Site icon IMLebanon

“عاصفة الحزم” تعيد رسم تحالفات الإقليم

zone-map

 

أطاح “الربيع العربي” بخارطة الشرق الأوسط التي قسّمته لسنوات إلى معسكري الاعتدال والممانعة هجمةُ الثورات المضادة، وتعسّر الحل في سوريا، وتناسل فوضى الطائفية في العراق، أحداثٌ بارزة بين سيل من التجاذبات أعادت رسم مشهد غير مستقر للمنطقة.

ثلاث قوى أو أطراف استطاعت البروز وسط هذا المشهد، إيران ومشروعها التوسعي، الإمارات والسعودية على رأس هرم الخليج الذي ضمّ مصر أيضاً، وتركيا التي أبقت على محاولاتها في استدراك ضياع رهانها على قوى المعارضة العربية، وعلى مسافة منها قطر.

إعادة اصطفاف إقليمي

وإن كانت إيران انتشت بغطرسة القوة والتمدد نحو “العواصم الأربع”، فإن مشهد الانتصار الذي سوّقته، مدعوماً بدعاية الاحتضان الأميركي وقرب التحرر من العقوبات الدولية، أغرى عواصم عربية للتقرب منها، كالخرطوم وعمّان والقاهرة.

لكن عملية “عاصفة الحزم” لم تشأ لخارطة التحالفات هذه أن ترسُم خطوطها الثابتة، فاستدركت عمّان والقاهرة سريعاً موقفها الناشئ من طهران، وأعلنتا دعم العملية ضدّ معاقل حلفائها الحوثيين في اليمن، فيما مسحت الخرطوم تقارب أعوام مع طهران بجرّة قلم، حين أنكرت وجوده أصلاً بين يدي دعم الحملة.

لكنّ التغير الأكثر أهمية الذي أسبغته الحملة العسكرية تلخص في موقف تركيا، حين جاء من دولة لها حجمها الإقليمي الوازن، إذ كانت صاحبة خط متفرّد طول السنوات الماضية، ما لبث هذا الخط ينعرج مقترباً نحو الموقف الخليجي، بتقارب ثنائي مع قطر، وغزل لـ”السعودية الجديدة”، ودعم صريح لعاصفة الحزم، وذلك على حساب العلاقة المضطربة أصلاً مع إيران.

تركيا وإيران

طوال السنوات الماضية، اتّسمت العلاقات بين تركيا وإيران بطابع التوتر الحذر، فالأخيرة التي أخذت ببسط نفوذها على الحدود الجنوبية لتركيا، وبدأت تنافس “قوتها الناعمة” في الشرق الأوسط عبر “القوة الخشنة العسكرية” خلقت واقعًا يهدّد ليس فقط المصالح التركية إنّما الاستقرار في البلاد، لا سيما بعد “الربيع العربي”.

فقد عزّزت طهران تواجدها الفعلي في عدد من محافظات العراق الشمالية، مستعينة بنظامها الحليف في بغداد، وألقت بثقلها السياسي والعسكري في دعم نظام الأسد، ممّا ساهم بتحويل أكثر من نصف السوريين إلى نازحين ولاجئين، تحمّلت تركيا الفاتورة الأكبر من أعباء استيعابهم المادية والأمنية.

وفي الوقت الذي دخلت فيه العلاقات التركية – الأميركية نفقاً مظلماً خلال الشهور القليلة الماضية، بعد عقود من الشراكة الاستراتيجية الوثيقة، بدا أن واشنطن في وارد تغيير ترجيحات انتقاء حلفائها في المنطقة، إذ مارست مع طهران تقارباً ملفتاً صدّقته جملة من الوقائع المكشوفة على رقعة التحالف ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية”، وعكسته رغبة أميركية لانجاز اتفاق نووي قبل انتهاء الفترة الثانية للرئيس باراك أوباما.

ورغم التوجسات التركية التي تبدو محقة تجاه إيران، حرصت أنقرة على تسكين التوترات معها، ومنعت أن ينعكس خلافهما السياسي على باقي جوانب العلاقة، لا سيما الاقتصادية وتلك المتعلقة بسوق الطاقة، إذ طالما استفادت تركيا اقتصادياً من لعبها دور البوابة الالتفافية لإيران على العقوبات، كما يبلغ ميزان التبادل التجاري بين الطرفين قرابة 15 مليار دولار (أرقام عام 2014، مع اتفاقيات وقعت قبل شهر لمضاعفة التبادل في 2015 الجاري لما يفوق الـ 30 ملياراً)، إلى جانب اعتماد الأتراك بنسبة عالية على واردات النفط والغاز الإيراني (أكثر من 30% من الاحتياج العالم).

وداع الدبلوماسية الدفاعية

لكن السياسة التركية القائمة على تسكين المشاكل أو تصفيرها، والتي تنتهجها مع دول أخرى تتناقض معها سياسياً، لكن تربطها بها مصالح هامة (روسيا مثالاً)، بدا أن تحولات طرأت عليها مؤخراً، وقد برز الأمر في تصريحات عدة هاجمت طهران بضراوة، لا سيما مع بدء التحضيرات للتحالف العشري لضرب معاقل الحوثيين في اليمن.

وإن كانت الرياض قد تخلت عن صورة دبلوماسيتها الدفاعية الساكنة، عبر اتخاذ خطوة جريئة بحشد وتحريك “عاصفة الحزم”، فإنّ تركيا تكون قد تخلت هي الأخرى عن دبلوماسيتها الناعمة، إذ بات واضحاً أنها صارت تستخدم عبارات “التمدد الشيعي” و”المجموعات الإرهابية” للدلالة على الميليشيات المدعومة إيرانياً، كما لم تعد تكتفي بالتلميح عن تغلغل طهران في المنطقة، بل باتت تندّد به على لسان أرفع مسؤوليها، في حين أعلن وزير خارجيتها، مولود جاويش أوغلو، أنه سيجتمع بمسؤولين سعوديين في أنقرة، لبحث دور تركي مرتقب باليمن في قادم الأيام.

الموقف التركي من “عاصفة الحزم

ولفهم الموقف التركي إزاء إيران، والتحالف العشري بصورة عامة، لا بد من التذكير بأنّ أنقرة ترجّح حل المشكلات بالطرق السياسية والدبلوماسية على الطرق العسكرية، لكنها لا تجد بأساً في انتهاج الطرق الخشنة إن هي وجدت كتفها مدعّمًا بقوة دولية يمكن الاعتماد عليها.

ومن المهم هنا، الاستشهاد بالموقف من سوريا، إذ طالما أصرّت تركيا على استحالة حل المشكلة عبر القصف الجوي وحده من قبل التحالف، وطالبت بتسليح قوات برية من المعارضة السورية، وفرض حظر جوي ومناطق آمنة.

لكن هذه المطالبات بقيت فقط تتردد عبر الإعلام، ولم تبادر أنقرة إلى تطبيقها، رغم قدرتها على ذلك، لأنها ترفض أي تحرك أحادي تدفع فاتورته منفردة ووحيدة، لذا فعندما وجد الأتراك تحالفاً كبيراً يدعم مصالحها في التصدي لإيران، تُديره دول إقليمية وازنة، ويلقى رضى أميركيًا وغربيًا لم يكن لها أن تتردد في دعمه.

ومن ناحية أخرى، وجد الأتراك في دعم التحالف العشري، فرصة هامة لإيصال رسائل التقارب ومد الجسور نحو السعودية والخليج، أملاً في دور استراتيجي أوسع في مقبل الأيام، يأمل الاتراك أن تمتد ساحته لتشمل الحل في سوريا، وهي الأزمة التي تكاد تتطابق فيها رؤية الأتراك والسعوديين والقطريين في توصيف المشكلة وسبل حلها.

كما اعتبروا أنّ توقيت الحملة العسكرية، يكتسب المزيد من الأهمية، لتزامنها مع جلوس المسؤولين الإيرانيين على طاولة التفاوض النووي في لوزان، إذ تعتقد أنقرة والرياض أن ضرب وجود الحوثيين في اليمن، سينزع ورقة قوة من يد الإيرانيين في التفاوض.

سباق زمن مع إيران

ولا يستبعد مراقبون، أن يكون للسعوديين ومن بعدهم الأتراك، سهم هام في انتصارات المعارضة السورية المسلحة التي ازدهر أداؤها عشية قبل عشرة أيام، مثمراً التحرير الاستراتيجي في بصرى الشام ومحافظة إدلب، تزامناً مع اهتزاز مكامن القوة للحوثيين.

ختاماً، من المبكر الجزم بصورة نهائية لتموضعات التحالفات الجديدة، لكن الواضح أن الخطوة نحو الأمام التي مثلتها العملية في اليمن، أنزلت إيران عن عرش المتصدّر، وكسرت جمود الانكفاء وعدم المبادرة لدى خصومها.

فيما يغدو أكيدًا أنّ فترة الأشهر الثلاثة قبل توقيع الصيغة النهائية للاتفاق بين الغرب وإيران، أواخر حزيران المقبل، ستكون فترة حاسمة للسعودية وحلفائها بالتحالف، إن هم أرادوا فعلاً لجم أطماع إيران في عموم المنطقة، وليس فقط تنفيذ “قرصة أذن” للحوثيين، إذ إن ما يمكن تحقيقه اليوم من تحجيم للتغلغل الإيراني، سيغدو أصعب وأعقد بعد تنفيذ طهران مصالحتها مع الغرب.

 

Exit mobile version