Site icon IMLebanon

«الشيطان الرأسمالي» يدخل بين يساريي اليونان

GreeceEconomy3
توني باربر وكيرين هوب

تحت جدران البرلمان اليوناني، في ساحة سينتاجما الفسيحة المنحدرة في وسط أثينا، جرى يوم الخميس الاحتجاج العام الأكثر غرابة في حقبة حزب سيريزا.

عندما لا يُحاضر البلدان الأوروبية على سوء تعاملها مع أزمة اليورو – أزمة مع مرور كل يوم تقرب اليونان إلى العجز عن سداد ديونها – يُحب الحزب اليساري المتطرف الحاكم في البلاد تصوير نفسه على أنه بطل طبقة العمال والمدافع عن المظلومين.

لكن احتجاج يوم الخميس كان يروي قصة مختلفة. بضعة آلاف من المتظاهرين من شمال اليونان – عمّال مناجم الذهب برفقة عائلاتهم وأصدقائهم – يحملون أعلاما ويرتدون خوذات وسترات صفراء مُضيئة، انتشروا في كافة أنحاء سينتاجما.

وصلوا إلى أثينا بعد رحلة بالحافلات دامت 14 ساعة، للتظاهر ضد إيقاف الحكومة واحدا من تراخيص العمل في منجم مملوك لكنديين. يعتقد عمال المناجم أن هذا الإجراء، الذي تم اعتماده ظاهرياً لأسباب بيئية، له دوافع سياسية وأنه سيُكلّفهم وظائفهم. يقول ديميتريس بالاس، مختص الجيولوجيا في المنجم “نحن نعتقد أن هذا الإجراء غير عادل وغير قانوني”.

كانت هذه التظاهرة أول احتجاج كبير ضد الحكومة منذ انتصار حزب سيريزا الانتخابي في 25 كانون الثاني (يناير) الماضي. وهي إشارة إلى أن اليونانيين، في حال شعروا بسوء معاملة أو سوء حُكم، فسيتحوّلون ضد حديثي النعمة السياسيين في حزب سيريزا، تماماً مثلما انقلبوا على الأحزاب اليسارية واليمينية التقليدية التي أدى سوء حُكمها إلى دفع اليونان إلى الهاوية.

كيفية المحافظة على ثقة الشعب هي جزء حاسم من المعادلة بالنسبة لأليكسيس تسيبراس، رئيس الوزراء، مع دخوله فترة من ثلاثة أسابيع سيواجه فيها خيارات مؤلمة من شأنها تحديد مستقبله المهني وتشكيل مصير اليونان لأعوام مقبلة.

منذ كانون الثاني (يناير) ظل تسيبراس وحزب سيريزا يتصدّران استطلاعات الرأي – وصلت شعبيته إلى 70 في المائة تقريباً في بعض الاستطلاعات – جزئياً لأنه لم تكن هناك إجراءات حكومية تؤذي الموارد المالية لليونانيين. والآن لحظة الحقيقة تقترب.

الخيار الأساسي أمام رئيس الوزراء هو ما إذا كان ـ أو على أي أساس ـ سيتوصل إلى صفقة إنقاذ أخرى مع دائني اليونان ممثلين في الحكومات الأوروبية، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي، وصندوق النقد الدولي. وفي اثنتين من العمليات الطارئة بقيمة 245 مليار يورو، تمكّنوا من إبقاء اليونان واقفة على قدميها منذ عام 2010.

لكن مزيدا من المساعدات المالية إلى اليونان يتطلب التزامات مُفصّلة خاصة بالانضباط في المالية العامة والإصلاح الاقتصادي، وهذا نقيض المنصة المناهضة للمؤسسة والمناهضة للتقشف التي جعلت تسيبراس يتولى السلطة. مثل هذه الصفقة من شأنها منع اليونان من الوقوع في الإعسار والعجز عن سداد الديون وكذلك الخروج من منطقة اليورو، على الأقل في المدى القريب. وأحزاب المُعارضة المؤيدة للاتحاد الأوروبي ستدعم تسيبراس من خلال تأييد الصفقة في البرلمان.

لكن بعض السياسيين في أثينا يتنبأون بأن الصفقة من شأنها إحداث انشقاق في حزب سيريزا، لأن مجموعة من اليساريين المتطرفين يرفضون التعامل مع الشيطان الرأسمالي. مقاومة مطالب الدائنين بين عناصر الحكومة والحزب الحاكم بلغت مرحلة بعيدة جدا، إلى درجة أصبح من الواضح هذا الأسبوع أن الصفقة مع الأوروبيين وصندوق النقد الدولي لن تكون جاهزة بحلول 24 نيسان (أبريل) الجاري، عندما يلتقي وزراء المالية في بلدان منطقة اليورو في ريجا، عاصمة لاتفيا.

البديل – عدم المساومة مع مصارف الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي – يعني نفاد سيولة الحكومة في الشهر المقبل، ما يجعل اليونان عاجزة عن الوفاء بدفعات الديون الخارجية، أو حتى دفع معاشات التقاعد الحكومية ورواتب القطاع العام. ومن بين السيناريوهات المحتملة بعد ذلك: تدافع العملاء لسحب أرصدتهم من المصارف، أو فرض ضوابط على رأس المال، أو طباعة سندات دين، أو دراخما جديدة تحل محل اليورو، إلى جانب بؤس اقتصادي لملايين الناس ومناخ سياسي سام بما فيه الكافية لتهديد الديمقراطية.

في حال فشل حزب سيريزا تماماً كما فشلت الأحزاب المؤيدة للاتحاد الأوروبي قبله، فإن الحزب السياسي الأكبر الذي من المحتمل أن يستفيد سيكون حزب “الفجر الذهبي” اليميني المتطرف الذي يحتل الآن المركز الثالث في استطلاعات الرأي.

وفي حال خرجت اليونان من منطقة اليورو، يمكن القول “إن هذا يُمثّل أكبر كارثة تصيب دولة أوروبية غير شيوعية منذ الحرب العالمية الثانية”.

في تعليق هذا الأسبوع على احتمال خروج اليونان، قال خوسيه فينالز، مدير قسم النقد وأسواق رأس المال في صندوق النقد الدولي “أعتقد أن هذا الأمر سيكون رهيباً بالنسبة لليونان والشعب اليوناني. أعتقد ستكون له تكاليف اقتصادية هائلة. أما بالنسبة لمنطقة اليورو، يمكن أن تكون هناك آثار تتعلق بالثقة لا ينبغي الاستهانة بها”.

أي طريق سيسلُك تسيبراس، البالغ من العمر 40 عاماً؟ أحد الأشخاص الذي يعرفه يقول “إنه مُحافظ، بمعنى أنه يأتي من عائلة من الطبقة المتوسطة. ولا يريد أن يكون الرجل الذي يقود اليونان إلى الإفلاس”.

مع ذلك، إذا وقع صفقة مع حلفائه الأوروبيين وصندوق النقد الدولي، فسيكون عليه يقدم إلى البرلمان مشروع قانون مليء بالإصلاحات الاقتصادية التي وافق عليها الدائنون – وهذا يتناقض مع ما وعد به حزب سيريزا في حملته الانتخابية.

أريستيدس هاتزيس، أستاذ القانون والاقتصاد في جامعة أثينا، يقول “إذا توصّل رئيس الوزراء إلى أن واجبه الوطني هو إبقاء اليونان في منطقة اليورو، فسيكون عليه التخلّي عن الفصيل اليساري المتشدد في حزب سيريزا وتبنّي أحزاب المعارضة اليسارية الوسطية المعتدلة”.

ويضيف “حتى يُسيطر تسيبراس على السياسة اليونانية للأعوام الثمانية أو العشرة المقبلة، عليه الانتقال إلى يسار الوسط. فهو يملك رأسمال سياسيا غير مسبوق، لذلك يستطيع القيام بذلك، مع أنه من السابق لأوانه قليلاً (الانفصال عن اليسار المتشدد) في الوقت الراهن. مشكلته هي أن كثيرا من زملائه في حزب سيريزا هم من الهواة ولا يريدون أن يعرفوا كيف يعمل الاقتصاد العالمي. فهم يعتقدون في الواقع أن بإمكانهم جرجرة أقدامهم مع الدائنين”.

يبدو أن الحكومة تنقسم إلى ثلاث مجموعات. الأولى، التي تتضمن بانايوتيس لافازانيس، وزير الطاقة والبيئة، ستكون سعيدة لخروج اليونان من منطقة اليورو والعودة إلى الدراخما. المجموعة الثانية، وتضم يانيس فاروباكيس، وزير المالية، وبعض المستشارين المقربين من تسيبراس، تعتقد أن شركاء اليونان الأوروبيين سيتنازلون أولاً، من خلال تقديم شروط تُمكّن حكومة حزب سيريزا من البقاء في منطقة اليورو واعتباره، بالنسبة للرأي العام المحلي، بمثابة انتصار. أما المجموعة الثالثة، القريبة من يانيس دراجاساكيس، نائب رئيس الورزاء، فتدعم التوصّل إلى تسوية مع دائني اليونان.

على السطح، الحياة في أثينا تستمر بهدوء يتناقض بشكل صارخ مع إدراك السياسيين، والمصرفيين، ومجتمع الأعمال أن الوقت ينفد. أي تقييم لنوايا تسيبراس يجب أن يأخذ في الحسبان شعوره العميق بالولاء لرفاقه في حزب سيريزا، بما في ذلك أولئك الذين على اليسار المتطرف الذين، حسب بعض التقديرات، يُشكّلون ثُلث الحزب في البرلمان. ومن المرجح أن يفعل كل ما يُمكن لتجنّب الانفصال عنهم، ما يُدّمر المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي.

كيرياكـــــــــوس ميتســــوتاكيس، الشخصية البارزة في حزب الديمقراطية الجديدة، من يمين الوسط، يقول: “تسيبراس لديه ولاء قوي لجماعته. إنه يُفكّر هل أنا الشخص الذي يخونهم؟”. ويضف “أقول لأصدقائي الأوروبيين أن يحذروا من الاعتقاد بأنه ديمقراطي اشتراكي”.

ويتابع “لا يزال حزب سيريزا يقول: سنحتفظ باليورو وشخص ما سيُعطينا المال بدون ضوابط. هذا كان خطابهم الانتخابي، ولم يتغيّر. إذا كانوا سيتوصّلون إلى تسوية مع الدائنين، قد تتوقع أن يخففوا خطابهم للرأي العام الآن. شعوري هو أننا نتجه نحو كارثة وطنية، ولا أحد يشعر بالقلق بشأنها حتى الآن”.

إن الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة. لدفع أكثر من 1.7 مليار يورو من المعاشات التقاعدية والرواتب في نهاية نسيان (أبريل)، وتسديد قرض حجمه 186 مليون يورو لصندوق النقد الدولي مستحق في السادس من أيار (مايو)، خيار تسيبراس الوحيد سيكون مداهمة الاحتياطيات النقدية المتبقية لكيانات الدولة اليونانية، مثل المجالس المحلية وصناديق الضمان الاجتماعي.

بعد ذلك، لن يكون هناك ما يكفي من المال لسداد فاتورة صندوق النقد الدولي البالغة 707 ملايين يورو، المستحقة في 12 أيار (مايو)، ناهيك عن دفع رواتب الشهر المقبل والمعاشات التقاعدية. هذا يشير إلى أن اللحظة الحاسمة في محادثات الدائنين قد تكون اجتماع وزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل في 11 أيار (مايو).

إجراء اتفاق مؤقت يعتبر ممكنا. وقد يتطلب من اليونان تنفيذ تدابير أقل خلافية يطالب بها الدائنون – ليس إصلاح سوق العمل أو إصلاح نظام التقاعد ولكن، مثلا، استقلال منصوص عليه قانونا لمصلحة الضرائب في وزارة المالية في اليونان.

في المقابل، من مبلغ قدره 7.2 مليار يورو في أموال خطة الإنقاذ المحجوزة منذ العام الماضي، يمكن إعطاء اليونان 1.9 مليار يورو – تمثل الأرباح التي تحققت من قبل البنك المركزي الأوروبي من شراء السندات اليونانية بعد الإنقاذ الأول في أيار (مايو) 2010.

مثل هذا الإصلاح قد يمهد الطريق لتسوية على المدى الطويل، ينطوي عليها ما يصل إلى 25 ـ 30 مليار يورو من المساعدات المالية الجديدة بحلول نهاية حزيران (يونيو). لكن المنطق الأساسي للمساعدة في مقابل الإصلاح الاقتصادي سيبقى دون تغيير، وهذا يعني أنه لا يزال يتعين على تسيبراس مواجهة اليساريين المتطرفين في حزبه.

في شمال اليونان هناك تمثال من الحجر الجيري الخراساني، هو نصب زالونجو، الذي يكرم النساء اليونانيات القرويات اللواتي ألقين في عام 1803 بأطفالهن وأنفسهن من جرف عال إلى هاوية، بدلا من أن يتم القبض عليهن واستعبادهن من قبل القوات العثمانية. ووفقا للأسطورة، كن يغنين ويرقصن على وفاتهن.

إن العالم يراقب لمعرفة ما إذا كان تسيبراس وزملاؤه من حزب سيريزا يخططون لإعادة تمثيل رقصة زالونجو.