نقلت صحيفة “السفير” عن احد الكنسيين أن مرجعاً مسيحياً وصل الى قناعة بأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية بات يتطلب «صدمة» تجلب الجميع الى «بيت الطاعة»، وتحملهم، ولو مكرهين، على النزول الى مجلس النواب ووضع حد للفراغ الرئاسي. فكل السبل التي سلكها المرجع المذكور بحثاً عن الاستحقاق الرئاسي كانت مقفلة.
وقالت: “المطالبة شبه اليومية للقوى السياسية في لبنان، بانتخاب الرئيس، ثبت انها مجرّد صرخة في صحراء، واصطدمت برغبات متصارعة وتناقضات تصل الى حد رفض الآخر. ومع اليقين بعجز تلك القوى على الحل والربط في هذا الاستحقاق «سنبقى نحفر في الصخر علّنا نستخرج الماء»!
في الفاتيكان اصطدم المرجع بواقع فاقد للتأثير، محكوم بجعبة رئاسية فارغة. فلا رؤية واضحة، ولا قدرة حتى على تسويق فكرة، او حتى رغبة في امر ما، لا لدى اللبنانيين، ولا لدى الاميركيين والاوروبيين.
مع الاميركيين، اصطدم بحذف لبنان من اجندة الاولويات الاميركية. حتى زيارات السفير الاميركي الى بكركي لا تحمل اكثر من مجاملات وكلام عام.
ومع الاوروبيين، اصطدم بتخليهم عن المسيحيين في لبنان والمنطقة، وبأنهم آخر من يعلم في ما خص الاستحقاق الرئاسي، ويسيرون كالعميان خلف الولايات المتحدة الاميركية. حتى ان زيارات الموفد الفرنسي جان فرانسوا جيرو الى لبنان، التي ثبت انها ليست سوى زيارات استطلاعية وفارغة من اي مضمون، تمت بالتنسيق مع الاميركيين. وقد قيل للمرجع المسيحي المذكور إن جيرو قد يقوم بزيارة جديدة في المدى القريب.
ومع العرب، اصطدم بأن لا وجود لهم، اخذتهم ازماتهم وتعقيداتهم، ومن هو على صلة بلبنان، يشارك في الدور التعطيلي للاستحقاق الرئاسي.
واما شكل «الصدمة» التي يتحدث عنها المرجع المسيحي، فليست واضحة المعالم بالنسبة اليه، بل تحددها ظروفها وزمانها ومكانها. وعلى حد قوله «لا بد من حصول صدمة عاجلة، لكن لا اعرف كيف. لقد تمّ اخراج المسيحيين من المعادلة الداخلية. نحن نقترب من سنة ونصف على الفراغ في سدة الرئاسة، وكأن شيئا لم يكن بالنسبة للآخرين، وها هم يكيّفون البلد مع غياب رئيس الجمهورية المسيحي، وهناك من هو مصر على ممارسة الحكم وادارة الدولة في غياب الضلع الثالث لمثلث الحكم، وبمعزل عن رأيه وكأن شيئا لم يكن».
مَن مِن القوى السياسية الداخلية قادر على القيام بصدمة، او التسبب بصدمة تفتح باب الاستحقاق الرئاسي على الانتخاب؟
ليس مهما بالنسبة الى المرجع المسيحي من يقوم بتلك «الصدمة»، بل المهم هو ان تحصل، لعلها تستعيد للمسيحيين ما هم على وشك ان يخسروه نهائيا في زمن الفراغ الرئاسي الراهن، فتفضي الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية على غرار ما حصل في سنة 2008.
يستدرك المرجع المسيحي ويتمنى لو يكون مصدر «الصدمة» مسيحيا، الا ان المؤسف في رأيه، هو ان الواقع المسيحي، برغم محاولات تجميله بحوارات تارة وبلقاءات ومناسبات اجتماعية تارة اخرى، لا يلتقي على كلمة سواء، بل عند ساعة الجد، والمصلحة، يعزف كل مكوّن من مكوّناته على وتر رغباته ومصلحته بمعزل عن كل الآخرين!
يقابل ذلك، كلام مسيحي آخر، ينطلق من التأكيد على أمرين:
– اولا، ان احداث تلك الصدمة كما هو متعسر مسيحيا، فهو متعسر اسلاميا أيضا، فلا تيار «المستقبل» بصدد القيام بخطوة من اي نوع لخدمة الاستحقاق، او لخدمة مرشحه سمير جعجع، ولا هو يملك القدرة على ذلك. ولا «حزب الله» ايضا، وبرغم امتلاكه الامكانات، يفكر بإحداث صدمة رئاسية، علما انه هو صاحب «صدمة 2008» التي افضت في النهاية الى انتخاب رئيس.
– ثانيا، ان المسيحيين نادرا ما كانوا اصحاب القرار النهائي في اختيار رئيس الجمهورية الماروني، فالمسلمون دائما هم الذين يرجحون كفة اي من المرشحين، والكلام هنا لشخصية مسيحية بارزة خبيرة بتاريخ المسيحيين في لبنان تقول إن هناك افتراق اسلامي اليوم يتوزع على “بلوك» سني و”بلوك” شيعي، وما داما مفترقين، فلا مجال ابدا لانتخاب رئيس جديد، وكل الوقائع المحلية والاقليمية السعودية والايرانية لا تشي بامكان توافقهما، حتى في المدى البعيد، فحجم الفوارق والازمات بينهما صار على امتداد جغرافيا حضورهما، ومن النوع الذي صار مستعصيا على الحل وغير قابل للعلاج بسهولة.
من جهتها، أشارت مصادر لصحيفة “الديار” إلى أنّ لا بوادر ايجابية في الداخل تؤشر الى موافقة اطراف محليين على السير في الاستحقاق الرئاسي. فلقاء جعجع وعون بحد ذاته لا يكفي وحده ودور “المستقبل” في التعطيل بات واضحاً وفي وضع العصي في دواليب قطار بعبدا وعرقلة وصول عون الى بعبدا وروكز الى اليرزة، او بربط الاستحقاقين ببعض وفق المعادلة التالية « تخلي عون عن الرئاسة مقابل وصول قائد المغاوير الى اليرزة «، فصحيح ان ورقة النوايا بين التيار والقوات ساهمت في تخفيف الاحتقان وحدة موقف القوات من ترشيح عون إلا انّ فيتوات “المستقبل” على عون بقيت على حالها.
ولفتت المصادر إلى أنّ جعجع يرى ان تقاربه مع الرابية يكسبه الكثير في الشارع المسيحي واكثر من تحالفه ربما مع المستقبل بعدما تشوهت صورة معراب في اكثر من استحقاق ومحطة مسيحية إرضاء للحليف الأزرق، وبالتالي فانّ اقترابه من الرابية يكسبه مسيحياً ويحسن نقاطه الرابحة لدى المسيحيين الذين خاصموه في الحرب وربما يصبح جعجع ذات يوم الوريث المسيحي للحالة المسيحية القريبة من عون ولكرسي بعبدا اذا ما سلف عون الكرسي الرئاسي اليوم.

