارسة، اضافة الى “تسهيل بعض تلك الاستراتيجيات الخطابية من الوعظ تحوُّل بعض الشباب السنّة بسهولة من أنصار لقيم العدالة الانسانية العالمية الى دعم المنظمات والجماعات التي تنتهك القيم الاسلامية، كتنظيم “الدولة الاسلامية” والجماعات المتطرفة الارهابية التي تقصي الآخرين لكونهم كفارا، وتدعو الى فرض قوانين تجاوزها الزمن من الحكم الاسلامي الاول”.

 

في الواقع، “هناك نوع من خط مستمر يمتد من بناء مفهوم الآخر العدو وطريقة التفكير التكفيري عند تنظيم “الدولة الاسلامية”، تقول الدراسة. في تحليل الخطب، تلاحظ ان “هناك احيانا ميلا واضحا وانزلاقات في بعض القضايا المطروحة، كتعزيز الطائفية والدعوة الى ارساء اسلوب حياة الحكم الاسلامي التاريخي وقوانينه. وهذا الامر لا يتعلق بالسنّة فحسب، انما ايضا بالشيعة”. رغم سوداوية المشهد “الداعشي”، يعتقد حنفي ان “الاصلاح الديني ممكن. ولم يفت الاوان. ويمكن تحصين الناس ضد الفكر القمعي المنتشر في اشكال المتطرفين وغيرهم. لهذا، كباحث اجتماعي، أقرع ناقوس الخطر”. في تقويمه، تحوّل بعض الناس الى “داعش” “ليس واسعا. لقد كانت لهؤلاء تنشئة طويلة الامد على عدم احترام الآخر والاحكام القطعية. وهنا تكمن اهمية الجوامع. لا اقول ان كل الجوامع في لبنان تقوم بهذا الامر، لكن بعضها، وبطريقة غير مباشرة”.