كتبت أنديرا مطر في صحيفة “القبس الكويتية”: لم يعد «حزب الله» يستخدم لغة مبطنة ولا مواربة في تهديد خصومه. المعركة وجودية ومن ليس معه فهو ضده، على ما رشح من مواقف أمين عام «حزب الله» الأخيرة السيد حسن نصر الله في خطابين، فصل بينهما أقل من أسبوع.
بلغة تصعيدية ونبرة عالية استعرض نصر الله مجريات المعركة التي يخوضها في القلمون ضد من اسماهم «التكفيريين»، داعياً كل اللبنانيين للقتال الى جانب الحزب. وأعلن استمراره في المعركة، حتى لو «خسرنا نصفنا وثلاثة أرباعنا». استحضر معركة صفين، وحذر تيار المستقبل (السنّة ضمنا) والمسيحيين بأن لا أحد سوى «حزب الله» قادر على حمايتهم من «داعش». تناول نصر الله في حديثه «شيعة السفارة» (المقصود السفارة الأميركية)، واعتبر أنهم ليسوا سوى مجموعة من «الأغبياء والخونة والعملاء». استعادة نصر الله مصطلح «شيعة السفارة» يعكس ضيقه من أي صوت معارض مهما كان، فلقد كان هذا المصطلح خارج التداول لفترة طويلة، مما يجعل من إحيائه على لسان نصر الله تعبيرا عن أزمة فعلية، أو محاولة للتغطية على تململ شيعي داخل صفوف الحزب نفسه. اتهام «شيعة السفارة» بالعمالة والتخوين، أثار موجة من الردود والاستهجان، ولكنها اقتصرت على مناوئي الحزب من اللبنانيين – لا سيما أن الشيعة المعارضين للحزب يعتبرون الحلقة الاكثر ضعفاً في المعادلة اللبنانية اليوم – فاشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بــ «هاشتاغات»: «كلنا شيعة السفارة» و«مين طلب حمايتك؟!».
“شيعة السفارة” تعبير يصف شخصيات شيعية تعارض «حزب الله» وتدخله في سوريا، وهم يمثلون حالة نقدية، ليس في الوسط الشيعي فحسب، بل في المجال اللبناني العام، حيث غابت الرؤية النقدية، وغاب دور المثقفين بشكل عام.
حرب استباقية داخلية
القبس التقت بعضاً من الوجوه المناوئة للحزب لاستطلاع رأيهم في كلام نصرالله ورؤيتهم للمرحلة المقبلة.
يرد الصحافي والناشط السياسي مصطفى هاني فحص ارتفاع منسوب التوتر في كلام نصرالله الى عوامل كثيرة:
«فشل الحرب التي شنها حزب الله ضد الثورة السورية، مع تقلص المساحات التي يسيطر عليها الاسد وتقلص الجغرافيا الاستراتيجية التي يراد للاسد والايرانيين وحزب الله ابقاء السيطرة عليها. تراجعت المعركة اليوم لتصبح دفاعية في القلمون وهي الشريط الحدودي الجديد بين لبنان وسوريا في سلسلة جبال لبنان الشرقية. لم يستطع الحزب السيطرة على المساحات الشاسعة في الجرود، فانعكس ذلك معنوياً على جمهور الحزب الموعود دائماً بالانتصارات. لذا لجأ الحزب الى خوض حربه الاستباقية في الداخل اللبناني لمواجهة منتقديه بالقول: لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص، ليلغي اي صوت انتقادي واي مظهر ديموقراطي”.
ويرفض فحص اعتبارها معركة وجودية على الطائفة الشيعية، وانما هي معركة الدفاع عن المشروع الايراني في لبنان وفي سوريا.. ويخشى من صراع طائفي مذهبي خطير سوف يرتد على مجتمعاتنا لسنين مع تراكم النزف السوري ومع الخوف اللبناني، لا سيما الشيعي، من مستقبل العلاقة مع سوريا.
“حزب الله” نحو الهزيمة!
يرجح فحص فشل نصرالله في حربه هذه لأن الديموغرافيا والجغرافيا تعاكسانه وتفرضان ظروفهما الميدانية على هذه المعركة. ويتمنى ان ينسحب حزب الله من هذه المعركة قبل فوات الاوان وان يلجأ الى تسوية تاريخية لبنانية. الطوائف في لبنان يحمي بعضها بعضا والعيش الواحد يحمي لبنان من اتون الحرب السورية ومن مستقبل الفوضى المقبلة على سوريا وعلى جوارها في العراق.
مواقف نصرالله وما يبشر به منظروه السياسيون والاعلاميون ممن يعتبرون انفسهم في معركة مصيرية تجعل كل أصحاب الرأي الحر مهددين بحسب فحص: «البعض يدفع حزب الله الى تجاوز الخطوط الحمراء الداخلية والضرب بيد من حديد. لكن هذا سيفجر لبنان ويؤدي الى صراع داخلي، حزب الله في غنى عنه».
لم يصدق وعده
يستشف الكاتب والصحافي علي الأمين من قراءة الخطابين الاخيرين للسيد نصرالله ان الامور تزداد صعوبة على مستوى القتال في سوريا وفي جرود القلمون خصوصا، حيث المخاطر التي يتعرض لها حزبه كبيرة. «يمكن ان يقتل نصفنا في هذه الحرب او ثلاثة ارباعنا»، يقول، وهذا مؤشرا على خطر كبير. عندما تصل الامور الى هذا المستوى من الخطورة بعد سنوات من التدخل في سوريا يعني ان التورط لم يقده الى تحقيق انتصار كما وعد، كما لا يمكنه العودة بالامور الى ما كانت عليه قبل اندلاع الثورة السورية. انه في مازق كبير اذاً. وتصعيد نصرالله ينطوي على القول ان المطلوب من الآخرين الذين لا يوافقونه رؤيته ان يتحسسوا خطورة وضعه وان يسيروا وراءه في معركته.
يتفرد نصرالله بقراراته ويطلب من الآخرين السير وراءه. على ما يقول الأمين، موضحاً أن الحل يكون بانسحاب حزب الله من سوريا. رفع نصرالله من منسوب الخطر الذي يتعرض له لبنان من دون ان يقدم اي اشارة لاستعداده ان يشارك الآخرين خياراته المتصلة بالوضع السوري. خصوصا انه ضمن السلطة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية وليس خارجها.
انتهاج منطق التكفيريين
مجاهرة الأمين برأي يخالف سياسة حزب الله وضعه في دائرة المواجهة مع بعض الاقلام الاعلامية الناطقة باسم الحزب. وهو يدرك ان تبنيه موقفا مختلفا في البيئة الشيعية لا بد ان يكون مكلفا. لكن مستويات هذه الكلفة بقيت حتى نفسية، وقد تصل الى اكثر من ذلك. احدى الصحف اللبنانية المقربة من الحزب ذكرته بالاسم في معرض تحذيرها اللبنانيين المناوئين للحزب بان يتحسسوا رقابهم. كما تعرض منزله في الجنوب للحرق قبل نحو عام.. هو يعتبر ان ما يقوله يندرج ضمن حرية الرأي وضمن الأطر القانونية والتنوع الذي يفترض بحزب الله ان يقر به. ولا يملك تنظيما عسكريا ولا حزبا سياسيا، بل يعبر فقط عن موقفه من خلال آراء ونشاط اعلامي صحافي. «لا يجوز ان يصل الامر بحزب الله وهو يقاتل التكفيريين ان يعتمد المنهج نفسه والمنطق نفسه. المنطق الداعشي التكفيري لا يسمح بالاختلاف والراي الآخر، والحزب لا يقبل بالتنوع والاختلاف بالآراء ضمن البيئة الشيعية».
تململ شيعي خجول
علي الامين وسواه من ابناء الطائفة الشيعية المناهضين لحزب الله مستمرون في التعبير عن مواقفهم رغم التهديد الذي يطولهم. «لا أعتقد أن مواقفنا تؤثر في قوة الحزب «القادر على تحقيق الانتصارات في كل مكان»، مؤكداً أن واجبه المهني الصحافي يملي عليه القول ان خيار حزب الله خاطئ، لكي لا يقال يوما ان البيئة الشيعية كانت مجمعة على هذا الخيار. لا يقتصر الاعتراض على خيار حزب الله التدخل في سوريا على وجوه اعلامية وسياسية معدودة وانما يطول شريحة من الشيعة لا يستهان بها لا تزال صامتة وراضخة للحزب بسبب مجموعة عوامل معيشية واجتماعية، اضافة الى ما يواصل الحزب بثه من ان تهديدا وجوديا يتهدد الطائفة الشيعية. كل هذه العوامل لا تزال تلزم كثيرين بالصمت.
التهويل والعزل والخطر
من ناحيتها، اعتبرت الاعلامية ديانا مقلد أن المواقف الاخيرة للأمين العام لحزب الله تثير القلق فعلا. «فحين يتحدث عن «عملاء وخونة أغبياء» فنحن نعرف ما يعني التخوين في بلادنا. وحين يقول ان هذا ليس وقت ديموقراطية ومعارضة، فهذا يعني ان لا مكان لمن يريد ان ينتقدني بل عليه ان يسكت. اذا بالمعنى الصريح حملت مواقفه تهديدا معلنا لمن يعارض قتاله في سوريا، خصوصا ابناء طائفته. فهو لا يتحمل في هذه المرحلة التي من الواضح انه يخسر فيها ان يكون هناك رأي مخالف لما يرتكبه في سوريا ولبنان ايضا. فوسط الجنازات التي تتقاطر الى الجنوب والبقاع يخيف حزب الله ان تعلو اصوات تسأل: لماذا يموت هؤلاء وفداء لمن؟ ودرجات الخطر تجاه معارضي نصر الله متفاوتة فهي تبدأ بالعزل الاجتماعي وتمر بالتهويل والتهديد عبر رسائل في وسائل التواصل الاجتماعي وصولا الى التهديد الجسدي الفعلي. نذكر جميعنا كيف ان وسائل اعلام تم اسكاتها وكيف ان اسكتشات كوميدية جرت مجابهتها في الشارع. اذا كلام نصر الله يسهل امكانية استخدام الشارع بحجة «غضب اهالي» لتبرير اعتداءات ما. نعم اعتقد ان هناك مخاطر امنية خصوصا للبعض من الذين يملكون مواقع الكترونية او برامج دائمة ينتقدون فيها ما يقدم عليه الحزب. وهذا يستدعي تضامنا وتحركا ومسؤوليات من الدولة بالدرجة الاولى ومن المجتمع المدني. وبما اني لا اعول على الدولة فاعتقد اننا كصحافيين وناشطين وكأفراد لا حماية لنا. والحماية الوحيدة ان نستمر في اعلاء الصوت ضد ما نراه جنونا سيقود بنا وبلبنان الى الموت».
